24-08-2026
في الوقت الذي يواصل فيه الاحتلال الإسرائيلي حرب الإبادة الجماعية والتدمير الممنهج والتهجير القسري والتجويع بحق شعبنا الفلسطيني في قطاع غزة، تتعرض الضفة الغربية والقدس المحتلة بدورها لتصعيد إسرائيلي متواصل، يأخذ أشكالاً متعددة من الاقتحامات والاعتقالات والاعتداءات ومصادرة الأراضي، إلى جانب إرهاب المستوطنين وحرق المنازل والمزارع والحقول والاعتداء على المواطنين وممتلكاتهم، ولم يعد المشهد في الضفة الغربية مقتصراً على ممارسات أمنية عابرة، بل بات يبدو كسياسة ممنهجة تهدف إلى إنهاك المواطن الفلسطيني ودفعه إلى حالة دائمة من الخوف والقلق والإذلال. فالحواجز والبوابات العسكرية التي تغلقها قوات الاحتلال، ومنها بوابات عطارة والنبي صالح وروابي ويبرود ـ سلواد وعين سينيا وغيرها، باتت أدوات إضافية لخنق المدن والقرى الفلسطينية وقطع أوصالها، الأمر الذي يتسبب بأزمات مرورية خانقة ويعطل حركة المواطنين وأعمالهم وحياتهم اليومية.
وفي المقابل تُترك عصابات المستوطنين المسلحة لتواصل اعتداءاتها على الفلسطينيين، من إحراق المنازل والممتلكات، والاعتداء على المزارعين، وتدمير المحاصيل والأشجار، وسرقة المواشي، ومصادرة الأراضي في ظل حماية قوات الاحتلال أو عجزها المتعمد عن وقف هذه الاعتداءات، وتكشف أرقام الانتهاكات خلال أسبوع واحد، والتي بلغت نحو 1840 انتهاكاً، عن حجم التصعيد وخطورته، خصوصاً أن هذه الانتهاكات لا تأتي منفصلة عن بعضها، وإنما في سياق متكامل من التضييق والتنكيل والاستيطان ومصادرة الأرض وفرض واقع جديد على الأرض.
أما القدس فتظل في قلب هذا التصعيد خاصة بظل محاولات متواصلة للمساس بالمسجد الأقصى وطرح مشاريع لبناء كنيس يهودي في قلبه في خطوة تحمل مخاطر كبيرة على الوضع القائم في المدينة المقدسة وتفتح الباب أمام إجراءات أكثر خطورة تستهدف هوية القدس ومقدساتها، ولم يتوقف الأمر عند ذلك إذ إن ما جرى في مخيم نور شمس بطولكرم من وضع علم الاحتلال على إحدى مآذن المساجد يمثل مشهدا بالغ الاستفزاز والإهانة لمشاعر الفلسطينيين ويعكس مستوى غير مسبوق من الاستهانة بكرامة المواطنين ومقدساتهم.
اقتحامات واعتقالات، حرق ومصادرة، إذلال وتنكيل، المشكلة أن المواطن الفلسطيني في الضفة الغربية لم يعد يواجه انتهاكا واحدا وإنما منظومة متكاملة من الضغوط، اقتحامات واعتقالات، حواجز وإغلاقات مصادرة للأراضي وحرق للبيوت والمزارع، تدمير للمحاصيل سرقة للمواشي واعتداءات متواصلة من المستوطنين، وفي ظل هذه الظروف تتراكم مشاعر الغضب والقهر والإحباط لدى الفلسطينيين خصوصا عندما يشعر المواطن أن المجتمع الدولي يكتفي بالمراقبة وإصدار البيانات، بينما تتواصل الجرائم على الأرض دون رادع حقيقي، وهنا تكمن الخطورة الحقيقية فالإنسان يستطيع أن يتحمل الكثير لكن للصبر حدود وللاحتمال نهاية، وعندما يشعر المواطن بأنه محاصر في أرضه ومهدد في منزله ومعتدى على أرضه ومزرعته وممتلكاته وكرامته، فإن استمرار الضغط عليه إلى ما لا نهاية يمكن أن يقود إلى نتائج لا يستطيع أحد التنبؤ بها، من هنا أعتقد أن الضفة الغربية أصبحت أقرب إلى بركان يغلي تحت سطح الأحداث. وما نشهده اليوم من هدوء نسبي في بعض المناطق لا يعني بالضرورة أن حالة الاحتقان قد انتهت، بل ربما يعني أن الغضب يتراكم في صمت.
الاحتلال من خلال سياساته القائمة على الإذلال والقمع والاستيطان والحصار والاعتداءات يساهم بنفسه في خلق بيئة شديدة الانفجار وكل اعتداء جديد وكل منزل يحرق وكل أرض تصادر وكل شاب يعتقل وكل بوابة تغلق وكل انتهاك للمقدسات، يمكن أن يشكل شرارة إضافية في بيئة مشحونة أصلاً بالغضب، ولا أحد يستطيع أن يعرف إلى أين يمكن أن تصل الأمور إذا انفجر هذا البركان ولا كيف ستكون تداعيات ذلك على الضفة الغربية والقدس والمنطقة بأكملها، ولهذا فإن استمرار حكومة نتنياهو في هذه السياسة لا يمثل فقط عدواناً على الشعب الفلسطيني، بل هو أيضاً مقامرة خطيرة بمستقبل المنطقة فالاستقرار لا يمكن أن يبنى على القهر، والأمن لا يمكن أن يتحقق عبر الإذلال، والهدوء لا يمكن أن يستمر في ظل استمرار الاعتداءات ومصادرة الحقوق.
إن من يريد منع انفجار الضفة الغربية عليه أن يتوقف أولاً عن إشعالها، فالمطلوب ليس مطالبة الفلسطيني وحده بالصبر وإنما وقف أسباب الانفجار، وقف الاعتداءات وإرهاب المستوطنين، وإنهاء سياسة العقاب الجماعي، ووقف مصادرة الأراضي والاقتحامات، واحترام المقدسات وحقوق الشعب الفلسطيني، الضفة اليوم لم تعد ساحة مفتوحة للاحتلال والمستوطنين والشعب الفلسطيني ليس بلا حدود للصبر، وإذا استمر الضغط إلى هذا الحد فقد تأتي لحظة لا يعود فيها بالإمكان السيطرة على نتائج ما صنعته سياسات الاحتلال بنفسه.
--------------
أبو الشريف رباح
