
لا تسقط الإمبراطوريات بفعل الهزائم العسكرية وحدها؛ فكثيرًا ما تبدأ بالإنهيار من الداخل، حين يتغوّل الغرور ويتحوّل الفساد إلى عقيدة حكم. وما يصدر اليوم عن البيت الأبيض لا يمكن قراءته كسياسات عابرة أو أخطاء تكتيكية، بل كأعراض تفكك إمبراطوري مكشوف، تتعرّى فيه أدوات الهيمنة واحدة تلو الأخرى.
بعد أن عجزت الولايات المتحدة عن المنافسة في الإقتصاد العالمي الذي صاغته وروّجت له لعقود، لجأت إلى سلاح أخطر من الجيوش: تسليح الاقتصاد. تحوّلت التجارة، القوة الشرائية، والتمويل، والعملة، والإئتمان إلى أدوات إخضاع وابتزاز. «النظام الدولي القائم على القواعد» لم يعد سوى غطاء لغوي لمنظومة عقوبات، ورسوم، ومصادرة أصول، وترهيب مالي مُمنهج. لم تعد القوة الاقتصادية وسيلة تبادل أو تنافس، بل أداة انتقام. لا مكان استُخدمت فيه هذه الأداة بكل مواظبة كما استُخدمت في خدمة دولة الاحتلال.
قبل الإبادة الجارية في غزة بسنوات طويلة، تخلّت الإدارات الأمريكية المتعاقبة - ديمقراطية كانت أم جمهورية - عن أي وهم يتعلق بكبح جماح دولة الاحتلال العنصرية. لم تكتفِ واشنطن بتجاهل القانون الدولي، بل بنت منظومة حصانة متكاملة لتحصين دولة الاحتلال من أي مساءلة. استخدمت حق النقض لإسقاط قرارات وقف إطلاق النار، وعرقلت أي تحرّك لوقف تجويع أكثر من 2.3 مليون فلسطيني، وهاجمت المحاكم الدولية، وعاقبت موظفي الأمم المتحدة، وخنقت المنظمات الإنسانية، وابتزّت قادة دول لمجرّد مطالبتهم بتطبيق القانون على دولة الاحتلال كما يُطبَّق على سائر الدول.
في قلب هذه الحرب يقف الدولار الأمريكي، وقد تحوّل من عملة عالمية إلى أداة ابتزاز سياسي. فبفضل هيمنته على التجارة العالمية، وأسواق الطاقة، وأنظمة المقاصة، تمتلك واشنطن القدرة على شلّ دول وبنوك وأفراد بضغطة زر. هذا الامتياز، الذي كان يومًا ركيزة استقرار للنظام المالي العالمي، انقلب إلى عصا غليظة لحماية تل أبيب وتحصين جرائمها.
بأوامر صريحة أو مضمَرة من أزلام دولة الاحتلال داخل أمريكا، سلّحت الولايات المتحدة العقوبات ضد دول وشعوب لا تُحصى: العراق، وإيران، وسوريا، و ليبيا ، ولبنان، واليمن، وفنزويلا، فضلًا عن طلاب وأكاديميين ومنظمات مجتمع مدني وأفراد لا علاقة لهم بالسلاح أو القتال. «جريمتهم» كانت كلمة، أو موقفًا، أو كشفًا لجرائم حرب ارتكبتها دولة الاحتلال، أو رفضًا للتواطؤ الأمريكي. والرسالة لا لبس فيها: من يتحدّى الهيمنة التي تمارسها دولة الاحتلال على القرار الأمريكي سيدفع الثمن اقتصاديًا، ومؤسسيًا، وشخصيًا.
غير أن هذا الجنون له كلفة متصاعدة. فإصرار واشنطن على لعب دور الذراع المالية لدولة الاحتلال بدأ يُقوّض الأسس التي قامت عليها هيمنتها نفسها. دول الجنوب، والاقتصادات الصاعدة، لم تعد تنتظر. تكتل «بريكس»، الذي يمثّل قرابة 40% من الاقتصاد العالمي، يتجه بثبات نحو فك الارتباط بالدولار، وتسوية التبادلات التجارية بالعملات المحلية، وبناء أنظمة دفع مستقلة. وفي آسيا وأفريقيا والشرق الأوسط، وحتى داخل أوروبا، تتكاثر الأطر البديلة الهادفة إلى تقليص التعرّض للابتزاز المالي الأمريكي.
المفارقة أن هذه الدول ليست أعداءً لواشنطن؛ فكثير منها حلفاء وشركاء تاريخيون. لكنها أدركت أن الدولار لم يعد مخزنًا آمنًا للقيمة، بل فخًا سياسيًا. فالاحتياطيات التي جُمعت عبر عقود من العمل والتجارة يمكن تجميدها أو مصادرتها بقرار رئاسي. السيادة المالية تحوّلت إلى وهم، والأصول السيادية باتت رهائن في خزائن الحكومة الأمريكية.
في هذا الواقع، لم يعد الاعتماد على الدولار حماية، بل مقامرة خطِرة. لم تعد احتياطات الدولار صمّام أمان، بل نقطة ضغط. وما كان يُسوَّق باعتباره «إدارة رشيدة للاحتياطي» انكشف بوصفه أداة ابتزاز فجّة.
حتى أقرب حلفاء الولايات المتحدة باتوا يلمّحون إلى حجم الكارثة. ففي منتدى دافوس، حذّر رئيس وزراء كندا من تمزّق النظام العالمي القائم على قواعد التبادل التجاري. وعندما قال إن «القوى المهيمنة لا تستطيع الاستمرار في وضع ثمن لعلاقاتها»، لم يكن يشير إلى بكين أو موسكو، بل كان يوجّه الاتهام مباشرة إلى واشنطن.
ترامب، كما بايدن من قبله، لا يحمي الهيمنة الاقتصادية الأمريكية؛ بل يسرّع تآكلها. فبتحويل الإقتصاد إلى سلاح، تُعجّل واشنطن نزع الإعتماد على الدولار كعملة صعبة، وتدفع العالم نحو أنظمة مالية موازية، وتُنشئ كتلًا تجارية منافسة. هكذا تُذبح «الإوزة الأمريكية التي تبيض ذهبًا» على مذبح دولة الاحتلال.
والاقتصاد ليس سوى السلاح الأول. فعندما تفشل العقوبات، تبدأ لغة الحديد والنار. وحين لا يكفي الضغط المالي، تُستدعى البوارج والطائرات. هذه ليست حروب دفاع، بل حروب تُفصَّل على قياس دولة الاحتلال، تُسوَّق بالأكاذيب، وتُموَّل بالديون، ويُدفع ثمنها من دماء الجنود الأمريكيين ومستقبل أجيال كاملة من دافعي الضرائب.
اليوم، تعود ماكينة التهديدات الصهيونية إلى الدوران من جديد، تدار عبر إعلام أمريكي مسيطر عليه صهيونيًا، وكذلك الشبكات الصهيونية داخل إدارة ترامب. نفس الصهيوني الذي كذب على الكونغرس في 12 أيلول/سبتمبر 2002 لجرّ الولايات المتحدة إلى الغرق في مستنقع العراق، يعود اليوم أكثر وقاحة، مصمّمًا على جرّ أمريكا إلى حرب جديدة - هذه المرة ضد إيران - حرب لا تخدم إلا دولة الاحتلال.

