صحيح أن المواطنين العرب لهم حق التصويت والترشح في الانتخابات، لكن المستوى السياسي يستبعدهم من حسابات الائتلافات، والإعلام يؤكد ذلك بصراحة. فبالنسبة لهم، ثمة كتلة ائتلافية وكتلة معارضة وكتلة عربية. والمعركة تدور بين الكتلتين الأولى والثانية. أما الكتلة الثالثة فتشارك من المدرج، تصفق هنا وتشتم الحكم هناك، وبعد ذلك العودة إلى بيوتهم. على الأغلب، يسيطر عليهم شعور مزعج بأنهم يعتبرون حاضرين غائبين في السياسة الإسرائيلية.
هكذا تسير الأمور: على الفور، بعد انتهاء الانتخابات يحزم العرب الأمتعة وتبدأ اللعبة الحقيقية بين أصحاب النفوذ – اليسار، اليمين، الوسط، المتدينون والحريديم. والعرب يتساءلون: ما فائدة كل هذه الجهود التي بذلناها؟ ملصقات، منصات، منشورات، بث في الإذاعة والتلفزيون، ندوات بيتية ومسيرات، وفي نهاية المطاف: لا شيء. هكذا فجأة، انخفض عدد أعضاء الكنيست من 120 عضواً إلى 110 أعضاء، والأعضاء العشرة الذين تم إبعادهم هم أعضاء الكنيست العرب.
صحيح أنكم حاضرون، أيها العرب الأعزاء، لكن الساحة لا تتسع لكم، ستجدون مكاناً آخر تلعبون فيه. الوضع مخيب للأمل حقاً. كل حزب عربي يعمل على تحقيق أكبر قدر ممكن. ولكنهم في أعماقهم يعرفون أن كل ذلك هدر للوقت، مثل الذي يوفر نقوده ويضعها في جرة، لكن العملة تبقى هناك لأنه لا قيمة لها في السوق الإسرائيلية.
لقد لعب العرب دوراً حاسماً لمرة واحدة فقط، وذلك في فترة حكومة إسحق رابين. هذا الشخص الشجاع، رغم موجات التحريض ومظاهرة اليمين المتطرف وحبل المشنقة، اعتمد على أعضاء الكنيست في حزب حداش (الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة) وحزب مداع (الحزب الديمقراطي العربي). وقد كان لهذه الخطوة الثورية نتائج دراماتيكية: أولاً، لأول مرة بدأت عملية مصالحة مع الفلسطينيين. ثانياً، لأول مرة تم اغتيال رئيس وزراء في إسرائيل. الرسالة وصلت: لا يجب الاعتماد على العرب في تشكيل الحكومة. وإذا ما تم تشكيل مثل هذه الحكومة فلا يجب عليها الخوض في المسائل الحساسة، وهذا ما حدث بالضبط في حكومة لبيد – بينيت، عندما اضطرا إلى الاعتماد على أعضاء الكنيست العرب لإعادة الموافقة على تطبيق القانون الإسرائيلي في المناطق المحتلة، سواء بدعم أو امتناع ممثلي هذه الأحزاب، تراجع رئيس الوزراء في حينه نفتالي بينيت وأعلن عن حل الحكومة.
لذلك فإنه إزاء هذا الوضع المحرج للأحزاب التي تمثل الجمهور العربي في لعبة الديمقراطية، تساءلت: لماذا الاستمرار في هذا العداء؟ هذه الأحزاب تبذل كل ما في استطاعتها للحصول على مقعد آخر في الكنيست، ولكنها لا تحصل في أفضل الحالات إلا على الفتات، صفّ هنا وملعب كرة قدم هناك. والآن فجأة، ألقي عليها مهمة علاج جرائم القتل الفظيعة في الوسط العربي، وكأنها هي المسؤولة عن أمن المواطنين، في حين أنها ضحية انتهاكات الحكومة.
لذلك، أقترح فكرة تقسيم الكنيست إلى مجلسين، مجلس أعلى لليهود ومجلس أدنى للعرب. في المجلس الأعلى ستتم مناقشة القضايا المصيرية مثل الحرب والسلام والعلاقات مع دول المنطقة، أما في المجلس الأدنى فسيكون الترفيه الحقيقي – إعداد القهوة السادة وشاي الأعشاب وتوزيع الحلويات في أجواء رائعة. هذه ستكون كنيست واحدة بالطبع، لأن الأمر يتعلق بالديمقراطية التي فيها مساواة بين جميع المواطنين، بغض النظر عن العرق والجنس والدين. ولكن عند دخول قصر الديمقراطية، يذهب اليهود يميناً والعرب يساراً، كل إلى مجلسه.
مع ذلك، ثمة مشكلة هنا؛ فعندما يتعلق الأمر بحياة الدولة سيكون وضع المواطنين العرب مختلفاً كلياً عن وضعهم في الكنيست. ستجدهم بنسبة مرتفعة في كل مجالات الحياة، الاقتصاد والطب والصيدلة والصناعة والهندسة والبناء والقانون والتعليم وما شابه. وحسب كارل ماركس “الوجود يحدد الوعي”. الوجود حقاً سيسود. العرب سيبقون، عاجلاً أو آجلاً، في البيتين.
عودة بشارات
هآرتس 9/2/2026
