بصمات على جدار الزمن
بصمات على جدار الزمن
Logo
الشريط الإخباري

ذي أتلانتك: في محاولته لتطمين أوروبا.. سكت روبيو عن الأعداء الحقيقيين لأمريكا وحلفائها

ذي أتلانتك: في محاولته لتطمين أوروبا.. سكت روبيو عن الأعداء الحقيقيين لأمريكا وحلفائها

نشرت مجلة “ذي أتلانتك” مقالا أعده توماس رايت، اتهم فيه إدارة دونالد ترامب بمواصلة الهجوم على الحلفاء وتمكين الخصوم.

وجاء تعليقه في سياق حضور وفد أمريكي واسع لمؤتمر ميونخ للأمن، وما تحدث به وزير الخارجية ماركو روبيو، فيما نظر إليها كرسالة دعم لأوروبا أكثر مما قدمه نائب الرئيس في العام الماضي، جيه. دي. فانس.

وقد شكره فولفغانغ إيشينغر، رئيس المؤتمر، على رسالة الطمأنينة، مضيفا: “لست متأكدا مما إذا كنت قد سمعت صوت الارتياح في هذه القاعة”.

هذا على الرغم من أن روبيو، مثل فانس، يسيء فهم أوروبا بوضوح وينكر التهديدات التي تواجه الولايات المتحدة والتحالف عبر الأطلسي.

ففي عام 2025، قال فانس إن التهديد الذي يقلقه أكثر على أوروبا ليس نابعا من روسيا أو الصين أو أي جهة خارجية أخرى، بل هو “التهديد الداخلي”، ولا سيما القيود المتصورة على حرية التعبير.

وقد كان لهجوم فانس صدى كبير في أوروبا. وبعد أسابيع من المؤتمر، عزز دوره في المواجهة مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في المكتب البيضاوي وتسريب “سيغنال غيت” (الذي كتب فيه: أكره إنقاذ أوروبا مجددا)، سمعته كأقوى منتقد لأوروبا في إدارة ترامب.

ويقول رايت إن روبيو، الذي يصفه بأنه الشخصية الدبلوماسية الأكثر لطفا في الإدارة الأمريكية، استغل وجوده في ميونخ للتأكيد على العلاقات بين أوروبا والولايات المتحدة. وقال للحضور: “نريد حلفاء فخورين بثقافتهم وتراثهم، يدركون أننا ورثة نفس الحضارة العظيمة والنبيلة، والذين هم، معنا، على استعداد وقادرون على الدفاع عنها”. مؤكدا على الوحدة والهدف المشترك، قائلا: “سنظل دائما أبناء أوروبا”.

إلا أن روبيو حاول وضع نهج الرئيس ترامب “المباشر” في سياقه كجزء من “مهمة التجديد والترميم” النبيلة الضرورية لكل من الحلف وللأوروبيين أنفسهم، قائلا: “ليس لدينا في أمريكا أي مصلحة في أن نكون مشرفين مهذبين ومنظمين لانحدار الغرب المتحكم به”. وأوضح أن أوروبا لديها ثقة مفرطة في الحدود المفتوحة والمؤسسات الدولية، في حين أن الدفاع الحقيقي الوحيد عن النظام العالمي هو القوة الصلبة والاستثمار العسكري الذي تتطلبه.

وعلق رايت أن هذه القصة عن إنقاذ ترامب لأوروبا من رؤيتها قصيرة النظر وشعورها العام بالضيق، هي قصة تسمع دائما، حتى من أوروبيين مثل الأمين العام لحلف الناتو مارك روته، لكنها غير صحيحة.

وما علينا إلا النظر للمعطيات الآتية:

ففي مجال الدفاع، أعادت أوروبا تسليح نفسها بسرعة خلال العقد الماضي. فقد زادت الدول الأعضاء في حلف الناتو من غير الولايات المتحدة إنفاقها الدفاعي بمقدار 70 مليار دولار سنويا خلال إدارة ترامب الأولى، ثم بمقدار 190 مليار دولار في إدارة بايدن. وكان الارتفاع الحاد في الإنفاق الأوروبي استجابة للتهديد المتزايد من روسيا، ولكنه يشير إلى أن الأوروبيين كانوا يستثمرون بجدية في دفاعهم قبل إعادة انتخاب ترامب بفترة طويلة.

وقال إنه من الخطأ الادعاء بأن الأوروبيين قد أوكلوا مهمة الدفاع عن أوكرانيا إلى الولايات المتحدة، إذ كانت أوروبا أكبر مقدم للمساعدات لأوكرانيا، حيث خصصت أكثر من 132 مليار يورو بين كانون الثاني/ يناير 2022 وكانون الأول/ديسمبر 2024، مقارنة بـ114 مليار يورو من الولايات المتحدة، وفقا لمعهد “كيل للاقتصاد العالمي”.

وقد ازدادت مساهمة أوروبا منذ تولي ترامب منصبه مجددا، بينما ظلت المساعدات الأمريكية ثابتة.

وفي موضوع الهجرة، تحولت سياسة الاتحاد الأوروبي، وقبل عودة ترامب إلى السلطة، نحو تشديد الرقابة على الحدود وتسريع إجراءات البت في الطلبات، وبذل جهود متزايدة لتقييم طلبات اللجوء قبل السماح بدخول المهاجرين. كما بدأ الاتحاد الأوروبي في “تقليل المخاطر” على اقتصادات الدول الأعضاء من خلال الحد من الاستثمارات الصينية، ودعم فرض الولايات المتحدة قيودا على صادرات معدات تصنيع الرقائق الإلكترونية المتقدمة إلى الصين، وتقليل الاعتماد على سلاسل التوريد الصينية. لكن المشكلة الحقيقية لم تكن في أخطاء روبيو بشأن أوروبا، بل في اختيار السكوت عليه.

فأبرز الأحداث الجيوسياسية في هذه المرحلة، إلى جانب ترامب، هو تزايد التقارب والتعاون بين روسيا والصين وكوريا الشمالية. فبكين وبيونغ يانغ منخرطتان الآن بشكل فعال في حرب كبرى في أوروبا. وتساعد الصين روسيا في إعادة بناء جيشها، بينما أرسلت كوريا الشمالية أسلحة وقوات. وردّت روسيا الجميل بتقديم تكنولوجيا عسكرية وخبرات قيّمة لكلا البلدين. ونقل الكاتب عن مسؤولين عسكريين وسياسيين أمريكيين بارزين، تعبيرهم عن القلق إزاء تعاون كوريا الشمالية مع روسيا، وما يعنيه ذلك للسلام في شبه الجزيرة الكورية.

ويعد هذا التحالف الاستبدادي أخطر تهديد يواجه الولايات المتحدة وحلفاءها في أوروبا ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ. ومع ذلك، لم يذكر اسم روسيا أو الصين في خطاب روبيو. فقد أشار إليهما في جلسة الأسئلة والأجوبة، لكنه لم يصفهما كمنافسين استراتيجيين أو كتهديد للتحالف.

ويبدو أن هذا جزء من نمط متبع لدى الإدارة. ففي كانون الثاني/ يناير، ألقى وكيل وزارة الدفاع لشؤون السياسة، إلبريدج كولبي، خطابا هاما في كوريا الجنوبية دون أن يشير إلى كوريا الشمالية. والأمر أشبه بأحداث فيلم “هاري بوتر”، لا يمكن تسمية التهديد به.

والأخطر من ذلك، أن إدارة ترامب تسعى لإعادة روسيا إلى مجموعة السبع، وقد طلبت من روسيا والصين الانضمام إلى مجلس السلام التابع لها، حيث وافق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، بينما رفضت الصين.

في الوقت نفسه، يبدو أن مسؤولي ترامب حريصون على استعداء الاتحاد الأوروبي، ويرفضون “النظام القائم على القواعد” باعتباره مجرد “أوهام”، على الرغم من أن هؤلاء هم الحلفاء والمبادئ التي تحتاجها الولايات المتحدة لمنافسة الصين واحتواء روسيا.

وقبل وصوله إلى ميونخ، قال روبيو للصحافة: “لقد انتهى زمن العالم القديم” ونحن “نعيش في عصر جديد في الجيوسياسة”. وهو محق في كلامه، لكنه يسيء فهم السبب. فالنظام القديم لا يتفكك لأن أوروبا ضعيفة أو متراخية أو تعتمد بسذاجة على المؤسسات الدبلوماسية، بل لأن القوى الاستبدادية باتت أكثر استعدادا للعمل معا لإعادة تشكيل النظام العالمي بالقوة. وفي هذا السياق، تعد التحالفات المتماسكة والردع العسكري والمرونة الاقتصادية أمورا جوهرية.

وانتقد الكاتب روبيو لتركيزه في خطابه على أوجه القصور المتصورة لدى حلفاء أمريكا بدلا من التهديدات التي يشكلها خصومها. وعليه فقد كشف روبيو ليس خطأ تشخيص إدارة ترامب لهذه اللحظة الجيوسياسية، بل أيضا عن استراتيجيتها الساذجة والخطيرة لإدارة ما يصبح -بفضل ترامب إلى حد كبير- عالما متقلبا تلعب فيه أطراف متعددة.