شكّل السودان لجنة تحقيق في حادثة قصف عمال تعدين ذهب، تضاربت الأرقام حول عدد ضحاياها. وفيما حمّلت جهات سياسية القاهرة المسؤولية، قُتل مصريان في إطلاق نار في الخرطوم، كردة فعل، على ما يبدو، على الواقعة التي أثارت ردود فعل سياسية.
إطلاق نار على مصريين
ونقلت وكالة « فرانس برس» عن مصدر أمني، طلب عدم ذكر اسمه قوله إن مسلحا «أطلق النار في سوق جنوب الخرطوم، على ثلاثة مواطنين مصريين توفي اثنان منهم، وأصيب الثالث» مشيرا إلى أن الشرطة فرضت طوقا أمنيا حول المكان «وجار البحث عن الجاني».
جاء ذلك بعد يوم على قصف استهدف منطقة شمال الوادي عند الحدود المصرية ـ السودانية، أسفر عن مقتل عدد من عمال تعدين الذهب.
وقالت مجموعة «محامو الطوارئ» الحقوقية إن عدد قتلى الغارات الجوية التي اتهمت الطيران الحربي المصري بتنفيذها بلغ 72 معدناً مدنياً
وأدانت ما وصفتها بـ «هجمات الطيران الحربي المصري على المعدنين المدنيين»، معتبرة أن استهدافهم داخل الأراضي السودانية يمثل انتهاكاً للسيادة الوطنية والحق في الحياة.
وفي تقدير آخر، تحدث تجمع المهنيين عن تجاوز عدد القتلى 100 شخص، فيما قال معدّنون لـ «القدس العربي» إن عشرات العاملين قتلوا أو أصيبوا، وإن آخرين لا يزالون في عداد المفقودين. وأشار هؤلاء إلى أن فرار أعداد كبيرة من الموقع عقب القصف، وصعوبة الوصول إلى بعض المناطق المتضررة، يجعلان تحديد حصيلة نهائية أمراً بالغ الصعوبة.
وأفاد ناجون في مقابلات مع موقع «سودان تربيون» بأن « طائرات حربية هاجمت وبصورة مفاجئة مواقع للتعدين بينما كان المعدّنون يستعدون لبدء دوريات العمل الصباحية، في وقت كان فيه آخرون لا يزالون داخل آبار التنقيب».
ووفق الشهادات، ألقت الطائرات أكثر من خمسة صواريخ أصابت مخيمات المعدنين بصورة مباشرة ما أدى إلى سقوط أعداد كبيرة من القتلى والجرحى، كما استهدفت القذائف آباراً للتنقيب، ما تسبب في انهيار بعضها على المعدّنين الموجودين في داخلها.
وحسب أحد الناجين، عدد القتلى تجاوز 200 شخص، مشيراً إلى إصابة مئات آخرين، بعضهم بجروح خطيرة. وبيّن أن عدداً من المصابين تمكنوا من الوصول إلى سوق الأنصاري، حيث تلقوا إسعافات أولية في مركز صحي داخل السوق، بينما نُقل آخرون إلى مدينتي هيا وبورتسودان بولاية البحر الأحمر وعطبرة في ولاية نهر النيل لتلقي العلاج.
وتداول ناشطون مقاطع مصورة توثق آثار القصف واللحظات الأخيرة لبعض المصابين.
وأثار أحد المقاطع تفاعلاً واسعاً، بعدما ظهر فيه شاب مصاب يوصي المحيطين به بما يملك من نقود ومؤن بسيطة، طالباً منهم العفو عنه، فيما أحاط به عدد من رفاقه ورددوا عبارات تشجيع ودعاء على أمل نجاته إلا أنه سرعان ما فارق الحياة.
وظهرت في التسجيل وصية الشاب التي تضمنت كميات محدودة من المؤن ومبالغ مالية، بينها «كيلتان من السمسم وأربعة شوالات من الذرة»، إلى جانب مبالغ مالية صغيرة. وأثارت المشاهد موجة من التعاطف والغضب بين السودانيين، مع مطالبات بكشف ملابسات الهجوم ومحاسبة المسؤولين عنه.
تراوحت التقديرات بين 70 و200… والبرهان يشكل لجنة تحقيق
وأصدر رئيس مجلس السيادة الانتقالي عبد الفتاح البرهان، قرارا بتشكيل لجنة تقصي حقائق.
وقال مجلس السيادة في بيان، إن البرهان أصدر قرارا بتشكيل لجنة لتقصي الحقائق تضم ممثلين عن النيابة العامة والجهات العدلية والأمنية ذات الصلة، للتحقيق في ملابسات الحادث، والوقوف على جميع الظروف والوقائع المرتبطة به، ورفع تقرير بنتائج التحقيق، دون تحديد جدول زمني.
وأكد البرهان أن «حماية أرواح المواطنين السودانيين وصون سلامتهم وكرامتهم مسؤولية أصيلة للدولة»، مشددا على «ضرورة التعامل مع الحادث بجدية، بما يضمن كشف الحقائق وحماية واحترام الحدود».
وأشار إلى أن «القيادة في البلدين الشقيقين على تواصل لمعرفة ملابسات الحادث، ونشر الحقائق للرأي العام». فيما أكد المستشار السياسي لرئيس مجلس السيادة أمجد فريد، أن الاعتداء على المعدنين السودانيين وقصفهم جريمة لا تبررها أي مبررات، مشيراً إلى وجود وسائل قانونية لمعالجة أي تجاوزات إن وجدت دون اللجوء إلى القصف الجوي ضد المواطنين.
وشدد على أن دماء السودانيين غالية، وأن الدولة تتحمل مسؤولية حماية مواطنيها رغم الاستنزاف الذي تتعرض له مؤسساتها بسبب الحرب.
وأضاف أنه لا مبررات تستدعي استخدام القوة العسكرية ضد المدنيين، خاصة في ظل وجود قنوات تواصل يمكن اللجوء إليها لمعالجة مثل هذه القضايا.
في حين طالب رئيس حزب «بناة المستقبل»، فتح الرحمن الفاضل، بتوضيحات من الحكومتين السودانية والمصرية بشأن مقتل المعدنين، رافضاً تبرير قتل المدنيين.
وقال إن المشاهد المتداولة للضحايا تعكس حجم المأساة، مؤكداً أن وجود مخالفات محتملة لا يبرر قتل أشخاص عزل كانوا يسعون إلى كسب أرزاقهم. وأضاف أنه رغم تقديره للعلاقات التاريخية بين الشعبين السوداني والمصري، لا يرى أن هذه العلاقات ينبغي أن تكون سبباً للصمت عن مقتل الأبرياء أو التنازل عن المطالبة بكشف الحقيقة.
وشدد على ضرورة صدور توضيحات رسمية من الخرطوم والقاهرة، معتبراً أن القضية تتعلق بحياة مواطنين سودانيين وحقوقهم، وليست مجرد خلاف سياسي أو دبلوماسي. ورفض أي دعوات صمت بدعوى الحفاظ على العلاقات بين البلدين، مؤكداً أن المطالبة بمحاسبة المسؤولين عن قتل المدنيين لا تعني استهداف الشعب المصري أو التنكر للعلاقات بين الشعبين.
وعبرت لجان مقاومة الفاشر عن غضبها من الهجوم، ووصفت مصر في بيانها بأنها «دولة عدوان»، متهمةً الطيران المصري بقصف المعدنين السودانيين الذين قالت إنهم كانوا يسعون إلى توفير لقمة العيش لأسرهم.
وتساءلت اللجان عن مبررات استهداف العاملين العزل، معتبرة أن أرواح المدنيين لا يجوز التعامل معها باعتبارها أرقاماً يمكن تجاوزها أو إغفالها. ودعت إلى تحرك شعبي للتعبير عن رفض الهجوم والمطالبة بكشف ملابساته.
وأعلنت اللجان الدعوة إلى يوم احتجاجي مفتوح، داعية السودانيين إلى المشاركة في التحركات المتاحة للتعبير عن رفضهم لما حدث. وأشارت إلى أن الظروف الأمنية في مناطق سودانية عدة لا تسمح بتنظيم تجمعات كبيرة، ولذلك دعت المواطنين إلى تنظيم وقفات فردية أو مجموعات صغيرة، وفق ما تسمح به الأوضاع المحلية.
وأكدت اللجان أن مطالبها تشمل كشف ملابسات الهجوم ومحاسبة المسؤولين عن مقتل المعدنين، داعية إلى عدم تجاهل الحادثة أو الاكتفاء بالإدانات دون اتخاذ خطوات عملية.
كذلك، أدانت لجان مقاومة بورتسودان الهجوم، وقالت إن الغارات أوقعت عشرات القتلى والجرحى والمفقودين، وفق المعلومات الأولية.
واتهمت اللجان القوات المسلحة المصرية بتنفيذ القصف داخل الأراضي السودانية، واعتبرت أن ما حدث يشكل انتهاكاً للسيادة الوطنية واستهدافاً لمدنيين يعملون في التعدين.
وانتقدت ما وصفته بصمت الحكومة السودانية وأجهزتها الإعلامية والدبلوماسية، مطالبة السلطات بالكشف عن ملابسات الهجوم والتحرك دبلوماسياً لمحاسبة المسؤولين عنه.
ودعت اللجان القوى المدنية والنقابية والمهنية إلى التحرك من أجل توثيق الحادثة وجمع الأدلة والشهادات، كما طالبت المنظمات الحقوقية المحلية والإقليمية بمتابعة القضية والضغط من أجل إجراء تحقيق مستقل.
ووجهت نداءً إلى المعدنين والعاملين في شمال الوادي لتقديم ما لديهم من معلومات وصور وتسجيلات يمكن أن تساعد في توثيق الهجوم وكشف ملابساته، مع اتخاذ الاحتياطات اللازمة لحماية أنفسهم في ظل الأوضاع الأمنية في المنطقة.
وشددت لجان مقاومة بورتسودان على ضرورة حماية العاملين في مواقع التعدين، واتخاذ إجراءات تمنع تكرار الهجمات، مطالبة الحكومة السودانية بإعلان موقفها واتخاذ خطوات واضحة إزاء ما حدث.
«أمر مرفوض»
وكان التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة «صمود» أدان الهجوم، مطالباً بتحقيق عاجل ومستقل لكشف ملابساته وتحديد المسؤوليات عنه.
وقال التحالف إن استهداف المدنيين وتعريض حياتهم للخطر أمر مرفوض، ولا تبرره أي ذرائع أمنية، داعياً إلى اتخاذ إجراءات لحماية المعدنين وتوفير المساعدة للمتضررين وأسر الضحايا.
وطالب «صمود» السلطات السودانية بإعلان موقف واضح من الهجوم، والتحرك لضمان حماية المواطنين في المناطق الحدودية، وعدم ترك الحادثة دون متابعة رسمية. ودعا إلى كشف ملابسات الغارات وتوثيق الشهادات والأدلة المتعلقة بها.
