نشرت مجلة “فورين بوليسي” مقالا للمعلق وأستاذ كرسي روبرت أند رينيه للدراسات الدولية بجامعة هارفارد، ستيفن وولت، تساءل فيه عن دور اللوبي الإسرائيلي في الحرب الأمريكية- الإسرائيلية على إيران.
وبدأ الكاتب مقالته بملاحظة مهمة قال فيها إن الحرب في إيران لا تسير كما هو متوقع “بل يمكنني القول إنها لا تسير كما هو مخطط لها”، إلا أن هذه الكلمة تبدو غير مناسبة تماما في هذه الحالة، فبينما يواجه الأمريكيون وغيرهم كارثة أخرى في الشرق الأوسط، يتساءلون عن المسؤول. ومن الأهمية بمكان توجيه اللوم لمن يستحق اللوم وعدم اتهام الأبرياء ظلما”.
ويقول وولت إنه ليس المستغرب اعتقاد بعض المراقبين بأن هذه حرب تشن نيابة عن إسرائيل. ويستشهدون بتصريح وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو بأن الإدارة كانت على علم بأن إسرائيل ستشن هجوما، وتوقعت ردأ إيرانيا ضد القوات الأمريكية في المنطقة، ولذلك اختارت المبادرة بالهجوم. علاوة على ذلك، كان رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يضغط بشدة من أجل حرب أخرى منذ أشهر، وهناك العديد من المحللين المؤيدين لإسرائيل -مثل رئيس تحرير صحيفة “جيروزاليم بوست” السابق وكاتب عمود في صحيفة “نيويورك تايمز” حاليا بريت ستيفنز من الذين دعوا أكثر من مرة للحرب ضد إيران، ولا يزالون يدافعون عن الحرب الحالية حتى الآن.
وهو ما يقود إلى سؤال بديهي عن دور جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل في الولايات المتحدة في الحرب الحالية، وما مدى مسؤولية “اللوبي الإسرائيلي” عن الحرب؟
وفي البداية قدم الكاتب نقطتين قبل تقديم التفاصيل:
النقطة الأولى، هي أن الوقت ما زال باكرا للحديث عن هذا، ومن المؤكد ستظهر المزيد من الأدلة حول كيفية وسبب حدوث ذلك في الأشهر المقبلة، إلى جانب الجهود المعتادة لإثارة الجدل وإلقاء اللوم على الآخرين إذا ساءت الأمور أكثر. فعلى عكس حرب العراق عام 2003، لم تسبق هذا الصراع حملة طويلة لتسويق الحرب للشعب الأمريكي، لذا يصعب معرفة من كان يدفع باتجاهها ومن كان مترددا.
أما النقطة الثانية، فعند محاولة قياس تأثير جماعة ضغط أو جهد للضغط، فمن الضروري تعريفه تعريفا دقيقا. وكما أوضح الكاتب مع جون ميرشايمر في كتابهما الصادر عام 2007 حول هذا الموضوع، فإن جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل لا تعرف بالدين أو العرق، بل بالمواقف السياسية التي يسعى أعضاؤها للترويج لها. وهي عبارة عن تحالف فضفاض من جماعات وأفراد هدفهم المشترك هو الحفاظ على “علاقة خاصة” بين الولايات المتحدة وإسرائيل، وتعني هذه العلاقة الخاصة، من الناحية “العملية” تقديم دعم عسكري ودبلوماسي سخي لإسرائيل بغض النظر عما تفعله.
وتضم جماعات الضغط يهودا وغير يهود، والعديد من اليهود الأمريكيين ليسوا جزءا من جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل ولا يؤيدون العلاقة الخاصة معها. علاوة على ذلك، فإن بعض العناصر الرئيسية في هذه الجماعات، مثل الصهاينة المسيحيين، ليسوا يهودا.
ومن هنا، فمن الخطأ “التحليلي” تحميل اليهود الأمريكيين مسؤولية انجرار الولايات المتحدة إلى حرب جديدة في الشرق الأوسط، تماما كما كان من الخطأ إلقاء اللوم عليهم في حرب العراق عام 2003. وفي الواقع، أظهرت استطلاعات الرأي في عامي 2002 و2003 أن اليهود الأمريكيين كانوا أقل تأييدا للحرب ضد الرئيس العراقي صدام حسين مقارنة بعموم الشعب الأمريكي.
ورغم أن معهد سياسات الشعب اليهودي الإسرائيلي قد نشر قبل فترة استطلاعا للرأي يزعم فيه أن أغلبية اليهود الأمريكيين يؤيدون الحرب الحالية ضد إيران، إلا أن هذه النتائج مستقاة من عينة مختارة بعناية وغير ممثلة للرأي العام، ومن شبه المؤكد أنها مزيفة. ويعتقد الكاتب أن نشر معهد سياسات الشعب اليهودي الإسرائيلي لمثل هذه النتائج المشكوك فيها، يعد تصرفا غير مسؤول، لأنه يخاطر بتأجيج معاداة السامية التي يسعى الجميع لمنعها.
وأشار الكاتب هنا لمواقف جماعات يهودية أخرى مثل “جيه ستريت”، وهي أكبر جماعة ليبرالية مؤيدة لإسرائيل في أمريكا، وجماعات تقدمية مثل “السرد اليهودي الجديد” و”الصوت اليهودي من أجل السلام”، من الحرب على إيران وكلها أصدرت بالفعل بيانات عامة تدينها.
ويظل السؤال هنا، من هو المسؤول؟
أولا يتحمل الرئيس دونالد ترامب وحاشيته من الموالين غير العقيمين والمتخاذلين. وكما فعل جورج دبليو بوش عام 2003، اتخذ ترامب القرار، ويتحمل المسؤولية الكاملة عن عواقبه. كما يتحمل نتنياهو، الذي يسعى لفرض هيمنة إسرائيلية على المنطقة بأسرها، ولكنه لا يملك أي فرصة لتحقيق ذلك دون دعم أمريكي فعال، مسؤولية مباشرة أيضا.
ويعلق وولت أن أي رئيس لا يمكنه التصرف بمفرده تماما، مهما حاول ترامب إقناعنا بذلك. ومن المعروف أن ترامب يتأثر بما يسمعه من المحيطين به، وتضم دائرته المقربة العديد من المدافعين الشرسين عن إسرائيل، وكذا المستفيدين منذ زمن طويل من تبرعات الحملات الانتخابية المتعلقة بإسرائيل، أو كليهما.
ويعتبر مبعوثا ترامب إلى الشرق الأوسط، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر من أشد المؤيدين لإسرائيل، وكذلك سفير الولايات المتحدة لدى إسرائيل مايك هاكابي. وكان ماركو روبيو، الذي يشغل أيضا منصب مستشار الأمن القومي، من أشد المؤيدين للعلاقة الخاصة بين الولايات المتحدة وإسرائيل خلال فترة عضويته في مجلس الشيوخ، وكان من أكبر المتلقين لتمويل الحملات الانتخابية المؤيدة لإسرائيل. وعملت سوزي وايلز، رئيسة موظفي البيت الأبيض الحالية، مستشارة لحملة نتنياهو لإعادة انتخابه عام 2020.
وباستثناء تولسي غبارد، مديرة الاستخبارات الوطنية، التي شككت في الدعم الأمريكي المفرط لإسرائيل قبل انضمامها إلى حركة “لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى”، يصعب إيجاد أي شخص في المناصب العليا بالإدارة الحالية يدعو علنا لإبعاد الولايات المتحدة عن إسرائيل.
ثانيا، اعترف ترامب نفسه بتأثره بشخصيات مؤيدة لإسرائيل بشدة، مثل ملك الكازينو الراحل، شيلدون أديلسون وزوجته ميريام. وكما ذكر إيلي كليفتون وإيان لوستيك في مقال نشر قبل فترة في مجلة “ذا نيشن” (وفي كتاب سيصدر قريبا)، خص ترامب ميريام أديلسون بالذكر، وهي أكبر متبرعة فردية في الانتخابات الأمريكية الأخيرة، خلال خطابه أمام الكنيست في تشرين الأول/أكتوبر 2025، بل وألمح إلى أنها ربما أحبت إسرائيل أكثر من الولايات المتحدة. وهناك مخاوف مماثلة أيضا في داخل الحزب الديمقراطي، تفسر تردد قادة فيه بانتقاد إسرائيل لبدء الحرب أو إدارة ترامب لانضمامها إليها، وتركيزهم بدلا من ذلك على الفشل في التخطيط للحرب بعناية أكبر.
ثالثا، هذه الحرب لم تأت من فراغ. فمن المؤكد أن الولايات المتحدة وإيران على خلاف منذ عقود، ولا تتحمل إسرائيل ولا جماعات الضغط وحدها مسؤولية الشكوك التي ينظر بها كل بلد إلى الآخر. ومع ذلك، عملت جماعات الضغط مثل لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (أيباك)، ومؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات والمنظمة الصهيونية الأمريكية ومنظمة متحدون ضد إيران النووية، على تشويه صورة إيران على مر السنين ومنع الشركات الأمريكية من ممارسة أعمالها هناك، وإفشال المحاولات السابقة التي بذلها الرئيسان الإيرانيان السابقان هاشمي رفسنجاني ومحمد خاتمي لتحسين العلاقات مع الغرب، وهي جهود فصلها مع زميله ميرشايمر في الجزء العاشر من كتابهما الصادر عام 2007.
وعلى عكس منظمة “جيه ستريت”، بذلت هذه الجماعات جهودا حثيثة لإحباط اتفاق عام 2015 الذي خفض قدرة إيران على تخصيب اليورانيوم ومخزونها النووي، وأقنعت ترامب في نهاية المطاف بإلغاء الاتفاق عام 2018 رغم التزام إيران الكامل به. ولو لم يفعل ترامب ذلك، لكان هناك سبب أقل بكثير للقلق بشأن البرنامج النووي الإيراني اليوم.
وأخيرا، فمن خلال جعل ممارسة ضغط فعال على إسرائيل شبه مستحيلة على الرؤساء الديمقراطيين والجمهوريين على حد سواء، مكنت جماعات الضغط نتنياهو من الانخراط في “قيادة متهورة” في جميع أنحاء المنطقة، سواء في جهود إسرائيل المستمرة لقمع الفلسطينيين أو في هجماتها المتكررة على غزة ولبنان واليمن وسوريا وإيران، وحتى قطر.
ورغم أن ستيفن سيمون محق في قوله من إن إسرائيل لم “تجبر” الولايات المتحدة على خوض هذه الحرب الأخيرة، إذ انخرطت إدارة ترامب فيها طواعيةً وبحماس، فإن دور جماعات الضغط في الدفاع عن العلاقة الخاصة وتمكين إسرائيل من مواصلة زعزعة السلام يساعد على فهم سبب تورط الأمريكيين في صراعات مكلفة بعيدا عن ديارهم.
والنتيجة، فمع تطور هذه الكارثة الأخيرة، سيرغب الأمريكيون وغيرهم، عن حق، في محاسبة المسؤولين. وينبغي عليهم التركيز على الجماعات والأفراد تحديدا بدءا من الرئيس وصولا إلى أصغر مسؤول من الذين تبنوا نهج إسرائيل تجاه المنطقة وتمكنوا من إقناع أنفسهم بأن جولة أخرى من العنف ستكون في مصلحة الولايات المتحدة.
ولم يستبعد الكاتب حدوث حروب كهذه، طالما لم يتم تقليص نفوذ جماعات الضغط ويتم التوصل لعلاقة طبيعية بين الولايات المتحدة وإسرائيل. وفي حالة لم يحدث هذا، فستظل أمريكا وكأنها متنمر متوحش يجعلنا جميعا في وضع أسوأ.

