بصمات على جدار الزمن
بصمات على جدار الزمن
Logo
الشريط الإخباري

مصر والأردن بين تخوفات عمرو موسى وتطلعات دول الخليج: ماذا لو تشكل “شرق أوسط جديد” على حساب مكانتهما الاستراتيجية؟

مصر والأردن بين تخوفات عمرو موسى وتطلعات دول الخليج: ماذا لو تشكل “شرق أوسط جديد” على حساب مكانتهما الاستراتيجية؟

لقد وضع التحالف الأمريكي الإسرائيلي ضد إيران الدول العربية المعتدلة، وبالأساس الأردن ومصر، في وضع معقد؛ فالمصريون والأردنيون – حلفاء واشنطن والموقعون على اتفاقات سلام مع إسرائيل – وجدوا أنفسهم مطالبين بأن يوازنوا بين التزامات استراتيجية، وضغوط إقليمية، ورأي عام داخلي. وعليه، فإن المواقف التي تنطلق من القاهرة وعمان تدمج حذراً سياسياً بسبب الخوف من تصعيد إقليمي من جهة؛ ومن جهة أخرى ثمة اشتباه عميق بتداعيات الحرب على ميزان القوى في الشرق الأوسط، وبكلمات أخرى: تخوف من ارتفاع شاهق في الهيمنة الإسرائيلية في المنطقة.

على المستوى الرسمي، تبنت مصر والأردن خط عمل مشابهاً: معارضة التصعيد العسكري، وتأييد المفاوضات مع إيران في صالح تسوية سياسية، وشجب المس بسيادة الدول العربية في الخليج. وشدد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي على أن حل الأزمات في المنطقة يجب أن يكون دبلوماسياً، وحذر من أن تصعيداً آخر ربما يمس بالاستقرار الإقليمي بل والدولي. على حد قوله، فإن “الحروب قد تؤدي إلى انهيار الدول وليس انهيار الأنظمة فقط – وستكون لهذه آثار سلبية جداً على استقرار المنطقة”. وعليه، تدعو القاهرة إلى وقف القتال والعودة إلى طاولة المفاوضات، بل وتعرض خدماتها كعنصر وسيط بين واشنطن وطهران.

عمان هي الأخرى أعربت عن قلقها في ضوء الحرب، لكن بدوافع أكثر وضوحاً من مصر؛ ففي الأسبوع الأول من الحرب، بلغت وسائل الإعلام الأردن عن إطلاق 119 صاروخاً ومسيرة على المملكة. ومع أنها شددت على عدم السماح المس بأمنها أو التسلل إلى مجالها الجوي، لكنها واعية جيداً لوضعها الجغرافي المعقد: الأردن حبيس بين مراكز المواجهة الإقليمية – إيران وإسرائيل – وعليه، فهو مطالب بالدفاع عن سيادته وعن أمنه دون الانجرار إلى المواجهة بشكل علني ومباشر.

تخوف من ضرر اقتصادي

إلى الجانب السياسي – الأمني، ينضم اعتبار آخر: يسمع في مصر والأردن تخوف من خطر الضرر بالاستقرار الاقتصادي. فقد حذر السيسي من أن إغلاق مضيق هرمز سيمس بالحركة التجارية في المنطقة، وأساساً بقناة السويس التي تعرضت لخسائر جسيمة منذ أكتوبر 2023 (بل وقبل ذلك، بسبب جائحة كورونا والحرب في أوكرانيا). كما أشار إلى أن على الحكومة الاستعداد لكل سيناريو محتمل، وشدد على أنه “من المهم أن تبقى الدولة والشعب متحدين”. فالاستقرار والثبات هما العامودان الفقريان في زمن الأزمة، انطلاقاً من الوعي بأن مشاكل مصر الاقتصادية قد تخرج شعبه إلى الشوارع.

مع ذلك، فإن البحث في المجال الجماهيري، بما في ذلك في وسائل الإعلام وفي الشبكات الاجتماعية، يعرض عنصراً آخر في الصورة؛ فثمة سياسيون ومثقفون وصحافيون كثيرون لا يرون في الحرب الحالية مواجهة بين إيران من جهة وإسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى؛ فبزعمهم، هذه مسيرة أوسع بكثير، تتمثل بإعادة تصميم الشرق الأوسط. الشخصية البارزة في هذا البحث هي عمرو موسى، وزير الخارجية المصري وأمين عام الجامعة العربية سابقاً. موسى، الذي يمتنع عن شجب الهجوم الإيراني ضد دول الخليج، حذر من أن خطوة أمريكية إسرائيلية تسعى بعد الحرب إلى تغيير النظام الإقليمي وإخضاعه وإخضاع الدول العربية لهيمنة إسرائيلية (عسكرية وسياسية).

من المهم الإشارة إلى أنه مقابل هؤلاء، ثمة أصوات أخرى تسمع أيضاً وإن كانت أقلية، خصوصاً من دول الخليج، لكنها ترى في إيران التهديد المركزي على أمن الشرق الأوسط كله. من ناحيتهم، إسقاط نظام آية الله أو إضعافه سيقلل نفوذه على منظمات الوكلاء الإيرانيين في المنطقة بشكل يؤدي إلى تغيير ميزان القوى في صالح الدول العربية المعتدلة. إن الخلافات التي تنعكس من هذا البحث تعرض فجوات عميقة داخل العالم العربي تجاه مسألة من هو مصدر التهديد المركزي على استقرار المنطقة وكيف ينبغي التصدي له.

في نهاية الأمر، تقف مصر والأردن أمام المعضلة إياها التي ترافق العالم العربي في العقود الأخيرة: كيف يمكن الحفاظ على مصالحها القومية في الوقت الذي تقف فيه معظم مراكز القوة في أيدي لاعبين خارجيين. في كل سيناريو تنتهي فيه المواجهة، سيكون التحدي الحقيقي لمصر والأردن ضمان ألا تأتي التسوية على حساب مكانتهما الاستراتيجية في المنطقة.

إسرائيل اليوم 17/3/2026