في الوقت الذي تنشط فيه منظمات المعبد المتطرفة في حملتها الداعية لإغلاق الأقصى أمام المصلين تغلق سلطات الاحتلال الإسرائيلي مجموعة من المنصات الإعلامية التي يختص عملها بمدينة القدس والمسجد الأقصى.
يوم أمس الأول، نشر المستوطن ألحنان غرونر من مستوطنة يتسهار جنوب غرب مدينة نابلس والناشط في كل من منظمات المعبد وعصابة «فتية التلال»، على منصات المستوطنين الرقمية مقطعا مصورا للمصلين وهم يستعدون لصلاة العشاء في المسجد الأقصى معلقاً: «من أجل هذا تضطرب قلوبنا وتَسوَدُّ عيوننا… لأن دولة إسرائيل حتى في ظل حكومة يمينية لا تعرف كيف تمنع العدو من الصعود إلى جبل المعبد أقدسِ مقدسات اليهود».
وفي منشور أخر نشر فيديو تمثيلي تغلق فيه أبواب المسجد الأقصى. جاء ذلك بعد عريضة وجهتها منظمات المعبد مطلع الشهر الماضي إلى وزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن غفير طالبت فيها بمنع الاعتكاف طوال رمضان، أتبعته منظمة بيدينو «جبل المعبد في أيدينا» بمقطع كرتوني يصور احتجاجها على عدم إتاحة فترة مسائية للاقتحامات، مطالبة أن يكون المنع والتقييد في وجه المسلمين.
كل ذلك يطرح أسئلة مهمة مثل: ما الذي تمهد له تلك المنظمات؟ وإلى أين وصل مستوى التنسيق والتكامل بينها وبين شرطة الاحتلال؟، غير أن قرار وزير الحرب الإسرائيلي يسرائيل كاتس وقع أمرًا عسكريًا يصنف عدد المنابر الإعلامية الإلكترونية الفلسطينية (كأذرع لحركة «حماس»، خصوصًا تلك التي يتم إدارتها من تركيا وسيتم التعامل معها بموجب قانون «حظر الإرهاب» (بيان وزارة الجيش)، يضاعف الأسئلة والقلق أيضا.
وحسب ادعاء جيش الاحتلال فإن في المنظومة الأمنية يرصدون محاولات من جانب «حماس» تركيا و«حماس» غزة لإشعال الأوضاع في القدس وفي المسجد الأقصى خلال شهر رمضان، غير أن مراقبين كثر تحدثت معهم «القدس العربي» أكدوا أن من يقود التصعيد الحقيقي هو الاحتلال وسياساته بحق القدس والمسجد الأقصى.
الشبكات التي تم حظرها هي «العاصمة القدس»، و»البوصلة»، «المعراج»، و»ميدان القدس» (التي سبق أن أعلنت توقفها نهاية عام 2022 بعد ملاحقة شركة ميتا المتكررة لجميع منصاتها)، وكذلك شبكة «قدس بلس».
وجاء في بيان الجيش أنه بتوصية من جهاز الأمن العام (الشاباك)، وبعد الحصول على موافقة المدعي العام للدولة، وقّع وزير الأمن يسرائيل كاتس على أمر يقضي باعتبار هذه المنصات منظمات إرهابية، بموجب قانون مكافحة الإرهاب.
محاولا نزع الشرعية عن المحتوى الذي يفضح انتهاكاته بحق الأقصى
«شبكة العاصمة» نشرت بيانا وصل «القدس العربي» نسخة منه جاء فيه: «في خطوةٍ جديدة تضاف إلى سجلّ القمع والتكميم، أقدم الاحتلال الإسرائيلي على حظر عمل عدد من الشبكات الإخبارية المقدسية، في محاولة لعزل القدس والأقصى والاستفراد بهما وتغييب أخبارهما عن العالم».
وتابعت الشبكة: «وعليه، تعلن شبكة العاصمة وقف جميع أنشطتها الإعلامية، لا تراجعًا عن الموقف ولا تخليًا عن الرسالة، ولكن حفاظاً على مراسليها وصحافييها المقدسيين من بطش الاحتلال وتغوله».
وتابعت في البيان: «تؤكد شبكة العاصمة أنها وسيلة إعلامية مستقلة وانطلقت من مدينة القدس بجهود محلية وذاتية وكان لها شرف الكلمة والميدان، وشرف الرباط بين مرابطي القدس والأقصى، ونقل معاناتهم بصدق، وتسليط الضوء على انتهاكات الاحتلال ومستوطنيه بحق المسجد الأقصى المبارك، بنفس وطني وانتماء كبير، فكانت عينها على الأقصى، ونافذة العالم إليه».
وختمت قائلة: «إن حظر العاصمة وبقية وسائل الإعلام لن يحجب الحقيقة، وإسكات الكاميرا لن يُسكت القدس، فالرواية التي كُتبت بالدم والصمود أقوى من كل قرارات المنع».
جاء ذلك بعد ساعات من قرار محكمة الاحتلال الإفراج عن الصحفية المقدسية نسرين سالم العبد بشروط، وذلك عقب اعتقالها الأحد قبل الماضي أثناء تأديتها عملها الصحافي في القدس.
وحسب محمد محمود، محامي مركز معلومات وادي حلوة – القدس، أن قرار الإفراج تضمن فرض الحبس المنزلي لمدة 10 أيام، والإبعاد عن المسجد الأقصى لمدة 180 يوماً، إضافة إلى منعها من استخدام وسائل التواصل الاجتماعي والهاتف النقال وكافة وسائل الاتصال طوال فترة الحبس المنزلي، ودفع كفالة نقدية بقيمة 2000 شيقل.
الخبير في الشأن المقدسي زياد ابحيص اعتبر حظر المنصات الإعلامية المقدسية محاولة للتعتيم الإعلامي وتمهيداً لخطوات تصفية جديدة.
وقال ابحيص لـ»القدس العربي»: «بهذا القرار يكون الاحتلال قد حظر تقريباً كل المنصات الرقمية المختصة بالقدس والأقصى وشؤونهما، وعزز حالة التعتيم الإعلامي الشامل التي يفرضها على الأقصى منذ بدء حرب الإبادة».
ورأي أن هذا القرار العدواني يمكن أن تقرأ فيه مجموعة من الدلالات وهي، أولاً: يؤكد هذا القرار ما سبق تأكيده من أن الاحتلال يرى في هذه الأيام والشهور نافذة تاريخيّة للحسم، يحاول خلالها فرض مشروع تهويد القدس والأقصى، وتحقيق مآلات ما بدأه من مسارات تهويد متدرجة، أما ثانياً: فقد سبق للاحتلال أن أعلن حظر موقع القسطل الإخباري في بداية حرب الإبادة كجزء من تمهيده لضرب الشارع المقدسي وحصار المسجد الأقصى، ما يؤكد بالتجربة أن الاحتلال ينظر إلى حظر منصات الإعلام المقدسي كمقدمة ضرورية للتمهيد لعدوانه، العدوان الذي لم يلبث يمضي في خطوة جديدة فيه في كل يوم وبالذات مع اقتراب رمضان الحالي».
أما ثالثاً، والحديث للباحث ابحيص: «كل هذا يُحمّل كل المؤسسات الإعلامية الفلسطينية والعربية والإسلامية أن تكثف تغطيتها للقدس، وأن تُفرد لها مساحة من صدارة تغطياتها في مواجهة هذه الإرادة الصهيونية للاستفراد بالقدس وتغييبها من الوعي والاهتمام، أما رابعاً فياتي في ظل أن تلك المنصات، كانت، وغيرها من المنصات التي نشطت على مدى سنوات مضت تسد حاجة مركزية في نقل هموم القدس ووقائعها، وفي تعميق الفهم لوقائع المعركة فيها، وكانت تواجه ملاحقة صحافييها وسجنهم والاعتداء عليهم وإبعادهم عن الأقصى حتى باتت في آخر أيامها تضطر لتصوير اقتحامات الأقصى من فوق جبل الزيتون، لأنه لم يبقَ لديها مراسل واحد يستطيع العمل من داخله».
لقد عادت القدس وأقصاها لتصبح الساحة المركزية لحرب التصفية كما كانت على مدى عقد من الزمن قبل الطوفان ثم في أثنائه، والتصدي للحسم والتصفية فيها بات أكثر إلحاحاً، وبات واجباً لا يحتمل التقاعس أو الانتظار.
الخبير الإعلامي أكرم النتشة يعقب في حديث خاص لـ»القدس العربي» حول ما يعني القرار بالنسبة للقدس، حيث يقول: «في البداية يجب الحديث عن ان إسرائيل غيرت مفهوم الإرهاب من الاعمال العسكرية التي تستهدف المدنيين الى أي عمل تراه إسرائيل أنه ضدها حتى لو كان عملا إعلاميا أو صحافيا أو بوستا على وسائل التواصل الاجتماعي».
وأضاف: «ضمن هذا التعريف أصبح الاحتلال يوجه ضرباته نحو أي منظومة مدنية أو طبية أو إغاثية أو إعلامية بحجة أنها إرهابية وهذا ما فعله مع مجموعة من المنصات الصحفية الفلسطينية التي تهتم بالخبر والمحتوى المقدسي بإغلاقها واعتبارها منظمات إرهابية».
وشدد على أن الاحتلال هنا يعمل على تجريم الرواية الفلسطينية خاصة في القدس من خلال وصمها بالإرهاب وبالتالي نزع الشرعية عن المحتوى الذي يفضح انتهاكات الاحتلال وممارساته ضد الفلسطينيين في المدينة بشكل عام وفي الأقصى بشكل خاص.
ويضيف النتشة أن الاحتلال يخلق بيئة عمل معادية ليس للمؤسسات وانما لمن يعمل مع هذه المؤسسات ويصبح من السهل استهداف الصحافيين العاملين معهم ونتيجة التخويف الدائم يتم عزل الصحافيين عن محيطهم الاجتماعي وبيئتهم التي يعملون بها.
ويخلص إلى أن الفضاء الرقمي أصبح جزءا أساسيا من الفضاء العام وإغلاق الاحتلال للمؤسسات الإعلامية الفلسطينية هو جزء من السيطرة على الأرض والمؤسسات، بالتالي فان الفضاء الرقمي والمحتوى ضمن السلسلة الطويلة من الإجراءات التي بدأها الاحتلال منذ الاحتلال للسيطرة. هنا يصبح عزل القدس ليس فقط بالجدار وإنما بناء جدران افتراضية تمنع الفضاء الرقمي من العمل وفي الوقت الذي يعمل فيه الفلسطيني على إبقاء التواصل مع القدس افتراضيا ورقميا من خلال المحتوى الذي يربط القدس بمحيطها تأتي مثل هذه الإجراءات لقطع التواصل الرقمي.
ويتابع: «هذه الأوامر تأتي كل مرة بصيغة مختلفة مرة بإغلاق تحت قانون الجزيرة أو اعتبار منصات فلسطينية أو عربية مؤسسات إرهابية او أوامر عسكرية لكن مهما تغير شكل الإغلاق فهو يأتي ضمن السيطرة على الفضاء الإعلامي والرقمي.
وحول طرق مواجهة هذه السياسات يشدد النتشة على أن الوضع ليس سهلا ولكن قد تكون هناك استراتيجيات للعمل يمكن دراستها. ويشدد على أن البداية تتمثل في ضرورة الحفاظ على الأمان الشخصي والقانوني للزملاء الصحافيين ووضع هذا الأمر على رأس أي استراتيجية عمل.
ويتابع: «هناك إمكانيات بعمل الصحافيين تحت اسمهم ويتم النشر على صفحاتهم الشخصية وليس تحت أسماء منصات مستهدفة من الاحتلال، وهو أمر نجح سابقا في غزة خلال حرب الإبادة». ويختم بضرورة أن يتم تدشين منصات لا يتم النشر عليها من صحافيين إنما من متطوعين في الميدان، فالفضاء الرقمي المفتوح يتيح هذه الإمكانية، في ظل أن عمليات التوثيق والمناصرة لا يجب أن تتوقف أبدا.
بدوره أدان منتدى الإعلاميين الفلسطينيين القرار حيث اعتبره «لا يستهدف فقط مؤسسات إعلامية وطنية تمارس مهامها في نقل الحقيقة وتغطية الأحداث، بل هو محاولة واضحة لقمع الصوت الفلسطيني المستقل، وتشويه دوره في نقل واقع ما يجري، وإسكات روايته أمام الجمهورين العربي والدولي».
وتابع البيان: نحن إزاء محاولة لربط الإعلام الفلسطيني السياسي بمسوغات أمنية مزعومة، بهدف تجريمه وتضييق مساحة عمله».

