بصمات على جدار الزمن
بصمات على جدار الزمن
Logo
الشريط الإخباري

ترامب في “غرينلاند وفنزويلا ومجلس السلام”: أنا “المخلّص الأشقر” وباني الذكاء الاصطناعي

ترامب في “غرينلاند وفنزويلا ومجلس السلام”: أنا “المخلّص الأشقر” وباني الذكاء الاصطناعي

في نظرة أولى تبدو خطوات ترامب الأخيرة كجملة من نزوات غير مرتبطة: غرينلاند، فنزويلا، مواجهات مع الاتحاد الأوروبي، ومشاركة عنيفة في الشرق الأوسط. وكله مغلق بتغريدات استفزازية وبلغة فظة. لكن إذا توقفنا للحظة ورفعنا مستوى النظر في محاولة للتذكير مثل ترامب، يتبين خط ربط واضح جداً. هذه ليست أيديولوجيا ولا دبلوماسية، وليست بالتأكيد مجاملات دولية، هذا صراع على السيطرة على مقدر واحد فيحسم القرن الـ 21: الذكاء الاصطناعي.

نبدأ بالنقطة التي تبدو هي الأضعف: غرينلاند. لماذا يهدد الرئيس الأمريكي الدنمارك، أحد الحلفاء الأكثر قدماً وراحة لواشنطن؟ دولة سمحت للولايات المتحدة بإقامة قواعد عسكرية في الجزيرة، وغضت النظر على مدى عقود واقترحت أوجه تعاون اقتصادي. الجواب البسيط، ترامب لا يثق بأحد. أما الجواب الأعمق فهو جيوسياسي.

ذوبان القطبين يفتح مسارات إبحار جديدة في الشمال، مسارات تقصر الطريق بين آسيا وأوروبا. ومن يسيطر عليها يسيطر على قسم مهم من التجارة العالمية. ترامب مقتنع، وليس بلا سبب، بأن روسيا والصين باتتا هناك. الدنمارك، من ناحيته، ببساطة غير قادر على الدفاع عن المصالح الأمريكية. عندما يسخر من قدرة غرينلاند في الدفاع ويتحدث عن زلاجتي كلاب للدفاع عن الجزيرة، فإنه لا يمزح. بل يطلق إشارة.

لكن هنا تأتي المرحلة التي تشرح سبب عدم اكتفاء ترامب بالتهديدات. فحسب تقرير “رويترز”، تنظر الإدارة الأمريكية في عرض لدفع لكل من الـ 56 ألفاً من سكان غرينلاند مبلغ نحو 100 ألف دولار كحافز للانتقال إلى الرعاية الأمريكية. ليس احتلالاً عسكرياً بل شراء سياسي. ترامب لا يحاول إقناع كوبنهاغن، هو يقفز عنها مباشرة إلى السكان المحليين، بالمنطق إياه لصفقة تاجر عقارات. المال الأن، أمن أمريكي، ولاحقاً التاريخ.

غرينلاند ليست مسارات إبحار فحسب، بل ثروة معادن نادرة، التي هي عنصر حرج في إنتاج الشرائح الذكية، ومراكز الخدمات الإلكترونية وشبكات الحوسبة المتطورة. وبدون هذه المعادن لا وجود للذكاء الاصطناعي، وترامب يريد أن يذكره التاريخ بأنه الرئيس الذي عقد صفقة عقارات جيوسياسية بحجم شراء ألاسكا. في 1867 اشترت الولايات المتحدة تحت رئاسة الرئيس جونسون، ألاسكا من روسيا بنحو 7.2 مليون دولار. سنتان تقريباً للدونم. يبدو هذا اليوم فعلاً عبقرياً. ترامب يريد خطوة كهذه على اسمه، تذكر حتى بعد 150 سنة إلى الأمام وتنصبه في القصر الذهبي لرؤساء الولايات المتحدة.

من هنا نواصل إلى فنزويلا. مرة أخرى ظاهراً، موضوع آخر تماماً: اعتقال مادورو بدعوى تجارة المخدرات. عملياً، يدور الحديث عن النفط، الكثير من النفط. لفنزويلا نحو 303 مليار برميل مثبت. نحو 17 في المئة من الاحتياطات العالمية. اليوم نحو 90 في المئة من النفط الفنزويلي مرهون فعلياً للصين كجزء من تسديد ديون. ترامب يريد قطع هذا الارتباط، ويعيد هذا النفط إلى أياد أمريكية.

وهنا بات هذا مشوقاً حقاً. إذا أضفنا إلى ذلك إمكانية مستقبلية لسيطرة أمريكية على النفط الإيراني، نحو 12 في المئة من الاحتياطات العالمية، فإن الولايات المتحدة تقترب من وضع تسيطر فيه بالفعل سيطرة مباشرة أو غير مباشرة على نحو 35 في المئة من النفط في العالم. هذا لا يحطم أوبك فقط، بل يمنح الولايات المتحدة سلاحاً استراتيجياً هائلاً في سباق الطاقة. من ناحية ترامب، الشعب الإيراني ضرر جانبي في المسرح الذي يدخله النظام. يتطلع ترامب ليكون النقيض للرئيس كارتر الذي سجلت على اسمه ثورة آية الله ونقيض أوباما الذي سيخط في الذاكرة عبر اتفاقات النووي. يتطلع ترامب لأن يذكر بأنه هو من أسقط النظام وتسلم الغنيمة في شكل صندوق النفط.

ولماذا الطاقة هامة بهذا القدر؟ لأن الذكاء الاصطناعي لا يركض على أيديولوجيا، بل على كهرباء. والكثير منه. تستمد مراكز المعطيات الطاقة بوتيرة تستصعب دول كاملة الإيفاء بها. مدير عام “انفيديا” بدأ يحذر الآن بأن فوارق البنى التحتية قد تحسم ميزان القوى بين الولايات المتحدة والصين. بدون طاقة رخيصة وافرة ومستقرة سيعلق السباق إلى الذكاء الاصطناعي. يفهم ترامب هذا عبر منطقه البسيط: من يتحكم بالطاقة، يتحكم بالوتيرة.

وهذا يشرح أيضاً دافعه للانتقال إلى المرحلة التالية في إقامة مجلس السلام في غزة، الذي هو بحد ذاته سحق لمؤسسة الأمم المتحدة. لدى ترامب خيط مزدوج يمر في كل خطوة: جائزة وهدف. من جهة التمنيات بالدخول إلى صفحات التاريخ ويفضل مع جائزة نوبل للسلام، من جهة أخرى، استخدام السلام نفسه كأداة عمل في الصراع الأكبر حيال الصين، وأساساً في السباق على الذكاء الاصطناعي. في نظره، الأمران لا يتضاربان، بل يكمل أحدهما الآخر. يريد أن يبدو كمن أنهى نزاعاً يعود إلى 3 آلاف سنة بين ابني إبراهيم، إسماعيل واسحق – لا لأنه بالضرورة رجل المصالحة، بل لأن إنجاز يمكن تأطيره كمتعذر إلى أن انتظر العالم وصول “الزعيم الأشقر الذي نجح في حل مشكلة غير قابلة للحل منذ آلاف السنين.

لكن من تحت النصوص والعناوين، فالهدف البارد هو أن التطبيع الكامل بين إسرائيل والسعودية لا يحصل إلا بعد حل في غزة؛ لتحريك الـ IMEC. الممر الذي يربط بين آسيا وأوروبا عبر الشرق الأوسط والذي يتجاوز الصين ويطرح بديلاً لمبادرة الحزام والطريق. ممر يربط الطاقة والبنى التحتية والتجارة تحت رعاية أمريكية.

عندما نربط كل النقاط تنشأ صورة واضحة. ترامب لا يعمل عشوائياً؛ بل انطلاقاً من ضغط الزمن. هو مقتنع بأن السباق على السيطرة على الذكاء الاصطناعي سيحسم في السنوات القريبة القادمة. وفي اللحظة التي تصبح فيها فوارق الحوسبة خارج وظيفية، لن يكون بعد ما يحتاج إلى الإغلاق. وعليه، فهو مستعد لدفع أثمان دبلوماسية باهظة، وتقويض تحالفات، وهز المنظومة. هذا هو المفتاح لفهمه. يرى ترامب أن المصلحة الشخصية والمصلحة الاستراتيجية لا تصطدمان، بل تتحدان. الإرث ونوبل واسمه في صفحات التاريخ، ثم الصراع البارد حيال الصين على الطاقة والبنى التحتية والذكاء الاصطناعي، هما وجهين لعملة واحدة. يمكن التحفظ على الأسلوب، ويمكن انتقاد الأثمان، لكن يصعب تجاهل المنطق. ترامب لا يحاول أن يكون محبوباً. إنما يحاول في الوقت نفسه أن ينتصر وأن يذكره الزمن أيضاً.

د. كوبر بردا

يديعوت أحرونوت 22/1/2026