بصمات على جدار الزمن
بصمات على جدار الزمن
Logo
الشريط الإخباري

الطلاق...حين يكون الفراق ارحم من البقاء

الطلاق...حين يكون الفراق ارحم من البقاء

الطلاق… حين يكون الفراق أرحم من البقاء

في مجتمعاتنا، ما زال الطلاق يُقدَّم كأنه نهاية مأساوية، كأنه فشل أخلاقي، كأنه وصمة تُعلَّق على جبين العائلة. لكن الحقيقة التي يتجاهلها كثيرون: أحيانًا يكون الطلاق هو القرار الأكثر نضجًا… والأكثر رحمة.

ليس كل بيتٍ يستحق أن يبقى قائمًا لمجرد أن شكله جميل من الخارج.

هناك بيوت يسكنها الصراخ. بيوت يتغذّى أطفالها على التوتر. بيوت يعيش فيها الأبوان كغريبين أو كخصمين تحت سقف واحد. وفي مثل هذه البيوت، لا يكون البقاء تضحية من أجل الأولاد… بل أذى يومي لهم.

الطفل لا يحتاج والدين معًا بقدر ما يحتاج بيئة آمنة.

لا يحتاج مشهد “عائلة كاملة” أمام الناس، بل يحتاج طمأنينة في قلبه.

أحيانًا يكون الطلاق حماية نفسية للأولاد. حين ينفصل الأبوان باحترام، ويتفقان على تربية متوازنة، ينشأ الطفل في جو أقل توترًا، أقل عنفًا، أقل نفاقًا. بل إن كثيرًا من الأطفال يخرجون من تجربة الطلاق أقوى، لأنهم رأوا أهلهم يتخذون قرارًا صعبًا بدل أن يستمروا في علاقة مريضة.

والحياة لا تتوقف بعد الطلاق.

الأب قد يتزوج من جديد.

الأم قد تبدأ حياة أخرى.

كلٌّ منهما يتعلم من التجربة الأولى، ينضج، يحسن الاختيار، يفهم نفسه أكثر. وفي كثير من الحالات، يعيش الطرفان حياة أكثر استقرارًا مما عاشا سابقًا.

المفارقة أن المجتمع يصرّ على فكرة أن “الاستمرار بأي ثمن” هو بطولة، بينما الحقيقة أن الانفصال الواعي أحيانًا هو الشجاعة بعينها.

لكن، وسط هذا المشهد، هناك زاوية موجعة لا يُحب أحد الحديث عنها:

حين يتحوّل الطلاق إلى معركة مالية وعاطفية.

بعض الآباء يتمزّقون فعلًا. يتقطّع قلبهم على أولادهم، ويشعرون بأنهم خسروا يومياتهم الصغيرة معهم. لكن في المقابل، هناك حالات أخرى يُصبح فيها الإنفاق موجّهًا نحو الأم أكثر من الأولاد. تُعطى الأموال في إطار صراع، أو لإرضاء، أو لإثبات قوة، بينما الطفل نفسه قد لا يشعر بالاهتمام العاطفي الحقيقي.

النفقة ليست هدية للأم، وليست وسيلة ضغط عليها.

هي حق مباشر للطفل.

والمصروف لا يعوّض غياب الأب، كما أن العناد لا يبني مستقبلًا صحيًا.

وكما يُدان الأب أحيانًا، تُدان الأم أيضًا بسرعة قاسية إن تعبت أو ابتعدت. يُقال: “كيف تترك أولادها؟”

لكن نادرًا ما يُسأل: ماذا كانت تعيش؟ كم كانت تحتمل؟ هل كانت منهكة نفسيًا؟ هل كانت العلاقة تستنزفها حتى فقدت قدرتها على العطاء؟

ثم تأتي العبارة المتكررة:

“هؤلاء أولاده… يحملون اسمه.”

نعم، يحملون اسمه.

لكنهم حملوا وجعها في بطنها، وحملوا تعبها في لياليها، ويحملون ملامح الاثنين معًا.

الأولاد ليسوا ملكًا لأحد.

ولا الاسم وحده يصنع أبًا.

ولا التضحية الصامتة وحدها تحمي أمًا من الانهيار.

الطلاق ليس دائمًا خرابًا.

أحيانًا يكون إعادة ترتيب للحياة.

أحيانًا يكون تصحيح مسار.

وأحيانًا يكون أفضل قرار يتخذه طرفان ناضجان أدركا أن الحب انتهى، وأن الكرامة والهدوء أهم من الاستمرار في معركة يومية.

في النهاية، لا البقاء دائمًا بطولة…

ولا الطلاق دائمًا هزيمة.

البطولة الحقيقية أن نختار ما يحمي أولادنا نفسيًا،

وأن نفصل بين ألمنا الشخصي وحقهم في طفولة مستقرة.

لأن الطفل لا يهمّه إن كان والدهما متزوجين أو منفصلين…

يهمّه فقط أن يشعر بأنه محبوب.


...أسماء