بعد خمسة أيام من تسلّم رئيس دولة فلسطين محمود عباس مسودة الدستور المؤقت لدولة فلسطين، نُشرت المسودة للرأي العام، وفُتح باب الملاحظات لمدة 60 يومًا. كما أطلقت لجنة صياغة الدستور منصة إلكترونية تعرض مواد وأبواب مسودة الدستور كاملة، وهو ما دفع إلى ظهور أولى وجهات النظر والتحليلات القانونية.
أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدولية د. رائد أبو بدوية رأى أن إعلان مسودة “الدستور المؤقت لدولة فلسطين 2026” كان يُفترض أن يشكّل لحظة دستورية تاريخية تُنهي مرحلة السلطة وتؤسس لمرحلة الدولة.
غير أن القراءة المتأنية للنص تكشف مفارقة جوهرية مفادها أن المسودة تتحدث باسم دولة قائمة، لكنها تتجاهل السؤال المركزي الذي يسبق أي دستور فلسطيني حقيقي: من هي المرجعية الدستورية العليا للشعب الفلسطيني؟
وأضاف بدوية في حديث مع لـ”القدس العربي”: “من حيث الشكل، صيغت المسودة عبر لجنة كُلّفت من الرئاسة، وقدّمت بوصفها دستور دولة فلسطين. لكن من حيث المضمون، لا نجد إجابة واضحة عن العلاقة بين ثلاثة مكوّنات أساسية: دولة فلسطين، منظمة التحرير الفلسطينية، والسلطة الفلسطينية. وهذه ليست مسألة تقنية، بل هي العقدة البنيوية للنظام السياسي الفلسطيني منذ اتفاق أوسلو”.
إشكالية منظمة التحرير والسلطة
وتابع: “المسودة تذكر منظمة التحرير في الديباجة بوصفها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، لكنها تكتفي بهذا الاعتراف الرمزي. فلا يوجد باب دستوري يحدد موقع المنظمة في النظام السياسي، ولا نص يمنحها ولاية دستورية على مؤسسات الدولة، ولا مادة تربط إقرار الدستور بالمجلس الوطني الفلسطيني. وهكذا تتحول المنظمة إلى عنوان تاريخي لا أكثر، بينما تُمنح كل الصلاحيات السيادية لمؤسسات جديدة منشأة بموجب الدستور”.
وفي المقابل، تختفي “السلطة الفلسطينية” اسميًا من النص، حسب بدوية، لكنها تعود فعليًا عبر بوابة حكومة دولة فلسطين، فالمؤسسات القائمة ذاتها – رئاسة، حكومة، أجهزة أمن، أجهزة إدارية – يُعاد تدويرها في قالب دستوري جديد، دون أي تحديد لكيفية الانتقال القانوني من سلطة نشأت بموجب اتفاق انتقالي إلى دولة يُفترض أنها تعلو على تلك الاتفاقات.
ويرى بدوية أن هنا تكمن المشكلة الكبرى في المسودة التي تقفز مباشرة إلى مرحلة الدولة الدستورية دون المرور بالمحطة السياسية والقانونية الحاسمة، وهي أن الدولة الفلسطينية تاريخيًا وقانونيًا نشأت عبر منظمة التحرير، لا عبر السلطة. تجاهل هذه الحقيقة لا يبني دولة، بل قد يؤدي، من حيث لا تقصد المسودة، إلى تكريس منطق استبدال المنظمة بهياكل حكومية تكنوقراطية، وهو المسار الأخطر على المشروع الوطني.
ويرصد بدوية مفارقة أخرى في المسودة التي تصف فلسطين بأنها دولة تحت الاحتلال، لكنها لا تبيّن كيف ستُدار دولة تحت الاحتلال في ظل وجود سلطة نشأت أصلًا لإدارة الحكم الذاتي المحدود، ولا تحدد مصير اتفاقات أوسلو، ولا العلاقة بين القانون الدولي والواقع الانتقالي، ولا آليات تحويل الاعتراف الدولي بالدولة إلى ممارسة سيادية فعلية.
ويطرح بدوية مجموعة من الأسئلة التي كان يُفترض أن يعالجها الدستور، ومنها: من يملك حق إعلان الدولة؟ من يفاوض باسمها؟ من يقرر السلم والحرب؟ حيث رأى أن غياب الإجابة الصريحة عن هذه الأسئلة يجعل النص أقرب إلى دستور سلطة موسّعة منه إلى دستور دولة تحرر وطني.
ويشدد على أن المطلوب اليوم ليس سحب المسودة، بل تصويب مسارها، من خلال إدراج باب واضح يحدد مكانة منظمة التحرير في النظام الدستوري، والنص صراحة على أن المجلس الوطني هو صاحب الولاية التأسيسية، ووضع مواد انتقالية تُحوّل السلطة إلى حكومة تنفيذية تابعة للدولة، وتحديد العلاقة القانونية مع الاتفاقات السابقة بما ينسجم مع كون فلسطين دولة تحت الاحتلال. ومن دون ذلك، سنكون أمام مفارقة مؤلمة: دستور يتحدث باسم دولة، لكنه يفتقر إلى المرجعية التي تصنع الدولة.
مزيد من الانقسام
أما الدكتور حسن سليم، أستاذ القانون الدستوري، فرأى أن أي دستور لا يكتسب شرعيته من سلامة صياغته القانونية أو من جودة نصوصه الفنية فحسب، بل من الجهة التي تتولى إعداده، ومن مستوى التمثيل الوطني والسياسي والاجتماعي في تشكيلها، باعتبار أن الدستور هو التعبير الأعلى عن الإرادة الشعبية والعقد الجامع الذي ينظم علاقة الحاكم بالمحكوم. ولذلك، فإن مشروعية الدستور تبدأ من مشروعية المسار الذي يؤدي إلى إعداده قبل أن تبدأ من مضمون نصوصه.
وتابع سليم في حديث لـ”القدس العربي” أن أول ما يُؤخذ على المشروع الحالي هو محدودية المشاركة المجتمعية والسياسية في عملية إعداده، إذ اقتصر العمل عليه على لجنة ذات طابع سياسي وقانوني شُكّلت بقرار إداري، دون أن تكون نتاج عملية انتخابية أو توافق وطني شامل، الأمر الذي أضعف الطابع التمثيلي لعملية الصياغة، وحال دون انخراط القوى السياسية ومؤسسات المجتمع المدني والنقابات والجامعات وسائر مكونات المجتمع في مناقشة الأسس الدستورية للدولة المنشودة.
وفي هذا الإطار، يرى سليم ضرورة التفرقة بوضوح بين توصيف ما جرى إعداده بوصفه مسودة لمشروع دستور صاغتها لجنة فنية سياسية قانونية، وبين مشروع دستور تُعدّه هيئة تأسيسية منتخبة خصيصًا لهذا الغرض، تستمد شرعيتها من تفويض شعبي مباشر. وهذا ما جرى عليه العرف الدستوري في التجارب المقارنة، حيث لا تُكتب الدساتير من خلال لجان معينة بقرارات تنفيذية، بل عبر جمعيات أو هيئات تأسيسية منتخبة، أو من خلال مؤتمرات وطنية جامعة تضمن تمثيل مختلف التيارات السياسية والاجتماعية والفكرية.
ويصل سليم إلى استنتاج مفاده أن طبيعة تشكيل اللجنة التي قدّمت مسودة المشروع تجعل نتاج عملها أقرب إلى وثيقة استشارية أولية، لا إلى مشروع دستور يخضع للاستفتاء، مع الإشارة إلى أن ذلك لا ينتقص من الجهد الفني والقانوني الذي بذلته اللجنة.
وشدد على أن الدستور لا يمكن أن يكون نتاج إرادة سلطة قائمة تسعى إلى تنظيم نفسها بنفسها، بل يجب أن يكون ثمرة إرادة شعبية عامة تعلو على السلطات جميعًا، الأمر الذي يوجب فتح المسودة المطروحة على نقاش وطني شامل، وإعادة إنتاجها من خلال هيئة منتخبة أو إطار وطني توافقي، بما يضمن أن يتحول النص من مشروع لجنة إلى مشروع شعب، ومن وثيقة فنية إلى عقد اجتماعي جامع، عبر إقراره باستفتاء شعبي حر ومباشر يضمن مشاركة المواطنين في اتخاذ القرار التأسيسي.
وعطفًا على ما سبق، يرى سليم أن مشروع الدستور لا يجب أن يكون موضع انقسام جديد، بل فرصة لإعادة بناء التوافق الوطني على أسس دستورية ديمقراطية، وهو ما يقتضي فتح حوار وطني شامل حول مضامينه، وإشراك القوى السياسية ومؤسسات المجتمع المدني والخبراء القانونيين، وصولًا إلى صيغة تعبر عن الإرادة العامة وتحظى بشرعية شعبية حقيقية، ضمن مسار تشاركي ووطني جامع، ليكون الدستور تعبيرًا عن الشعب لا عن السلطة.
وخلص سليم إلى أنه إذا لم يُحسم في نصوص الدستور أن المنظمة هي المرجعية العليا، وأن المجلس الوطني هو السلطة التأسيسية، وأن الحكومة مجرد أداة تنفيذية للدولة التي تمثلها المنظمة، فإننا نكون أمام دستور يشرعن واقع السلطة بدل أن يؤسس لواقع الدولة.
ويُذكر أن لجنة صياغة الدستور شُكّلت وفق مرسوم رئاسي، وبدأت عملها فور تكليفها من الرئيس، واستغرقت أعمالها نحو سبعة أشهر متواصلة، تخللها 70 اجتماعًا جرى خلالها التواصل مع مختلف مؤسسات المجتمع المدني والجهات ذات العلاقة. علمًا أن مسودة الدستور تضم ديباجة تمهّد لمئة واثنتين وستين مادة موزعة على ثلاثة عشر بابًا.

