"ليبانون ديبايت" - بيتر جرمانوس:
في ربيع 1976، لم يدخل حافظ الأسد إلى لبنان بوصفه “منقذاً” بقدر ما دخل بوصفه رجل التوازنات القاسية. كان ميزان “الحرب الأهلية” يميل لمصلحة الحركة الوطنية الفلسطينية - اليسارية، وكان النظام السوري يرى أن سقوط لبنان بالكامل في يد ياسر عرفات وحلفائه سيعني ولادة كيان مسلح على حدوده، خارج سيطرته، ويستفز إسرائيل معاً. هكذا جاء التدخل السوري: لوقف انهيار لبنان، نعم، ولكن أيضاً لكسر الاندفاعة الفلسطينية - اليسارية، ومنع قيام أمر واقع لا تريده دمشق. وتؤكد المراجع التاريخية أن التدخل تم في لحظة تقاطع مصالح: حاجة لبنانية، قبول عربي لاحق، وقبول أميركي من حيث المبدأ نُقل إلى الأسد، مع رضا إسرائيلي ضمني على “تأديب” منظمة التحرير وكبح عرفات.
لكن التاريخ لا يمنح أحداً نسخة طبق الأصل من نفسه. فالأسد الأب دخل لبنان ليضرب اليسار الفلسطيني - اللبناني، ثم انتهى إلى وصاية كاملة على كل البلد. بدأ الأمر عملية محدودة الأهداف، وانتهى إلى نظام نفوذ دام نحو ثلاثة عقود. تلك هي القاعدة في المشرق: التدخلات تبدأ تكتيكاً، ثم تتحول إلى بنية. وما يجري اليوم حول أحمد الشرع يعيد إلى الأذهان هذه المفارقة نفسها: هل يُستدعى رجل دمشق الجديد لضبط حزب الله حيث عجزت الدولة اللبنانية، أم أن المنطقة تغيّرت بما يكفي لكي يبقى التشبيه ناقصاً؟
الوقائع المستجدة تجعل السؤال مشروعاً. ففي 17 آذار 2026، نقلت رويترز عن خمسة أشخاص مطلعين أن الولايات المتحدة شجعت دمشق على النظر في إرسال قوات إلى شرق لبنان للمساعدة في نزع سلاح حزب الله. والأهم أن أحد المسؤولين السوريين قال للوكالة إن واشنطن أعطت ضوءاً أخضر لعملية في شرق لبنان “عندما يحين الوقت المناسب”. لكن الصورة لم تكن مستقرة: توم براك، المبعوث الأميركي إلى سوريا والسفير لدى تركيا، نفى لاحقاً علناً أن تكون واشنطن شجعت دمشق على إرسال قوات إلى لبنان. وبين التسريب والنفي، بقي الثابت الوحيد أن الفكرة طُرحت بالفعل داخل قنوات حساسة، وأن دمشق تعاملت معها بجدية كافية لتخشى تبعاتها، لا سيما خطر الرد الإيراني وإثارة توترات مذهبية داخل سوريا نفسها.
ولم يأتِ هذا الطرح من فراغ. فقبل ذلك بأيام، كانت رويترز قد نقلت عن ثمانية مصادر سورية ولبنانية أن دمشق دفعت بآلاف الجنود ووحدات صاروخية ومدرعات إلى الحدود مع لبنان، مع تأكيد رسمي سوري أن الانتشار دفاعي ويهدف إلى ضبط الحدود ومنع التهريب والتسلل، ولا يعني نية هجومية تجاه لبنان. ثم خرج أحمد الشرع نفسه في 31 آذار ليقول بوضوح إن سوريا ستبقى خارج الحرب على إيران ما لم تتعرض لعدوان مباشر. هذه ليست لغة رئيس يستعد لاقتحام لبنان، بل هي لغة رئيس يحاول تثبيت دولته أولاً، ومنع تحويل سوريا إلى ساحة إضافية في حرب إقليمية مفتوحة.
هنا تبدأ المقارنة الدقيقة مع 1976. حافظ الأسد كان يملك جيش دولة متماسكاً نسبياً، ونظاماً مركزياً، وقراراً سيادياً أقل ارتهاناً من دمشق اليوم. أما أحمد الشرع، فرغم انتقاله إلى شراكة أوثق مع واشنطن في مكافحة الإرهاب والانضمام إلى التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ضد “الإرهاب”، فإنه لا يزال يقود دولة خارجة من حرب طويلة، تبحث عن سلام، ودعم مالي، وإعادة بناء جيشها ومؤسساتها. وفوق ذلك، ما زالت جبهة السويداء والدروز في الجنوب السوري قابلة للاشتعال، وقد أظهرت إسرائيل استعداداً لضرب بنى تابعة للدولة السورية بذريعة حماية الدروز. أي إن الشرع لا يقف على أرض صلبة تسمح له بخوض مغامرة لبنانية واسعة.
أما إسرائيل، فالمؤشرات العلنية الصادرة عنها لا توحي بأنها تريد إسقاط النظام اللبناني أو إعادة هندسة السلطة في بيروت. خطابها الحالي أكثر تواضعاً وأشد قسوة في آن واحد: منطقة عازلة، سيطرة أمنية، إبعاد التهديد الصاروخي، ومنع عودة حزب الله إلى خط التماس. نتنياهو ووزير الدفاع يسرائيل كاتس تحدثا بوضوح عن توسيع “المنطقة الأمنية” حتى نهر الليطاني، وعن تدمير المنازل في القرى الحدودية ومنع عودة مئات آلاف النازحين إلى ما دون الليطاني إلى حين ضمان أمن شمال إسرائيل. هذا ليس مشروع تغيير نظام في لبنان، بل مشروع إعادة تشكيل الجغرافيا الأمنية بالقوة.
لهذا بالذات عاد اسم دمشق إلى التداول. ففي التداولات الإسرائيلية المفتوحة، ظهرت خلاصات منسوبة إلى تقرير لآنا بارسكي في “معاريف” تتحدث عن سيناريو تفاهمات هادئة مع سوريا إذا عجزت بيروت عن فرض سيادتها ونزع سلاح حزب الله، بحيث تبقى إسرائيل ممسكة بالجنوب، بينما يكون لدمشق دور في الشمال و/أو الشرق. كما نقلت منصة إسرائيلية أخرى عن مصدر أن السوريين، بالتفاهم مع حكومة لبنان، لا يريدون عودة خطوط إمداد السلاح من سوريا إلى لبنان، وأنهم أحبطوا بعض عمليات التهريب، بل إن عمليات إسرائيلية داخل سوريا جرت بموافقة من الشرع، وفق هذا السرد الإسرائيلي. هذا كله لا يرقى إلى سياسة معلنة، لكنه يكشف مزاجاً إسرائيلياً خطيراً، وهو البحث عن “مقاول أمني” شرقاً، لا عن شريك سياسي في بيروت.
لكن العقدة التركية تمنع أي إسقاط سهل. فأنقرة لا تعطي، في العلن على الأقل، غطاءً لدخول سوري إلى لبنان. رويترز نقلت أن تركيا تعارض أي عمل عسكري يزعزع إيران في لبنان وتصر على الدبلوماسية، كما أنها أعدّت خطط طوارئ لموجات نزوح محتملة من إيران نفسها، ما يعكس خوفها من الفوضى أكثر من حماسها لكسر التوازنات بالقوة. وفي الإعلام التركي الرسمي وشبه الرسمي، يظهر خط واضح: دعم سيادة لبنان، ودعم ضبط الحدود، ودعم جهود نزع سلاح حزب الله تحت سلطة الدولة اللبنانية، لا عبر إعادة إنتاج وصاية سورية جديدة. كذلك حذر وزير الخارجية التركي هاكان فيدان من أي مسار نحو حرب أهلية أو تغيير نظام في إيران، وهو موقف يشي بأن تركيا تخشى فعلاً سقوط الدولة الإيرانية أو تفككها، بما يحمله ذلك من فوضى حدودية ومذهبية وجيوسياسية.
ومن هنا تصبح الروايات المتداولة في بيروت عن أن “الخماسية” أبلغت الشرع بعدم معارضة عملية “صغيرة” في البقاع، أو أن دمشق تفاوض على تمويل وتفويض دولي وتسليح مقابل التحرك، روايات قابلة للتصديق السياسي، لكنها غير مثبتة علناً في المصادر التي أمكن التثبت منها. ما يمكن إثباته هو شيء آخر: أن واشنطن وباريس وحلفاءهما حاولوا أولاً مساراً أقل عنفاً، يقوم على دعم الدولة اللبنانية والجيش وخارطة طريق لنزع السلاح من الداخل. رويترز وثّقت اجتماعاً في باريس في ديسمبر (كانون الأول) 2025 بين مسؤولين أميركيين وفرنسيين وسعوديين لوضع آلية لنزع سلاح حزب الله، كما وثّقت أن فرنسا دفعت بخطة تقوم على وقف القتال لثلاثة أشهر، ثم اتفاق أوسع، مع قوة متطوعين مفوضة من مجلس الأمن للتحقق من نزع السلاح في بقية لبنان. ووثّقت أيضاً أن بريطانيا وفرنسا وألمانيا وكندا وإيطاليا دعمت جهود الدولة اللبنانية لنزع سلاح الحزب، لكنها حذرت في الوقت نفسه من هجوم بري إسرائيلي واسع. أي إن “الحبوب الصعبة” لم تكن الخيار الأول، بل الخيار الذي يقترب كلما ثبت عجز الدولة عن التنفيذ.
بل إن رويترز نقلت أيضاً أن الرئيس اللبناني جوزاف عون حاول فتح باب تفاوض مباشر مع إسرائيل، وأن واشنطن لم تتعامل مع الطرح بحماس، فيما قال مسؤول لبناني للوكالة إن الأميركيين أبلغوا بيروت عملياً أن نافذة التحرك أوشكت أن تُغلق. وفي الوقت نفسه، كانت إسرائيل تكرر أن مفتاح إنهاء الحرب هو نزع سلاح حزب الله، وأنها ستفعل بنفسها ما تعجز عنه الدولة اللبنانية. هنا تحديداً تتقاطع الرؤية الأميركية المتعبة، والرؤية الإسرائيلية الأمنية، والرؤية الفرنسية التفاوضية: الجميع يريد نهاية لسلاح حزب الله، لكنهم يختلفون على الوسيلة والسرعة والغطاء.
فهل يتكرر التاريخ؟ الجواب الأدق: لا، لكنه قد يتنكر بملابس جديدة. لن يعود مشهد 1976 كما هو، لأن سوريا أحمد الشرع ليست سوريا حافظ الأسد، ولأن تركيا ليست في وارد مباركة فراغ إيراني كبير، ولأن إسرائيل تبدو حتى الآن أكثر اهتماماً بمنطقة عازلة طويلة الأمد من اهتمامها بتسليم لبنان إلى وصاية سورية جديدة. ومع ذلك، فإن الفكرة الأساسية من 1976 لم تمت، إذ حين تعجز الدولة اللبنانية والجيش عن احتكار القوة، يبدأ الخارج بالبحث عمّن يفرض التوازن بالنيابة عنها. الفرق الوحيد أن دمشق اليوم قد لا تدخل لبنان بجيشها، بل بحدود مضبوطة، ومعلومات استخباراتية، وتفاهمات صامتة، وترك لإسرائيل أن تفعل الباقي. وذلك، في حد ذاته، شكل آخر من أشكال تكرار التاريخ.
