بصمات على جدار الزمن
بصمات على جدار الزمن
Logo
الشريط الإخباري

توقعات بخسارة 540 مليار دولار بسبب هدر الطعام في عام 2026 التخلص من أكوام الغذاء يحول النظام الغذائي العالمي إلى كابوس مقلق

توقعات بخسارة 540 مليار دولار بسبب هدر الطعام في عام 2026 التخلص من أكوام الغذاء يحول النظام الغذائي العالمي إلى كابوس مقلق

فيما يعجز ملايين البشر حول العالم عن إيجاد وجبتهم التالية، يواصل النظام الغذائي العالمي سلوكه العبثي: إنتاج الطعام بكثافة… ثم التخلص من جزء كبير منه وكأن المعمورة لا تشكو، وكأن الجيوب لا تنزف.

فقد بات الهدر الغذائي، إلى جانب خسائر ما بعد الحصاد، أحد أخطر أوجه الخلل في المنظومة الغذائية العالمية، بل أصبح ظاهرة تتضخم عامًا بعد عام رغم سيل التقارير والتحذيرات والدعوات العاجلة للتحرك.

ووفق تقديرات حديثة، يُتوقع أن تبلغ الكلفة المالية العالمية للهدر الغذائي في عام 2026 نحو 540 مليار دولار، مقابل 526 مليارًا في العام السابق، في قفزة تعكس فشلًا جماعيًا في التعامل مع المشكلة.

وكشف هذه الأرقام الصادمة، تقرير صادر مطلع الشهر الجاري عن شركة Avery Dennison المتخصصة في شؤون التغليف والترميز، تحت عنوان لافت: «كشف الهدر غير المرئي في الغذاء وتحويله إلى قيمة اقتصادية».

ولم يكتف التقرير، الذي استند إلى استطلاع شمل قرابة 3500 مسؤول في قطاع توزيع الغذاء عالميًا، إضافة إلى نمذجة اقتصادية أجراها المركز البريطاني للاقتصاد والبحوث التجارية «Cebr»، بتشخيص المشكلة، بل وضع الإصبع مباشرة على مواضع النزيف.

وبحسب الدراسة، تتصدر اللحوم قائمة أكثر المنتجات هدرًا، إذ يُتوقع أن تمثل نحو خُمس الهدر الغذائي العالمي في 2026، بكلفة تقارب 94 مليار دولار؛ ولا غرابة أن يعتبر 72 في المئة من مسؤولي سلاسل الإمداد، أنها التحدي الأكبر، نظرًا لحساسيتها، وكلفة إنتاجها، وتعقيدات تخزينها ونقلها.

وتأتي المنتجات الطازجة في المرتبة الثانية بخسائر تُقدّر بـ 88 مليار دولار، تليها الوجبات الجاهزة (80 مليارًا)، ومنتجات الألبان (79 مليارًا)، ثم المخبوزات (67 مليار دولار)؛ إنها أطعمة نشتريها يوميًا، لكنها تتحول في نهاية المطاف إلى عبء مالي وبيئي صامت.

لكن المفارقة هي أن الجناة معروفون، والعلاج مؤجل؛ إذ يعزو 51 في المئة من مسؤولي الشركات الهدر إلى سوء إدارة المخزون والتكديس المفرط، بينما يعترف 56 في المئة بعدم امتلاكهم رؤية واضحة لحجم الخسائر أثناء مراحل النقل، حيث تختفي كميات كبيرة من الطعام دون أثر يُذكر… سوى في دفاتر الخسائر.

ويزداد الطين بلّة مع عاملين إضافيين: التضخم الغذائي والاضطرابات الجيوسياسية: فـ 54 في المئة من المديرين التنفيذيين يؤكدون أن كلفة الهدر ارتفعت خلال السنوات الثلاث الماضية، ما خلق «خسارة مزدوجة»: مدخلات أعلى من جهة، وفرص مبيعات ضائعة من جهة أخرى.

والأخطر في أرقام Avery Dennison هو أن الهدر الغذائي يكلّف الشركات في المتوسط نحو 33 في المئة من إجمالي رقم أعمالها؛ وهذا رقم كفيل وحده بدق ناقوس الخطر في أي مجلس إدارة.

ويشدد التقرير التأكيد على أن القضية لم تعد بيئية أو أخلاقية فحسب، بل عائقًا ملموسًا أمام النمو والربحية.

وترى الشركة معدة التقرير أن الحل لم يعد سرًا: رؤية أدق على مستوى المنتج، تعاون أعمق عبر سلسلة الإمداد، وتوظيف ذكي للتقنيات؛ فبهذه الأدوات، يمكن للقطاع تقليص الكلفة المتوقعة بنحو 3.400 مليار دولار بحلول 2030، وتحويل الخسائر إلى قيمة، والضعف إلى مرونة، والهدر إلى فرصة.

ومنذ سنوات، تحذر منظمات دولية من مفارقة قاسية: العالم يهدر الطعام، بينما نحو 8 في المئة من سكانه يعانون من الجوع.

وفي تقرير نشرته منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «فاو» عام 2024، قُدّر حجم الغذاء المهدور في 2022 بنحو 1,05 مليار طن، هدر 60 في المئة منه في المنازل، و28 في المئة في قطاع المطاعم، و12 في المئة في تجارة التجزئة.

وبين موائد عامرة تُرمى، وموائد فارغة تُنسى، يقف الهدر الغذائي شاهدًا على خلل أخلاقي واقتصادي في آن واحد.

والسؤال لم يعد: هل نعرف حجم المشكلة؟ بل: إلى متى سنواصل أكل المستقبل… ثم رميه؟


عبد الله مولود