بصمات على جدار الزمن
بصمات على جدار الزمن
Logo
الشريط الإخباري

العبث بـ «أملاك الغائب»: إسرائيل تشن حربها «العقارية» قبل «ضم الضفة» … ما هي خيارات الأردن؟

العبث بـ «أملاك الغائب»: إسرائيل تشن حربها «العقارية» قبل «ضم الضفة» … ما هي خيارات الأردن؟

«دعم مقاومة وصمود الشعب الفلسطيني واجب الجميع».

..تلك قد تكون العبارة الأكثر تداولاً على منصات التواصل الاجتماعي الأردنية ومنقولة على لسان رئيس الوزراء الراحل الذي دفنه الشعب مؤخراً، أحمد عبيدات، وفي سياق إعادة بث ونشر وتخصيص فقرات ظهر فيها الراحل الكبير محاضراً أو منتدياً أو متحدثاً عبر وسائل الإعلام.

الإشارة على مستوى المجسات الشعبية هنا تبدو واضحة وحادة الملامح، والانطباع يزيد بأن المزاج الشعبي العام في واقعه بقي في إطار البحث عن صيغة للنفاذ والعبور عنوانها الأعرض مواجهة خطط اليمين الإسرائيلي في الإخضاع والهيمنة.

السياسي البارز والمخضرم طاهر المصري، يعيد التأكيد قبل أيام قليلة بحضور «القدس العربي» على أن ما يجري في المنطقة والأرض المحتلة هو تصفية للقضية الفلسطينية تستوجب التحسب أردنياً ووطنياً، لمواجهة حتمية مع خطط الهيمنة الإسرائيلية اليمينية المدعومة الآن بمشروع أمريكي غامض ومريب.

وفي المقابل، استذكار الأردنيين بصفة جماعية لعبارات الراحل عبيدات بعد نحو 10 أيام من تشييع جثمانه هو مؤشر يعزز القناعة بأن مزاج الشارع الأردني يتجاوز القلق والخوف، ويطالب -برأي الناشط السياسي محمد خلف الحديد- برفع مستوى الجاهزية الوطنية لمواجهة عدوان لم يعد محتملاً، بل مؤكداً على الأردن والأردنيين دولة وشعباً.

هنا يمكن ملاحظة أن استذكار تراثيات سياسيين كبار حذروا من مخاطر التوقف عن دعم صمود ومقاومة الشعب الفلسطيني قد يعكس، في التداعي والتحليل، حالة العجز النخبوية وأحياناً الشعبوية عن فهم تلك المسارات السياسية الرسمية والحكومية التي لا تزال تتفاعل مع سعي الإدارة الأمريكية للفصل بين الشعبين الأردني والفلسطيني، بمعنى تجنب بناء استراتيجية وطنية عامة يقدّر الحديد بأنها باتت احتياجاً وطنياً ملحاً في ظل اعتبارات نوايا عدوانية قابلة للقياس مرحلياً.

وهي نوايا ليست من الصنف الذي يمكن مواجهته لا عبر اجتماعات تنسيقية عربية كتلك التي تعقدها الجامعة العربية في القاهرة، ولا عبر بيانات الشجب والتنديد التي تصدر عن وزارة الخارجية، فيما التحديات والمخاطر وصلت إلى ذروتها مع كل المؤشرات التي تتراكم بعنوان بداية تدشين خطة ضم الضفة الغربية إسرائيلياً.

يسأل المراقبون والخبراء ومعهم المواطنون عموماً بكثافة في عمان هذه الأيام، عن طبيعة الاستحقاقات والتداعيات التي ستنتج عن قرارات الضم الإسرائيلية للضفة الغربية؟

الإجابة عن السؤال يحفظها الصغار قبل الكبار الآن في المجتمع الأردني.

والمسألة حتماً تتعلق بتصدير الأزمة الناتجة عن فلسفة حسم الصراع في الضفة الغربية إلى الضفة الشرقية، وبما يتضمنه ذلك من سيناريوهات التحريك الديمغرافي والتهجير والترحيل باتجاه الأردن، خصوصاً مع وجود عشرات الآلاف من أردنيي الضفة الغربية الذين يحملون بطاقة الجسور الصفراء التي تضمن بدورها -كما كانت على الأقل- الاحتفاظ بالجنسية الأردنية وبحق الإقامة في الضفة الغربية معاً.

لا يوجد فهم محدد ومعلن حتى الآن على الأقل لجزئية الإجراء الإسرائيلي القاضي برفع القيود السرية عن سجلات تعاقد بيع العقارات في الأراضي المحتلة.

لكن لاحظ الجميع أن هذا القرار للكابنيت الإسرائيلي، أعقب قراراً خطراً تمثل قبل عدة أسابيع في تجميد العمل بالضفة الغربية المحتلة برزمة القوانين الأردنية النافذة فيما يتعلق بالأراضي والعقارات تحديداً، الأمر الذي لا يمكن قراءته خارج سياق التخطيط لضم الضفة الغربية ونزع الشرعية عن أهلها وسكانها، لا بل مطاردتهم بالأرزاق وإرباكهم لتطبيق معايير التهجير الناعم بدلاً من الخشن والمباشر.

أحد أخطر تجليات إجراءات الملكية للعقارات والأراضي يتمثل في تغيير الواقع القانوني لما يسمى بـ «أملاك الغائب»، حيث ملكيات عقارية واسعة في الضفة الغربية موثقة في السجلات الأردنية باسم الغائبين، وهم في أغلبهم مواطنون أردنيون الآن.

والمرجح أن السجل الأردني لأملاك الغائب بعد قرار تجميد العمل بالقوانين الأردنية هو الهدف الأول الآن لعمليات نقل الملكيات والسيطرة على الأراضي لصالح المجمعات الاستيطانية الجديدة.

والمعنى هنا أن قرار الكابنيت برفع السرية والسماح لليهود بشراء العقارات في الضفة الغربية بعد تعطيل الاحترازات القانونية الأردنية سيقود إلى حالة تقويض للشرعية العقارية، خصوصاً مع تشكيل محاكم طارئة بتوقيع الاحتلال، وظيفتها المعلنة حسم النزاع على ملكيات وسجلات الأراضي في محيط مدينتي الخليل ورام الله.

النتائج وفقاً لخبراء تسريب العقارات، هي حصراً إضفاء الشرعية على عمليات سرقة للعقارات، خصوصاً تلك المحاذية إما للجدار الشهير أو للمستوطنات التي تتوسع في الضفة الغربية.

عملية قرصنة وسرقة مباشرة ومنهجية لأملاك الأردنيين والفلسطينيين تتم الآن وبغطاء سياسي من حكومة اليمين الإسرائيلي، ونتيجتها من الطبيعي أن تكون مضايقة الأهالي والسكان إلى درجة المغادرة قسراً أو طوعاً.

البيروقراط الأردني يحاول «المقاومة» لكنه محاط بـ «سقف سياسي»،

والأثر هنا -برأي المحلل الاستراتيجي نضال أبو زيد- مباشر وملموس ومرصود، وفكرته تهجير الفلسطينيين واقتراح أن يتم تحريكهم ديمغرافياً باتجاه الشرق، بدلالة البنية العسكرية والأمنية التي يقيمها الاحتلال اليوم في منطقة الأغوار.

المفارقات بمعناها العقاري والإجرائي تتراكم هنا، وهي تضغط على العصب الحيوي للحسابات السياسية والأمنية الأردنية، فيما الاستراتيجية اليتيمة المعتمدة حتى اللحظة في الرد والاشتباك تستند إلى موازين القوى والواقع الموضوعي، وفكرتها ممارسة حق الصياح والاحتجاج في المجتمع الدولي.

الوصفة المعتمدة أيضاً تقف حتى اللحظة عند إصدار البيانات والبحث عن شركاء عرب ومسلمين، وأحياناً أوروبيين، لإصدار بيانات أشمل وأوسع ثم استقبال الرئيس الفلسطيني محمود عباس بين الحين والآخر دون استراتيجية اشتباك ولو حتى من الصنف الذي يجيب فنياً عن سؤال أصغر: كيف بصورة محددة يمكن للدولة الأردنية أن تدعم صمود الإنسان الفلسطيني في أرضه؟