القدس: ينظر إلى قرار الحكومة الإسرائيلية بدء تسجيل أراضٍ بالضفة الغربية المحتلة كـ”أملاك دولة” على أنه خطوة غير مسبوقة منذ احتلال تل أبيب للمنطقة عام 1967، وسط تساؤلات عن إمكانية إلغائه.
ينص قرار الحكومة الإسرائيلية على تسجيل ما لا يقل عن 15 بالمئة من الأراضي غير المنظمة في المنطقة ح في تسوية للأراضي، في موعد لا يتجاوز نهاية 2030
والأحد، أعلنت تل أبيب بدء تسجيل أراضٍ بالضفة كـ”أملاك دولة” (أملاك غائبين)، أي أن كل أرضٍ بالمنطقة “جيم” لا يستطيع فلسطيني إثبات ملكيته لها ستسجلها إسرائيل باسمها.
وتشمل هذه العملية: إصدار أذونات البيع، وجباية الرسوم، والإشراف على إجراءات التسجيل، في مقابل منع السلطة الفلسطينية من أداء مهامها في هذه المنطقة.
وبموجب “اتفاقية أوسلو 2” لعام 1995، قُسّمت الضفة الغربية مؤقتا إلى ثلاث مناطق هي “ألف” وتخضع للسيطرة الفلسطينية الكاملة، و”باء” تخضع للسيطرة المدنية الفلسطينية والسيطرة الأمنية الإسرائيلية.
وفيما يلي تفاصيل القرار وما يعنيه على أرض الواقع، وكيف سيطبق، وإمكانية الاعتراض عليه.
ماذا يتضمن القرار؟
بموجب القرار الذي يقع في 5 صفحات، فإنه “يتم توجيه قائد الجيش الإسرائيلي في منطقة يهودا والسامرة (الضفة الغربية) بتفويض هيئة تسجيل وتسوية حقوق الأراضي في وزارة العدل، لتعزيز إجراءات تسوية الأراضي في المنطقة (ج)”.
وتشكل المنطقة “ج” نحو 60 بالمئة من مساحة الضفة الغربية، وتقع تحت السيطرة الإسرائيلية الأمنية والمدنية الكاملة.
كما ينص القرار على “تسجيل ما لا يقل عن 15 بالمئة من الأراضي غير المنظمة في المنطقة في تسوية للأراضي، في موعد لا يتجاوز نهاية 2030 “.
ويشير القرار إلى توظيف عشرات الموظفين وتخصيص ملايين الشواكل (الدولار 3.09 شيكل) لهذه العملية.
ويزعم القرار أنه “بحلول عام 1967، لم تكن سلطات الانتداب البريطاني والمملكة الأردنية قد استقرت إلا في نحو ثلث أراضي الضفة الغربية، وفي 19 ديسمبر/ كانون الأول 1968، وبعد دخول قوات الجيش الإسرائيلي المنطقة، أصدر القائد العسكري الأمر رقم 291 بشأن تسوية الأراضي والمياه، وقد علّق هذا الأمر إجراءات التسوية في الضفة الغربية، باستثناء تلك التي اكتملت أو كانت قيد المناقشة آنذاك في المحكمة”.
وأضاف أنه في 11 مايو/ أيار 2025، اعتمد المجلس الوزاري السياسي الأمني (الكابينت) قرارا بعنوان “تسوية الأراضي في منطقة يهودا والسامرة”.
قرار الكابينت يوجه قائد الجيش الإسرائيلي باستئناف تنفيذ تسوية الأراضي في المنطقة “ج”، واتخاذ جميع الإجراءات اللازمة لتحقيق هذه الغاية.
ويتطلب ذلك، وفق نص القرار، “تعديلات على القانون الأردني (بشأن تسجيل الأراضي الذي ساد قبل 1967 واستمر حتى الآن) بما يُمكّن من تنفيذه بفعالية ودقة في الواقع القائم”.
المدة 30 عاما
وجاء في نص القرار أيضا: “قائد القوات المسلحة الإسرائيلية في منطقة يهودا والسامرة سيتخذ جميع الإجراءات اللازمة لتنفيذ تسوية الأراضي، بما في ذلك إلغاء الأمر المتعلق بتسوية الأراضي والمياه (رقم 291)، الصادر عام 1968، وإجراء تعديلات إضافية على التشريعات الأمنية حسب الاقتضاء”.
و”تم تقديم المسودات مؤخراً إلى السلطات المختصة، وهم يعملون معاً لإكمال الإجراء في أسرع وقت ممكن”.
وفيما يتعلق بالجدول الزمني، جاء في النص: “تسوية الأراضي طويلة ومعقدة، وقد تستغرق حوالي عام ونصف لكل قطعة أرض، وذلك بحسب حجمها وتعقيدها. وبالنظر إلى ظروف المنطقة وتعقيداتها، فليس من المستبعد أن تستغرق هذه العملية وقتاً أطول”.
ورجح أن تستغرق العملية “حوالي 30 عاما”، زاعما أن “تجديد إجراءات تسوية الأراضي في المنطقة سيكون له آثار إيجابية كبيرة”.
ومحاولا الالتفاف على التبعات السلبية، زعم القرار الإسرائيلي أن “هذا الترتيب يسمح باليقين بشأن الملكية، وتسويق الأراضي، وتداول الأراضي، والحصول على قروض عقارية في كثير من الحالات التي لا تكون ممكنة دائمًا الآن، ومنع النزاعات القانونية”.
50 بالمئة من الضفة
وتعقيبا على القرار، قالت حركة “السلام الآن” اليسارية الإٍسرائيلية في ورقة تحليلية صدرت، الأحد: “يتمثل الأثر الرئيسي لإجراءات التسوية في المنطقة (ج) في تجريد الفلسطينيين من أراضيهم على نطاق واسع، بما يصل إلى 83 بالمئة من المنطقة أي حوالي 50 بالمئة من مساحة الضفة الغربية، وتسجيلها باسم الدولة”.
حركة “السلام الآن”: يتمثل الأثر الرئيسي لإجراءات التسوية في المنطقة (ج) في تجريد الفلسطينيين من أراضيهم على نطاق واسع، بما يصل إلى 83 بالمئة من المنطقة أي حوالي 50 بالمئة من مساحة الضفة الغربية
وأضافت الحركة أن العملية “ستلزم ملاك الأراضي بإثبات ملكيتهم بشروط يصعب عليهم استيفاؤها. وفي حال عدم قدرتهم على ذلك، سيتم تسجيل الأرض تلقائيًا باسم الدولة (الإسرائيلية)”.
ووصفت الخطوة بأنها “ممارسة واضحة للسيادة والضم، وهو أمر محظور على أي قوة احتلال بموجب القانون الدولي”.
وحذرت من أن القرار يهدف إلى “إتمام إجراءات التسوية لـ 15 بالمئة من الأراضي غير المسجلة في المنطقة (ج) خلال خمس سنوات”.
وأردفت: “تضم المنطقة (ج) حوالي 3.3 مليون دونم، سُجّل منها حوالي 1.4 مليون دونم خلال الحقبة الأردنية، بينما لا يزال حوالي 1.7 مليون دونم غير مسجل، وتعتزم الحكومة تسوية 15ما يقارب 290 ألف دونم خلال خمس سنوات”.
وبشأن الأراضي المصنفة “أراضي دولة”، قالت الحركة: “هي في الواقع أراضٍ مملوكة للعامة، وفي الدول المستقلة، تتولى الحكومة إدارة هذه الأراضي لصالح المواطنين، أما في الضفة الغربية، فتدير إسرائيل الأراضي العامة لصالح المستوطنين الإسرائيليين فقط، وتخصص معظمها للإسرائيليين وحدهم”.
وخاطبت الحركة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، قائلة: “نحذرك، نتنياهو يخدعك، لقد قلت إنك لن تسمح بالضم، لكنه ينفذه أمام عينيك”.
وشددت على أن “قرار الحكومة بشأن الاستيطان في الضفة الغربية هو استيلاء ضخم على الأراضي الفلسطينية، ما يحرم الفلسطينيين من أي قدرة على ممارسة حقوقهم”.
هل يمكن الغاء القرار؟
ليس من الواضح إذا ما كانت منظمات حقوقية إٍسرائيلية ستقدم التماسا إلى المحكمة العليا ضد القرار، لكن المحكمة رفضت في 27 يناير/ كانون الثاني 2026 التماسا قدمته منظمة متطوعين لحقوق الإنسان الإسرائيلية “ييش دين” ، ومنظمة تخطيط وحقوق الإنسان “بمكوم”، وجمعية حقوق المواطن في اسرائيل، ومركز الدفاع عن الفرد، طالب بإلغاء قرار “الكابينت” استئناف مسارات تسوية الأراضي في الضفة الغربية.
وفي حينه أكد الالتماس على أن “قرار “الكابينت” يُشكل خطوة للضم تهدف إلى ضم الأراضي المُحتلة، والتي تتناقض مع القانون الإنساني الدولي”.
كما شدد على أن هذا القرار “يستخدم كأداة إضافية لسلب المواطنين الفلسطينيين أراضيهم وأملاكهم”.
وفي حينه بررت المحكمة العليا قرارها بأنه “التماس مُبكر”، زاعمة أن قرار “الكابينت” يشكل مرحلة أولية فقط، ولم تُتخذ بعد خطوات من شأنها إحداث ضرر غير قابل للإصلاح”.
غير أن القرار يدخل الآن حيز التنفيذ، ما قد يفتح الطريق لاعتراض جديد عليه.
وتعتبر الأمم المتحدة والمجتمع الدولي الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، أراضي محتلة، وتعد الاستيطان الإسرائيلي فيها غير قانوني وفقا للقانون الدولي.
ومنذ بدئها حرب الإبادة بقطاع غزة في 8 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، تكثف إسرائيل اعتداءاتها بالضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، عبر القتل والاعتقال والهدم والتهجير والتوسع الاستيطاني.
(الأناضول)

