بصمات على جدار الزمن
بصمات على جدار الزمن
Logo
الشريط الإخباري

الحرب على المخيمات و"الأونروا": محاولة إسرائيلية لتفريغ قضية اللاجئين الفلسطينيين

الحرب على المخيمات و"الأونروا": محاولة إسرائيلية لتفريغ قضية اللاجئين الفلسطينيين

الحرب على المخيمات و"الأونروا": محاولة إسرائيلية لتفريغ قضية اللاجئين الفلسطينيين

تُظهر الوقائع أنّ الحملة الإسرائيلية على "الأونروا" ومخيمات اللاجئين تتجاوز تعطيل الخدمات الإنسانية، لتستهدف إعادة صياغة قضية اللاجئين الفلسطينيين عبر تفريغها من بعدها القانوني والسياسي وتحدّي المرجعية الأممية.

  1. الكاتب: الميادين نت
  2. المصدر: الميادين نت
  3. 1 شباط 13:54






منذ عقود طويلة، مثّلت المخيمات الفلسطينية رمزاً للصمود والثبات، وحافظةً للهوية الوطنية وسط أزمات اللجوء المتلاحقة. لكن اليوم، تواجه هذه المخيمات ما يمكن وصفه بـ "حرب مزدوجة "تجمع بين الضغوط الميدانية، من تدمير للبنية التحتية وتهجير للسكان، وبين الاستهداف المنهجي لوكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين ("الأونروا")، التي تمثّل الحصن القانوني والإنساني الذي يكفل حقوق اللاجئين وحقهم في العودة.

في مخيمات الضفة الغربية، تشنّ "إسرائيل" محاولات ممنهجة لإلغاء ذاكرة المكان وتشويه هويته الوطنية والسياسية. وفي الوقت نفسه، تعمل عبر تشريعات وإجراءات متعسّفة على تقويض دور "الأونروا" وإضعاف قدرتها على تقديم الخدمات الأساسية، بحيث تتحوّل قضية اللاجئين إلى مجرّد أرقام في سجلات إغاثية، بعيداًَ عن أيّ بعد سياسي أو قانوني، مستهدفة بذلك الاعتراف الدولي المستمر بحقوقهم وحقهم في العودة.

هذا التقرير يستعرض أبعاد الحرب على المخيمات و"الأونروا"، بين الانتهاكات الميدانية والسياسات الإسرائيلية، مسلّطاً الضوء على التداعيات الإنسانية والقانونية، ومبرزاً كيف أصبحت هذه الحرب جزءاً من مسار أكبر يهدف إلى إعادة صياغة واقع اللاجئين الفلسطينيين ومستقبل قضيتهم.

الحرب على "الأونروا": من استهداف الخدمات إلى محاولة شطب قضية اللاجئين

لم يعد استهداف وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين "الأونروا" يُقرأ بوصفه خلافاً إدارياً أو أزمة تمويل عابرة، بل بات جزءاً من مسار سياسي أوسع يسعى إلى إعادة صياغة ملف اللاجئين الفلسطينيين من جذوره. ففي الأراضي الفلسطينية المحتلة، تتكثّف الإجراءات ضدّ الوكالة في الضفة الغربية وقطاع غزة بما فيها القدس الشرقية، في سياق يراه مراقبون تمهيداً لتعميم النموذج على بقية مناطق عملها في المنطقة، بما يحوّل الضغط الميداني إلى سياسة ممنهجة لإعادة تعريف دور الوكالة أو إنهائه.

في هذا السياق، يؤكّد الكاتب والخبير المختص بشؤون اللاجئين ومدير الهيئة 302 للدفاع عن حقوق اللاجئين، علي الهويدي، في مقابلة مع "الميادين نت"، أنّ عين الاحتلال تتجه نحو ما يسمّيه "مرحلة حسم الصراع"، معتبراً أنّ "الأونروا" تمثّل إحدى العقبات المركزية أمام هذا الحسم، لما تختزنه من أبعاد قانونية وسياسية وإنسانية لقضية اللاجئين. فوجود الوكالة، وفقاً له، ليس مجرّد تقديم خدمات تعليمية أو صحية أو إغاثية، بل هو تجسيد حيّ لاعتراف دولي متواصل بمسؤولية المجتمع الدولي تجاه اللاجئين الفلسطينيين وحقوقهم غير القابلة للتصرّف، وفي مقدّمتها حقّ العودة والتعويض واسترداد الممتلكات.

ويشير الهويدي إلى أنّ استهداف "الأونروا" في الميدان سواء عبر إغلاق مقارها أو هدمها، أو تقييد حركتها، أو اقتحام منشآتها، أو تعطيل خدماتها لا يمكن فصله عن محاولة أوسع لتقويض المرجعية القانونية التي تستند إليها. فالوكالة أنشئت بموجب القرار الأممي 302 الصادر عام 1949، واقترن وجودها سياسياً وقانونياً بالقرار 194 الذي أكد حقّ اللاجئين في العودة. ومن ثمّ، فإنّ المساس بها يعني ضمنياً المساس بالإطار الأممي الناظم لقضية اللاجئين.

ويتجاوز الأمر البعد المؤسسي إلى استهداف المخيم نفسه بوصفه فضاءً سياسياً ورمزاً قانونياً. فالمخيم ليس مجرّد تجمّع سكني فقير، بل شاهد تاريخي على واقعة اللجوء المستمرة. ومن هنا، يقرأ مراقبون محاولات تغيير صفة المخيمات أو إلغاء مكاتب "الأونروا" فيها باعتبارها سعياً إلى تفكيك البنية الرمزية للقضية، وتحويل اللاجئ من صاحب حقّ سياسي إلى متلقٍ لخدمة اجتماعية قابلة للإلغاء.

كما يلفت الهويدي إلى أنّ الإجراءات المتخذة في القدس، من اقتحام مقار تابعة للوكالة ومصادرة محتوياتها ورفع أعلام الاحتلال فوقها، تمثّل تحدّياً مباشراً للحصانة التي تتمتّع بها مؤسسات الأمم المتحدة بموجب اتفاقية امتيازاتها وحصاناتها لعام 1946.

وفي قطاع غزة، يتجلّى الضغط من خلال ربط إدخال المساعدات الإنسانية أو استمرار الخدمات بشروط تمسّ جوهر عمل الوكالة، ما يضع العمل الإغاثي في قلب التجاذب السياسي.

في المحصّلة، تبدو الحرب على "الأونروا"، وفق هذا المنظور، محاولة لإعادة صياغة تعريف اللاجئ الفلسطيني نفسه: من لاجئ تحكم وضعه قرارات دولية واضحة، إلى حالة إنسانية عامة قابلة للإدارة المحلية أو الدمج القسري أو التصفية التدريجية. وبينما تستمر الضغوط السياسية والمالية، يبقى مصير الوكالة مرتبطاً بسؤال أعمق: هل يستطيع المجتمع الدولي الحفاظ على التزامه التاريخي تجاه قضية اللاجئين، أم يُترك الملف ليُعاد تشكيله وفق موازين القوة على الأرض.

انتهاك الحصانة الأممية

يضع الهويدي ما يجري بحقّ "الأونروا" ضمن إطار قانوني صريح، معتبراً أنّ المسألة تتجاوز البعد السياسي إلى خرق واضح لقواعد القانون الدولي العامّ. فالأراضي الفلسطينية، وفق القرارات الأممية المتعاقبة، تُصنّف أراضي محتلة، ما يُخضع القوة القائمة بالاحتلال لالتزامات محدّدة بموجب اتفاقيات جنيف والقانون الدولي الإنساني، وفي مقدّمتها ضمان سير العمل الإنساني واحترام المؤسسات الدولية العاملة في الإقليم المحتل.

ويشير الهويدي إلى أنّ اتفاقية امتيازات وحصانات الأمم المتحدة لعام 1946 تشكّل المرجعية الأساسية التي تنظّم وضع مقارّ الأمم المتحدة وممتلكاتها وموظفيها، إذ تنصّ بوضوح على تمتع منشآت المنظمة الدولية بالحصانة من التفتيش أو المصادرة أو أيّ شكل من أشكال التدخّل الإداري أو الأمني من قبل السلطات المحلية. كما تكفل الاتفاقية حرية المنظمة في أداء وظائفها من دون عوائق، باعتبارها هيئة دولية مستقلة لا تخضع لسلطة الدولة المضيفة أو القوة القائمة بالاحتلال.

وعليه، فإنّ اقتحام مقار "الأونروا" في القدس الشرقية أو غيرها، ومصادرة محتوياتها، ورفع أعلام الاحتلال فوقها، أو تدمير منشآت داخل مجمّعاتها، لا يُعدّ مجرّد إجراء أمني أو إداري، بل يشكّل من منظور قانوني انتهاكاً مباشراً للحصانة الأممية ومساساً بمكانة الأمم المتحدة ذاتها. فالحصانة هنا ليست امتيازاً إجرائياً، بل ضمانة لاستقلال العمل الدولي وحياده.