يبدو أن عالم «الهيغليين الجدد» سيكون هو الرهان الصعب على إعادة تطبيق فرضية الهيمنة والقوة الثقافية، وعلى تمثيل استعادة «روح العالم»، أو «الروح المطلقة» بالتوصيف الهيغلي، إذ تستعيد معه «المركزية الغربية» خطابها المتعالي، عبر إعادة تمثيل نزعة «الأوروبة» بوصفها عنوانا عنيفا لتلك الهيمنة، وعبر تحولها إلى مفهوم فلسفي إكراهي لقوة التاريخ، ولسلطته في تمثيل «العقل الأداتي»، الذي يؤسس خطابه على الجدل الصاخب، الذي تطرحه الليبرالية الجديدة، بوصفه الإطار الذي يحمي تمثيلها الثقافي النخبوي، والضامن لعولمتها، ولسيطرتها على الثروة والسلطة والنظام والخطاب، وهو ما تستعيده الولايات المتحدة اليوم، عبر شعبويتها الرئاسية، وعبر أدلجة يمينها المحافظ، وعبر قوتها المتوحشة، حيث تتضخّم العسكرة ورأس المال والمراقبة، وحيث يتم تحويل «العالم» بالمعنى البراغماتي إلى مختبر لإعادة تأهيل ومراجعة مفاهيم العقل الليبرالي حول الدولة والحرية والعدالة والآخر.
ما يجري في فلسطين، وفي فنزويلا وفي السودان واليمن يعيدنا إلى فكرة صناعة التاريخ على الطريقة الهيغلية، حيث القوة تتقدم بوصفها روح العالم، وحيث يتم توظيف الفلسفة بوصفها أيديولوجيا، وإعادة إنتاج الهيمنة، بوصفها شراهة في السيطرة، وليس بالمعنى الغرامشوي، حيث تتحول إلى قناع مضلل لمركزية الغرب ذاته، مركزية الحصن الروماني القديم، الذي يتم تبرير وجوده بوصفه نوعا من التفوق، وفرضٍ طاغٍ لسرديات القوى، بوصفها مجالا لتسويق أفكار المتعالي والسامي، وحتى الجدل حولها يتحول إلى ممارسة في التطويع والقبول، لاسيما مع الترويج للحديث عن تاريخ آخر، يدونه الأقوياء عبر العسكرة والحرب، وعبر العولمة والليبرالية الجديدة، إذ تتحول هذه العودة إلى ذات الفكرة التي طرحها هيغل في القرن التاسع عشر، حول مركزية بروسيا والعرق الآري والدولة الصلبة.
ما يجري في العالم لا يحدث بسبب أزمة الحرية وحقوق الإنسان، أو مكافحة «الدول المارقة» ومخازن المخدرات العالمية، بل لأسباب تتعلق بإعادة توصيف الصراع، ليس بوصف التناقض والجدل، بل بوصف الترويج لفكرة القوة التي تملك الثروة الفائقة والرقابة، وصولا إلى امتلاك السلاح النووي والخوارزميات.
وعلى النحو الذي يهدد العالم بفوضى عارمة، يمكن أن تتجاوز بداهات هيغل، حتى تجعل من مفهومه عن العالم محكوما بـ»الصراع» وليس بالجدل، في سياق الحديث عن صناعة التاريخ والأمة، حيث كل شيء سيكون في السياق الذي يحكمه ذلك الصراع، بوصفه تمثيلا للقوة العالقة بـ»الروح المطلقة» أو العقل الفائق، الذي يؤسس خطابه على أساس التعالي، وعلى «الهوية المركزية» و»المعيار الأرسطي»، بوصفه المعيار المثالي للحكم والمعرفة ولصياغة مفهوم «المواطن الأثيني» حيث ذهب الفيلسوف سقراط ضحية له.
المعيار الغربي ليس بعيدا عن المعيار الأثيني، بوصفه قناعا لمعيار القوة والطاعة، وصفة للكائن القياسي الذي يريده الغرب والصهيونية، حيث لا خيار له سوى الدخول في الاحتواء، وفي تمثيل مشروع المدينة/ التوتوبيا، رغم أن المواطن العربي وفي مواقع كثيرة يعيش في دوستوبيات قاتلة، في الصومال وفلسطين وجنوب لبنان واليمن..
الهيمنة بين العسكرة والأيديولوجيا
لا تعني الهيمنة هنا سوى التذويب، فلا علاقة نقدية بينها وبين مفهوم «الكتلة التاريخية» الذي تحدث عنه غرامشي، وأن ما يحدث في سياق إجراءاتها هو التورط باصطناع ما يشبه الاغتراب الوجودي، حيث تتحول الأيديولوجيا إلى سلطة، وإلى واسطة وإلى رأس مال رمزي، وإلى رقابة صارمة في تنفيذ فكرة المعيار، والمواطن العالمي القياسي.. لقد تحولت الهيمنة وفق أطروحات الهيغليين الجدد إلى مفهوم متعالٍ، وهذا المفهوم لا يعمل إلا في سياق مركزية هذا المفهوم، وتداوله في السياسات، في تضخم ظاهرته في تمثل «المجال البورجوازي العام» على مستوى علاقته بالتعريف والتوصيف والإجراء، الذي بات يفرضه النظام العالمي الرأسمالي، وعلى مستوى تمثيله للخطاب الأيديولوجي الليبرالي بنسخته ما بعد الحداثية، حيث حديث «الديمقراطية السائلة» بتوصيف ريجمونت باومان، وحيث شرعنة العنف الثقافي والاقتصادي، وحيث تسويغ استعمال القوة السياسية والعسكرية، لغرض تأطير هذا العنف، والترويج للأفكار التي تمثل تفوقه، وتشغيل مصادره ومؤسساته ومختبراته، الفاعلة في الرقابة والعيادة والسجن والمختبر والسلطة، قبالة تشغليها في سرديات المركزية الغربية، عبر تداولية مفارقة ومتناقضة لمفاهيم موازية كالديمقراطية والسلم المدني والعدالة..
واقعية هذا التداولية لا غطاء نقديا لها، لأنها تتحول إلى وظيفة، وليس إلى خطاب، يُبرر فاعليته على شرعنة الحوار، وعلى تحويل الصراع إلى مجال للتصادم بين قوى غير متكافئة، لا تنفع معها براغماتية السياسي، والعلماني، بل إن خضوعها إلى مشروع القوة المركزية، هو ما سيعطيها فرصتها لتمثيل سياساتها الإكراهية والضاغطة في تشكيل مظاهر النظام الدولي، عبر توسيع حروبه وأسواقه الكاسدة وصراعاته الأهلية وأزماته الاقتصادية، التي تجد في أنموذج الامبراطور الهيغلي تبريرا لوجود القوة الأمريكية الصيانية، بوصفها أنموذجا موازيا متخيلا عبر دخول نابليون إلى بروسيا بعد انتصاره على دولتها القومية.
الهيغلية الجديدة هي القناع الأكثر تشوها للأمركة الجديدة، ولأطروحات رموزها الجدد، كيسنجر وفوكوياما وبريجنسكي وهينتغتون وصاموئيل برغر وغيرهم، ممن جعلوا من فكرة «نهاية التاريخ» مثالا متعاليا، للنهاية الأيديولوجية، ودخول العصر إلى «الزمن الأمريكي» بوصفه زمنا ارتبط كثيرا بسرديات تلك الهيغلية الجديدة، عبر تمثيل سياسات اليمين المحافظ، ودخول رأس المال اليهودي إلى لعبة تدوير الأسواق، وأنماط الحكم، وعبر الترويج لصياغة مفهوم «المركزية الغربية» في نظامها الرقابي، وفي تمثيلها للقوة، والتحالفات ولإدارة الصراع السياسي، خلال «الحرب الباردة»، وصولا إلى سقوط جدار برلين، وانهيار «الاتحاد السوفييتي» وانتهاء بانتصار الليبرالية الجديدة.
ما يحدث في العالم وسط تغول الأمركة، يعكس «أزمة النهايات» وأزمة اغتراب الإنسان ما بعد الحداثي، حيث باتت إدارة الصراع أكثر تماهيا مع «انفجار الهويات، وأزمة النموذج الليبرالي»، كما يقول السيد ولد أباه، ومع بدء تاريخ ضدي، الذي تصنعه «قوى غامضة» عبر المختبر والشركة والمعسكر، وهي علامات تُجسّد «إرادة القوة والغرائز الاستعلائية المغامرة»، فظاهرة «الوباء/ كوفيد 19 أنموذجا، وخطاب التهديد بالغزو، وصناعة العدو، والهوية المتعالية، والإيهام بالسعادة الاستهلاكية، برزت وكأنها أساليب في صياغة «النظام العالمي الجديد» النظام الذي تحكمه «أخلاق الرئيس وليس القانون الدولي»، كما قال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
الطاقة وحرب الجغرافيا
صعود الأنموذج الروسي البوتيني قوّض كثيرا من سردية النهايات الهيغلية، ففتح الباب على حرب معقدة تخص الجغرافيا والطاقة، مثلما تخص «أزمة الرأسمالية وتمرد الشعبوية»، كما يسميها الكسندر دوغين، إذ وجد في صعود الرأسمالية المُفرط، وإرادة القوة والغرائز الاستعلائية المغامرة، علامة على انهيار أنموذجها الإمبراطوري، وأن الرهان على إعادة صياغة الصراع بوصفه مجالا جيوبوليتكيا سيكون أكثر تهديدا للنمط الغربي، الذي لا يتحمل حربا طويلة في الجغرافيا، وفي الطاقة، وأن الاندفاع إلى السيطرة على الجغرافيا، والممرات المائية/ جزيرة القرم مثلا، سيضع «المخيال التاريخي» إزاء إعادة إنتاج أسطورة الحصن الإغريقي القديم، بمواجهة السلطة المفتوحة للمختبر والمعسكر والأيديولوجيا، بوصفها تمثلات لـ»المراقبة والعقاب»، التي ما زال الغرب يعمد إلى تكريسها كمثال للقوة، ولفكرة «المركزية الغربية».
التسويغ الأيديولوجي للحرب بين روسيا وأوكرانيا ليس بريئا، فقد تحول إلى خيار غربي لتحطيم سردية المفارقة في «الأنموذج الروسي»، من خلال توريطها في حرب استنزاف مفتوحة، تهدف إلى تقويض مجالها الجغرافي، وسلطتها في المعسكر/ السلاح الفائق، وفي سوق الطاقة، وباتجاهٍ تتقوّض معه الخيارات الأيديولوجية للقطبية السياسية، وتجديد مفهوم تمثيل النظام العالمي، عبر الشراكة في السيطرة على أسواقه وممراته المائية.
الأهمية الاستراتيجية للمعرفة في الجغرافيا السياسية، تعني نزوعا لتمثيل تاريخ مضاد، حيث السيطرة على الماء، تتحول إلى خيار لصناعة القلعة، وهي رهان على تمثيل مفهوم القوة، بما فيها قوة السوق والسياسة، ومن منطلق فلسفة دوغين وأفكاره التي جسدها في «نظريته السياسية الرابعة»، القائمة على «نقد المشروع الحداثي الغربي» و»نقد المشروع الليبرالي الاحتكاري»، فضلا عن نقد المركزيات الكبرى. فلسفة النقد عند دوغين تحمل معها هاجسا، وقلقا عن التاريخ، وعن علاقته بالجغرافيا السياسية، وبالأنموذج المتخيل لـ»الاتحاد الأوراسي» إذ سيكون تاريخ المكان هو ذاته تاريخ الأمة، وربما سيكون التاريخ المضاد لأطروحات الهيغليين الجدد الذين ربطوا هذا التاريخ بالأيديولوجيا، في الوقت الذي ربط فيه دوغين التاريخ بالجغرافيا.
موقع طيور البارد الالكتروني
مجموعة مهتمة بالشأن الفلسطيني تعنى برفع سوية المجتمع والعمل التطوعي. توسعت أنشطة عملها مع اللاجئين و المجتمع الفلسطيني في كل العالم لجمع الشتات
