تعيش شركة "زوندا كريبتو"، أكبر منصات العملات المشفرة في شرق ووسط أوروبا، على وقع واحدة من أكثر القضايا غموضاً في عالم الأعمال الرقمية، بعدما اختفى اثنان من كبار مديريها خلال 4 سنوات، وسط شبهات بالعنف والجريمة، فيما تشير روايات إلى أن أحدهما ربما قُتل، وأن الآخر غادر بولندا إلى إسرائيل مستفيداً من حمله الجنسية الإسرائيلية.
وبحسب تقرير نشره موقع "N12" الإسرائيلي، بدأت القصة مع مؤسس الشركة سيلفستر سوشِك، الذي اختفى عام 2022 بعدما توجّه إلى لقاء عمل في مستودع للوقود جنوب بولندا. وتعتقد عائلته أنه قُتل على الأرجح، فيما اختفى لاحقاً أيضاً برشيميسلاف كرال، المحامي الذي خلفه في منصب المدير التنفيذي، وسط شائعات أفادت بأنه فرّ إلى إسرائيل.
وكان سوشِك قد أسس الشركة عام 2014 تحت اسم "بيت باي"، قبل أن تتحول إلى أكبر بورصة للعملات المشفرة في شرق ووسط أوروبا. وهو ابن عامل في منجم فحم، لكنه أصبح معروفاً في وسائل الإعلام البولندية بلقب "ملك الكريبتو"، واشتهر بأسلوب حياة مترف شمل شقة فاخرة في وارسو، وطائرة مروحية خاصة، وسيارات فارهة من بينها "بورشه" و"فيراري".
لكن قبل اختفائه، بدأ سوشِك يشعر بالخوف على حياته. وروت شقيقته نيكول لصحيفة "نيويورك تايمز" أن شقيقها، الذي كان معروفاً عادة بتفاؤله ونشاطه، أصبح قلقاً وخائفاً.
وجاء هذا التحول بعدما أقدم شخص مجهول الهوية على تحطيم الزجاج الأمامي لسيارة "فيراري" الخاصة به بواسطة فأس في مدينة كاتوفيتسه، ثم ترك الفأس مغروساً في السيارة.
واشتبه سوشِك في أن شريكاً تجارياً سابقاً يقف خلف الاعتداء، قائلاً إن هذا الشخص كانت له صلات بعالم الجريمة المحلي.
وفي آذار 2022، اختفى سوشِك. وعُثر لاحقاً على هاتفيه في منطقة تضم مستودع وقود ومحطة وقود في مدينة تشيلادز قرب كاتوفيتسه.
وكان قد وصل إلى المكان بسيارته "بورشه" لمقابلة صديق مقرّب وشريك أعمال يدعى ماريان فوشوليك.
ولاحقاً، وُجهت إلى فوشوليك لائحة اتهام تضمنت الانتماء إلى منظمة إجرامية، والاحتيال واسع النطاق، وتبييض الأموال، والحرمان غير القانوني من الحرية، في ملف يرتبط باختفاء سوشِك. وبعد توجيه الاتهامات، اختفى فوشوليك بدوره.
وعقب اختفاء سوشِك، تلقت عائلته رسائل مقلقة. وفي إحداها، التي أُرسلت ظاهرياً من سوشِك نفسه إلى شقيقته، قيل إنه محتجز في ظروف صعبة، وإن هناك تهديداً بقطع أصابعه.
وفي رسالة أخرى، يُعتقد أنها أُرسلت من الخاطفين، قيل إنه "يبكي مثل فتاة صغيرة"، مع تحذير أفراد عائلته من أنهم سيعيشون في خوف إذا لم يدفعوا المال.
ورغم عمليات البحث والتحقيق، لم يُعثر على جثة سوشِك حتى الآن.
وبعد اختفائه، انتقلت إدارة الشركة إلى كرال، الذي كان محاميه ونائبه، وغيّرت الشركة اسمها إلى "زوندا كريبتو"، كما نقلت تسجيلها القانوني إلى إستونيا.
غير أن علامات الاستفهام لم تتوقف. إذ أبدت السلطات الإستونية مخاوف بشأن امتثال الشركة لمتطلبات مكافحة تبييض الأموال، ثم أثيرت لاحقاً تساؤلات حول ما إذا كانت "زوندا كريبتو" تمتلك فعلاً الأصول التي أعلنت عنها شركتها الأم.
ورغم هذه الشكوك، أنفقت الشركة مبالغ كبيرة على التسويق والرعاية، وقدّمت رعايات لأندية كرة قدم في بولندا وإيطاليا وإستونيا، وللجنة الأولمبية البولندية، ولمؤسسات مرتبطة بسياسيين بولنديين.
كما ساهمت في تمويل مؤتمر "CPAC" المحافظ الذي أقيم في بولندا العام الماضي، وذلك من خلال قناة تلفزيونية محسوبة على اليمين.
وفي أواخر عام 2025، بدأ العملاء يتقدمون بشكاوى تتعلق بتأخر حصولهم على أموالهم.
وقال كرال آنذاك إن الأمر مجرد مشكلة موقتة سببها تحديث موقع البورصة، ووعد بإعادة الأموال خلال أيام.
لكن التأخيرات استمرت، ثم تفاقمت الأزمة في الربيع عندما جمّدت "زوندا كريبتو" جميع عمليات سحب الأموال.
وفي موازاة ذلك، بدأ كرال بتهديد صحافيين كانوا يحققون في وضع الشركة. وروى أحدهم أنه تلقى منه رسالة تضمنت إشارة إلى معلومات طبية شخصية وخاصة به.
وفي نيسان، نشر كرال مقطع فيديو حاول من خلاله طمأنة العملاء، مدعياً أن الشركة تملك احتياطياً يبلغ 4500 بيتكوين بقيمة تتجاوز 330 مليون دولار.
وقال إن المشكلة تكمن في أن الوصول إلى الأموال تأخر لأن سوشِك، المدير الذي اختفى قبل 3 سنوات، كان الوحيد الذي يمتلك المفتاح الرقمي اللازم لفتح المحفظة.
لكن خبراء في العملات المشفرة شككوا في هذه الرواية، بعدما اتضح أن المحفظة التي أشار إليها كرال لم تكن نشطة منذ نحو عقد.
وفي 29 حزيران، ألغت وحدة الاستخبارات المالية في إستونيا ترخيص الشركة الأم لـ"زوندا كريبتو".
وفي الوقت نفسه، أصبحت الشركة محور تحقيقات ونقاشات في بولندا، بعدما فتحت السلطات في كاتوفيتسه تحقيقاً في ظروف تأسيسها ونشاطها.
وفي قلب التحقيق سؤال أساسي: هل كانت "زوندا كريبتو" شركة شرعية تضررت من استثمارات فاشلة في سوق العملات المشفرة، أم أنها كانت منذ البداية مشروعاً إجرامياً أُنشئ لتبييض الأموال؟
أما كرال نفسه، فقد اختفى في نيسان، وكان من الممكن أن يقدم إجابات كثيرة بشأن وضع الشركة وأموال عملائها.
ولم يُشاهد منذ 4 أشهر، فيما ظهرت تقارير غير مؤكدة تزعم أنه شوهد في إسرائيل وبوتسوانا ودبي.
غير أن المحامي روبرت نوغاتسكي، الذي يمثل عدداً من عملاء "زوندا كريبتو"، يعتقد أن كرال موجود على الأرجح في جنوب شرق آسيا.
وبالنسبة إليه، فإن الخلاصة واضحة، إذ قال: "كانت عملية احتيال منذ اليوم الأول".
وتختلف ظروف اختفاء كرال عن ظروف اختفاء سوشِك. فقد كان آخر ظهور علني له في 16 نيسان، عندما نشر الفيديو الذي خاطب فيه العملاء ووعدهم بإعادة أموالهم.
وبعد أيام قليلة، أفادت تقارير في بولندا بأنه غادر البلاد وانتقل إلى إسرائيل مستفيداً من حمله الجنسية الإسرائيلية.
وبحسب التقارير، غادر كرال بولندا في 17 نيسان، بالتزامن مع فتح تحقيق بالاحتيال ضد "زوندا كريبتو".
وقد تجعل الجنسية الإسرائيلية التي يحملها كرال مسألة تسليمه إلى بولندا أكثر تعقيداً.
وبين فأس مغروس في "فيراري"، ورسائل تهديد، ومديرين اختفيا واحداً تلو الآخر، وأموال عملاء مجمدة وتحقيقات عابرة للحدود، تحولت قصة "زوندا كريبتو" من قصة نجاح في سوق العملات الرقمية إلى لغز مفتوح تتقاطع فيه الجريمة والمال والأسئلة التي لم تجد إجابات حتى الآن.
