"مجلس السلام" أم هندسة الفصل؟ قراءة في تحوّلات الشرعية والتمثيل في المشهد الغزّي
19-02-2026
شكّل انعقاد الاجتماع الأول لما سُمّي بـ«مجلس السلام» الخاص بقطاع غزة محطة سياسية بالغة الحساسية، ليس فقط لجهة توقيته وسياقه، بل لطبيعة البنية التمثيلية التي قام عليها. فغياب تمثيل فلسطيني حقيقي وفاعل يطرح إشكالية مزدوجة: إشكالية الشرعية السياسية، وإشكالية مآلات هذا الإطار على وحدة الأرض والقضية. في ظل هذا المشهد، تبدو غزة وكأنها تُدار ضمن مقاربة فوق-وطنية، تُعاد فيها صياغة الأدوار والصفات والالتزامات بعيداً عن المرجعيات القانونية والسياسية المعترف بها دولياً.
أولاً: أزمة الشرعية بين القانون الدولي ومنطق القوة
يأتي هذا الاجتماع في سياق دولي يشهد تراجعاً ملموساً في فاعلية قواعد القانون الدولي، وتهميشاً لدور الأمم المتحدة كإطار ناظم للعلاقات بين الأطراف المتنازعة. فبدل الاحتكام إلى المرجعيات القانونية والمؤسسات متعددة الأطراف، يتقدّم منطق القوة وفرض الوقائع على الأرض باعتباره أداة لإعادة تشكيل الواقع السياسي.
إن أي إطار يُنشأ خارج منظومة الشرعية الدولية، أو يتجاوزها، يفتح الباب أمام تساؤلات حول طبيعته: هل هو مسار انتقالي اضطراري، أم بنية بديلة تُراد لها الديمومة؟ وفي الحالة الغزية، يبدو أن الطابع الاستثنائي قد يتحوّل إلى قاعدة، ما لم يُعاد ربط أي ترتيبات جديدة بمحددات القانون الدولي وقرارات الشرعية الأممية.
ثانياً: نحو تكريس فصل إداري–سياسي طويل الأمد
الصيغة المطروحة لـ«مجلس السلام» توحي باتجاه إعادة هندسة العلاقة بين قطاع غزة وبقية الجغرافيا الفلسطينية. فبدل أن يكون الإطار أداة لإعادة الدمج والوحدة، يبرز خطر تحوّله إلى مظلة إدارية–سياسية تُكرّس خصوصية غزة بوصفها كياناً منفصلاً، ولو تحت عنوان الإعمار أو الإدارة الانتقالية.
هذا المسار لا يعمّق الانقسام فحسب، بل يعيد تعريف القضية الفلسطينية من قضية تحرر وطني موحّدة إلى ملفات مجزأة تُدار كلٌّ على حدة. وهنا تكمن الخطورة البنيوية: فصل الإعمار عن السياق السياسي، وفصل غزة عن الإطار الوطني الأشمل.
ثالثاً: مفارقة “الشراكة” ومأزق الأخلاق السياسية
يثير توصيف إسرائيل كـ«شريك في مجلس السلام» إشكالية أخلاقية وقانونية عميقة، في ظل الاتهامات الدولية الخطيرة الموجّهة إليها بشأن ما جرى في قطاع غزة. فكيف يمكن لطرف متهم بارتكاب انتهاكات جسيمة ( ابادة جماعية ) أن يُقدَّم في الوقت ذاته بوصفه شريكاً في صياغة ترتيبات ما بعد الحرب؟
هذه المفارقة تعكس اختلال ميزان القوة في النظام الدولي المعاصر، حيث قد تُعاد صياغة الأدوار وفق اعتبارات سياسية براغماتية، لا وفق معايير العدالة والمساءلة. والنتيجة هي إضعاف مبدأ المحاسبة، وتحويل “السلام” إلى عملية تقنية لإدارة ما بعد الدمار، لا مساراً لتحقيق العدالة.
رابعاً: أزمة التمثيل الفلسطيني وتفريغ الصفة الوطنية
في مقابل منح صفة الشراكة لـ(إسرائيل)، لم يُعرَّف (علي شعث) بصفته التمثيلية الفلسطينية، ولم تُمنح له مكانة واضحة تعبّر عن الهوية الوطنية التي يُفترض أن يمثلها. إن تغييب الصفة الوطنية ليس مسألة بروتوكولية، بل يحمل دلالة سياسية عميقة: إعادة صياغة الحضور الفلسطيني بوصفه حضوراً فردياً أو تقنياً، لا تمثيلاً سياسياً لشعب وقضية.
إن أي عملية سياسية لا تُقرّ صراحة بالهوية الوطنية وبالتمثيل الشرعي، تفتح المجال لتآكل مفهوم السيادة، وتحويل الفاعل الفلسطيني إلى طرف إداري في مشروع يُرسم خارج إرادته الجمعية.
خامساً: الإعمار بين الالتزام المالي والارتهان السياسي
تُطرح مسألة إعادة إعمار غزة بوصفها عنواناً إنسانياً ملحاً، غير أن المؤشرات توحي بأن الالتزامات المالية المفترضة قد تبقى رهينة الحسابات السياسية. في ظل غياب ضمانات تنفيذية واضحة، قد يتحوّل ملف الإعمار إلى أداة ضغط أو مقايضة، بدل أن يكون استحقاقاً قانونياً وأخلاقياً على الأطراف المسؤولة.
إن فصل الإعمار عن إطار مساءلة واضح يهدد بتحويله إلى عملية مشروطة، تُدار وفق توازنات القوة لا وفق حقوق السكان المتضررين.
سادساً: إمكانات التصويب واستعادة المبادرة الوطنية
رغم قتامة المشهد، لا يزال المجال مفتوحاً أمام مقاربة فلسطينية بديلة. تقوم هذه المقاربة على ثلاثة مرتكزات أساسية:
1. تعزيز مقومات الصمود والبقاء كأولوية استراتيجية.
2. ترسيخ وحدة القرار والتمثيل الوطني.
3. تحصين الجبهة الداخلية قبل الانخراط في أي ترتيبات سياسية أو إدارية جديدة.
فالمعادلة الجوهرية ليست بين “المشاركة أو المقاطعة”، بل بين المشاركة من موقع الفاعل الوطني الموحد، أو الانخراط من موقع المفعول به في هندسة سياسية تُرسم خارجه.
وفي الختام؛ إن «مجلس السلام» في صورته الحالية يختبر حدود الشرعية الدولية، ومعنى التمثيل الوطني، وإمكانية الحفاظ على وحدة القضية الفلسطينية.
وبين خطاب السلام ومنطق القوة، تتحدد ملامح المرحلة المقبلة. ويبقى السؤال المركزي:
هل يكون هذا المجلس مدخلاً لإعادة الإعمار ضمن إطار وطني جامع، أم خطوة إضافية في مسار تفكيك الجغرافيا والقرار الفلسطيني؟
الإجابة لا تتوقف على طبيعة المجلس فحسب، بل على قدرة الفلسطينيين أنفسهم على إعادة تعريف موقعهم في المعادلة، بوصفهم أصحاب الأرض والحق والقرار .
