بصمات على جدار الزمن
بصمات على جدار الزمن
Logo
الشريط الإخباري

كيف تحولت أمريكا وإسرائيل إلى نسخة طبق الأصل عن الدول الديكتاتورية التي ظلت تشجبها؟

كيف تحولت أمريكا وإسرائيل إلى نسخة طبق الأصل عن الدول الديكتاتورية التي ظلت تشجبها؟

نشرت صحيفة “الغارديان” مقالا للصحافية المعروفة جانين دي جيوفاني قالت فيه إنها قضت حياتها الصحافية وهي توثق وتلاحق حالة الإرهاب والرعب في مناطق الحروب، وهو ما تراه اليوم في الولايات المتحدة وإسرائيل.

فما يثير الخوف، هو أن يتبنى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أساليب أنظمة ظلا يوجهان النقد والشجب لها.

وقالت إن الناس في سوريا أثناء سنوات الإرهاب في ظل بشار الأسد، كانوا يعتقلون وينقلون إلى زنازين التعذيب قبل الفجر على يد رجال ملثمين.

وكان توقيت الاعتقال مقصودا، لأنه سيربكهم ويفاجئهم في أضعف حالاتهم، مما يعني أن التعذيب الذي ينتظرهم سيكون شديدا.

وكانت شهادات الناجين التي سجلتها جيوفاني تتضمن دائما العبارة نفسها تقريبا: “في صباح اليوم الذي جاؤوا فيه لأخذي”. وأخبرتها شابة حطمها الاغتصاب والعنف، أن حياتها انقسمت لاحقا إلى قسمين، قبل وبعد مجيء الملثمين لأخذها.

وفي العراق، كان كل من ينتقد صدام حسين، حتى في الخارج، ولو بشكل عابر، يعاقب بوحشية على يد زعيم منتقم مصمم على سحق أي صوت معارضة.

وفي مصر، اختطت قوات الأمن في عام 2016، جوليو ريجيني، الأكاديمي الإيطالي البالغ من العمر 28 عاما، حيث جاء إلى مصر لمتابعة أبحاثه حول النقابات العمالية، وضرب وعذب حتى الموت، ويعتقد أن ذلك كان على يد أجهزة أمن الرئيس عبد الفتاح السيسي. حتى والدته واجهت صعوبة في التعرّف على جثته المشوّهة.

وتقول جيوفاني إنها التقت خلال الحرب الشيشانية الثانية، بالصحافية آنا بوليتكوفسكايا في الشيشان. وقد هاجمت سياسات فلاديمير بوتين، موثقة انتهاكات حقوق الإنسان خلال الحملات العسكرية الروسية في الحرب الشيشانية. وعوقبت بإطلاق رصاصة على رأسها في عيد ميلاد بوتين، وكانت بمثابة تحذير لكل من يسعى لكشف الحقيقة، لأن عليه، إما الصمت أو الموت.

وفي الضفة الغربية وقطاع غزة، يقتل جنود إسرائيليون ملثمون وغير ملثمين، ويعذبون ويسجنون أطباء وصحافيين ومعلمين ونشطاء وباحثين فلسطينيين، ليس لما ارتكبوه، بل لهويتهم.

وتقول جيوفاني إنها تعرف وبعد عقود من توثيق إرهاب الدولة كيف يبدأ كل هذا. فهو يبدأ عندما تأخذ الحكومات باستخدام كلمات مثل الأمن والنظام والردع.

وفي حالة نتنياهو فإن كل ذريعة لتصرفاته في غزة تقدم تحت ستار “الأمن”.

وفي الولايات المتحدة الأمريكية، يتلقى عملاء إدارة الهجرة والجمارك تدريبات على لغة النظام التي يصبح فيه العنف تصرفا روتينيا.

وتتساءل الكاتبة عما يحدث عندما تتبنى الدول الديمقراطية أساليب الأنظمة التي أدانتها سابقا؟ ففي النهاية، الإرهاب ليس مجرد رجال ملثمين واعتقالات تعسفية، بل يقوم على الخوف، حيث تشكل السياسات لجعل الناس أكثر انصياعا وخضوعا. وكما حذر المؤرخ تيموثي سنايدر في كتابه “عن الطغيان” الصادر عام 2017، فإن هذه هي الطريقة التي تنزلق بها المجتمعات إلى الخطر: تصبح طاعة الناس أمرا مفروغا منه.

وتعلق أنها شاهدت في الولايات المتحدة تحت ترامب، رؤساء تنفيذيين وأكاديميين وصحافيين ومسؤولين حكوميين يسمحون للخوف بالتغلب على الأخلاق والقيم. وهو نمط ليس غريبا عليها، فقد شاهدته من قبل.

ويبدأ ذلك بادعاءات بأن بعض الأشخاص خطرون، وأن الضمانات القانونية العادية لا تنطبق عليهم. وينتهي بمجتمع متعب وأكثر جاهزية للخضوع وأكثر حرصا على حماية الذات. فـ”نادرا ما يعلن عن إرهاب الدولة، بل يصبح، بحسب تجربتي أمرا طبيعيا ويتغلغل بهدوء في أجهزة الدولة” تقول الكاتبة.

وتشير هنا إلى أن الأنظمة الاستبدادية لا تدعي أنها تمتلك شرعية أخلاقية بل يكون عنفها صريحا. فلم يعتذر صدام حسين عندما قتل 198,000 كردي خلال حملة الأنفال. ولم يعتذر السيسي عندما سقط نحو ألف من أنصار جماعة الإخوان المسلمين في ميداني رابعة والنهضة بوسط القاهرة. ولم يعترف حافظ الأسد قط بمقتل عشرات الآلاف في حماة عام 1982. وحتى يومنا هذا، لا تزال الأعداد الدقيقة لعدد القتلى والمفقودين مجهولة، وبنى النظام فنادق فوق مقابر جماعية، في تصرف انتهازي.

وبخلاف هذا الحال، فالديمقراطيات تعمل بطريقة مختلفة وغالبا ما تكون أفعالها، من الناحية القانونية، فوق القانون. ويتم استدعاء الدساتير وإعادة إحياء قوانين غامضة لتبرير سياسات عدوانية، في وقت تتحدث فيه الحكومات عن “الإجراء الضروري”. وتشير إلى المحاكم التي لا تزال تعمل والصحافة التي لا تزال تتمتع بقدر من الحرية والانتخابات التي تنظم باستمرار، حتى مع انهيار كل هذه المؤسسات. وهكذا تبدأ الديمقراطيات بالسير على طريق الأنظمة التي أدانتها في السابق، إنه تحول دقيق ومدمر.

وتشير جيوفاني إلى التحول الذي يتم من خلال أدوات معروفة. مثل أن يعين صحافي تتوافق تقاريره بشكل وثيق مع المصالح السياسية للرئيس الأمريكي ورئيس الوزراء الإسرائيلي لقيادة شبكة “سي بي إس” التي كانت ذات يوم من أكثر الشبكات احتراما في الولايات المتحدة.

وفي الجامعات، تشمل المراقبة الآن تصوير الطلاب الذين يحضرون أو يقودون مظاهرات مؤيدة للفلسطينيين، ويعتبرون مثيري شغب. وتقول الكاتبة: “أخبرني أحد الطلاب في واحدة من جامعات النخبة (أيفي ليغ) أن البعض يحذرون بشكل مبطن من أنهم لن يجدوا عملا في شارع المال والأعمال (وول ستريت) أو في أفضل مكاتب المحاماة أو في المكاتب الحكومية إذا استمروا على هذا المنوال. كما يطرد ناشطون طلابيون آخرون من منازلهم ويحتجزون بشكل غير قانوني ويهددون بالترحيل”.

ويواجه عمداء الكليات تهديدات بتخفيضات عقابية في التمويل ما لم يفرضوا متطلبات تقيد الحرية الأكاديمية.

ففي جامعة نورث وسترن في شيكاغو، أُجبر الطلاب على إكمال تدريب حول معاداة السامية وصفوه بأنه غير دقيق ومنحاز لصالح إسرائيل قبل أن يتمكنوا من التسجيل في الفصول الدراسية.

ويطلب من المحاضرين سرا الالتزام بالخط المرسوم، كما يعاقب الصحافيون من خلال لغة تصاغ بعناية وكأنها سياسة تحريرية، ثم يعتقل بعضهم، ومن يقاوم أو يحاول المقاومة يوصم بأنه من أعداء الدولة.

وتقول جيوفاني إن أساليب إدارة الهجرة والجمارك ليست جديدة، فقد استخدمت منذ زمن طويل بشكل غير متناسب ضد المتطرفين السياسيين والمسلمين والأمريكيين السود والمهاجرين. لكن ما تغير هو وضوحها وتزايد قبول الرأي العام لها.

تقول جيوفاني إن أساليب الوكالة “تحاكي اليوم أنماط إرهاب الدولة نفسها التي وثقتها لعقود: الاعتقال التعسفي والأدلة السرية والشرطة العسكرية وتجريم المعارضة. ويتم تبرير كل هذا من حماة الشرعية: البيت الأبيض والكنيست ومكتب رئيس الوزراء”.

ثم تبدأ العملية التدريجية بوضع القوائم، حيث عادت اختبارات الولاء التي تذكر بالخوف من الشيوعية أو المكارثية ويواجه حاملو الجنسية المزدوجة ضغوطا لاختيار بلد “الولاء” وتعاد صياغة إنفاذ قوانين الهجرة على أنها مطاردة “للمجرمين” بدلا من كونها إجراء قانونيا.

ويعاقب النشطاء والمنظمات غير الحكومية والعاملون في المجال الإنساني. ففي غزة، قيل لمنظمات مثل أطباء بلا حدود إنه ما لم تقدم قوائم بأسماء العاملين في مجال الرعاية الصحية، فلن يسمح لها بالعمل.

وتعلق جيوفاني أن أمريكا وإسرائيل ليستا في النهاية روسيا أو كوريا الشمالية، لكن الديمقراطيات تتآكل من الداخل. ولا تقتصر المراحل الأولى من هذا التآكل على وجود الحرس الوطني في الشوارع، بل تشمل جدالات قانونية حول التعريفات وخضوع القضاة للسلطة وتلقي الكونغرس أموالا من جماعات ضغط نافذة واستخدام وسائل التواصل الاجتماعي لنشر الدعاية، حيث يصبح التضليل سلاحا للحقيقة. ويتجاهل الرجال والنساء العاديون أو قل الأخيار الأمر، لئلا يفقدوا وظائفهم وتأشيراتهم وعقود النشر ومكانتهم الاجتماعية.

ومن هنا، فالأمر الأكثر مدعاة للخوف، هو ما يحدث للمجتمع، وللأفراد أيضا، حيث يصبح الخوف متأصلا فينا ونبدأ في فرض رقابة ذاتية على أفكارنا ونتساءل عما إذا كان القانون سيحمينا فعلا إن أصبحنا عرضة للمساءلة.

والمفارقة، هي أن إرهاب الدولة لا يجعل الدولة أكثر أمانا، فعندما تتبنى الدول الديمقراطية أساليب الاستبداد، تضعف وتتلاشى مصداقيتها العالمية وتضحي بالشرعية التي كانت تميزها عن الأنظمة التي تدعي معارضتها.

وتعلق جيوفاني: “أعرف إرهاب الدولة عندما أراه. فالأمر لا يقتصر على الحرس الثوري الإيراني أو جهاز الأمن الفدرالي الروسي أو جهاز الأمن الوطني المصري، بل يشمل محامين يرتدون البدلات الرسمية وبيروقراطيين يجلسون على مكاتبهم وصحافيين يلفقون روايات تشوه الحقيقة. كما يشمل عملاء إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية الذين يكسرون نوافذ السيارات ويطلقون النار على مواطنين عزل. ويشمل الأمر حدودا محصنة عسكريا وتفريقا للعائلات، وترحيلا قسريا دون مراعاة الإجراءات القانونية الواجبة. إنه تحويل الخوف إلى سياسة إلى هدف”.

وفي هذا السياق المرعب من التحولات، تدعو الكاتبة إلى ضرورة الإصغاء إلى كل من عاشوا هذه التجربة. وتقول: “مئات الشهادات التي جمعتها على مر السنين من تلك الأصوات المُعذبة هي بمثابة إنذار مبكر لا يمكننا تجاهله”.

يذكر أن جيوفاني هي مديرة تنفيذية لمشروع “ذي روكينغ” (الحساب) وهو وحدة جرائم حرب لأوكرانيا والسودان وغزة. ومؤلفة لعدة كتب منها “صباحا جاؤوا إلينا: شهادات من سوريا”.