“يا بيبي، إذا كان ثمة شيء ما أعرف عمله فهو الصفقات. هذا ما عملته طوال حياتي!”. هذا القول سمعه نتنياهو من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أثناء المحادثات في موضوع البرنامج النووي الإيراني. فقد كان الرئيس الأمريكي مقتنعاً بقدرته على الوصول مع القيادة الإيرانية إلى اتفاق نووي جديد أكثر نجاحاً من سابقه. كان لإسرائيل شكوك. علمتها تجربة الماضي بأن الاتفاق الوحيد الذي تستعد إيران للتوقيع عليه هو ذاك الذي لا يحبط سعيها إلى سلاح نووي. وكل محاولة لفرض تنازل طوعي عليها عن القدرات الهامة التي جمعتها حتى الآن في الطريق إلى القنبلة ستصطدم بطريقة مفاوضات طورها الإيرانيون إلى مستوى الخبرة العليا: تسويف دائم دون أي جدوى. بخلاف رؤساء سبقوا ترامب، مهما كان من متفائل، فهو لا يعاني من وهم ذاتي. فقد أعطى أولوية للدبلوماسية لكنه حدد لها حدوداً. فقد طرح ترامب على خامنئي إنذاراً لا لبس فيه: المفاوضات التي الطريق المفضل لكلينا، لكن أمامنا 60 يوماً للوصول إلى اتفاق. ليس أكثر. شهران عقيمان مرا، وفي اليوم الـ 61 انطلقت حملة “الأسد الصاعد”. يمكن التقدير بأن الولايات المتحدة لم تفاجأ ولم تتحفظ ولاحقاً انضمت إلى المعركة. قبل نحو 30 سنة نشر ترامب، الذي كان في حينه صاحب عقارات غني، كتاباً شائعاً وصف فيه فن المفاوضات الذي أدى إلى نجاعه التجاري. غير أن هوة عميقة تفصل بين مفاوضات تجارية ومفاوضات تجريها دولة عقلانية مع نظام أصولي طاغية. غاية الأول هي رفع الربح المالي إلى الحد الأقصى، الهدف الذي يمكن للطرفين أن يحققاه من خلال تقدير عاقل للحسابات والمعطيات والسيناريوهات العقلانية. ملايين الصفقات توقع في العالم الاقتصادي كل يوم بيومه، بفضل حقيقة أن المفاوضين يتمكنون من العثور على نقطة التوازن الأفضل بين مصالحهم. لكن في ساحة المفاوضات السياسية حين يكون أحد الطرفين لاعباً متزمتاً وطاغية، فالعوامل التي تصمم نتائجها تختلف تماماً. فمصير الحوار ستمليه عناصر مؤثرة تتواجد بقدر أقل تسيداً في العالم التجاري: التزام أيديولوجي، إيمان ديني، إرث تاريخي، اعتبارات سياسية، كرامة وطنية. لقد تعرض ترامب لهذا الواقع منذ ولايته الأولى حين لم تؤد جهوده الخاصة لتحقيق توافقات مع زعيم كوريا الشمالية كيم يونغ أون إلى الاختراق المنشود. وفي ولايته الحالية أيضاً شهد خيبات أمل، ليس كنتيجة للموقف العنيد من الزعيم الإيراني الأعلى فحسب، بل أيضاً في موضوع مبادرته لإنهاء الحرب في أوكرانيا. والآن تصل الولايات المتحدة مرة أخرى إلى مفترق طرق في الموضوع الإيراني. إن استعداد البيت الأبيض لاستئناف المفاوضات الآن مع إيران فقد يتبين أنه خطأ استراتيجي متسرع. لا يوجد حبل نجاة ناجع أكثر للنظام الشيعي المتزمت الذي يشعر بالأرض تهتز تحت أقدامه. لا توجد ضربة أقسى للجماهير المحتجة الشجاعة الذين نالوا في أسابيع قليلة بثمن أنهاراً من الدم زخماً تاريخياً في صراع طويل السنين للحرية. من الصعب تصديق أن الرئيس الأمريكي ليس واعياً لذلك، ولهذا فالأنباء عن فتح فوري للمفاوضات بين الدولتين كانت سابقة لأوانها جداً. ماذا ينبغي للولايات المتحدة أن تفعله الآن؟ يبدو الرئيس ترامب مصمماً على أن ينفذ التزامه العلني لإنقاذ الشعب الإيراني. لهذا الغرض، عليه أن يأمر بحشد قوة مناسبة لمنطقة الخليج الفارسي تسمح للقيادة الوسطى الأمريكية بجمع قدرة عمل ميدانية في المجال الهجومي والمجال الدفاع، في الساحتين البحرية الجوية. قبل أمر المعركة، فإنه حتى قوة عظمى عالمية تحتاج إلى إعداد دقيق وحشد أقصى لقدرات الدفاع الجوي، الاتصالات، الاستخبارات، الصحة، الذخيرة، اللوجستيات ومنظومات القيادة والتحكم. يمكن التقدير بأن الولايات المتحدة استعدت على مدى أسابيع لهجوم دقائق قليلة نفذها طيارو B2 على ثلاثة مواقع النووي الإيراني في حزيران الماضي. خطوة عسكرية أمريكية أخرى، وإن كان من غير المعقول أن تتضمن مهام برية مثل الاجتياح الليلي في فنزويلا، ستكون معقدة وواسعة أكثر. لذا، فإن الاستعدادات التي تضمن نجاحها يجب أن تكون جذرية. هل ستؤدي عملية أمريكية إلى إسقاط النظام؟ تقديري، ليس بوسع هجوم عسكري أن يسقط النظام. الجيش الإيراني يعد أكثر من نصف مليون جندي نظامي وعدد مشابه من جنود الاحتياط. يخدم في الحرس الثوري نحو 200 ألف مسلح ومدرب. قوات حفظ النظام التي تسمى “الباسيج” تعد أكثر من مليون شخص. هذه حجوم ستنجح في امتصاص ضربة جوية، مهما كانت واسعة ولن تتناثر في أعقابها في كل صوب. إذا ما أصيب قادة في هذه المنظومات، فسيعني بدائل لهم منذ الآن. الأمر صحيح أيضاً بالنسبة لضرب شخصيات مركزية في قيادة النظام. ففي إيران مخزون واسع النطاق من رجال الدين المتزمتين والمسؤولين في الحاضر وفي الماضي في الحرس الثوري، ممن هم ملتزمون بفكر النظام الأيديولوجي وسيخلفون القيادة الحالية إذا ما أصيبت. إصابة كهذه لا بد أنها تسحق صورة القوة للنظام، لكن مشكوك أن تتضرر قدرته على أداء بمدى حرج. حتى في اليوم التالي للهجوم، ستتبقى قوة مضادة مسلحة ومنظمة جاهزة في إيران لاستغلال الهزة والاستيلاء على الحكم. ما المنفعة إذاً من خطوة عسكرية أمريكية؟ المساهمة الفورية معنوية. قوى الاحتجاج ستحظى بريح إسناد غير مسبوق. ولأنهم لم يعودوا وحدهم وأن العالم الحر لن يتخلى عنهم هذه المرة وأن لهم -لأول مرة في تاريخ إيران- شركاء أقوياء في الساحة الدولية كفيلة بأن يكون لها تأثير حاسم على دوافعهم لمواصلة الصراع رغم الثمن الذي يدفعه هم وعائلاتهم. لتواصل الاحتجاج واتساعه أهمية عليا: كي ينهار النظام بالفعل في نهاية الأمر، فالمطلوب إيمان شخصيات مركزية في أجهزة الأمن المختلفة، وأساسا في الجيش الذي يشكل جزءاً مخلصاً من الجمهور الإيراني بأن بديل حكم الشيوخ لم يعد خيالياً. إن إثبات طول نفس، والاستعداد التضحية، وبلورة قيادة لقوى الاحتجاج، ستعظم احتمال اختيار مراكز ثقل في أجهزة الحكم والوقوف إلى جانب الجماهير في اللحظات الحاسمة. كيف ينبغي لإسرائيل أن تعمل في هذه الفترة؟ الحرص على لجم لفظي هو السياسة الصحيحة. لا ينبغي الانحراف عنها حتى عندما يتعاظم إغراء التعبير. واضح أنه لا ينبغي التنكر لصرخة الشعب الإيراني المتطلع إلى الحرية. لكن كل قول زائد من جهة رسمية سيشكل أداة لدى النظام لتشويه سمعة المتظاهرين وطهارة نواياهم. بالطبع، إذا ما أطلقت إيران الصواريخ نحو إسرائيل سواء عقب هجوم أمريكي أم كخطوة مبكرة، فعلينا أن نرد بقوة واسعة. هذا بالتأكيد تطور لا يمكن الاستخفاف به. أنا مقتنع بأن المسؤولين عن ذلك يستعدون سواء في كل ما يتعلق بالدفاع عن الجبهة الداخلية أم في المستوى الهجوم. لكن ما دامت إسرائيل تقف في مقدمة المواجهة، فخيراً تفعل إذا ما انتظرت الأحداث ولم تشجعها.
..تساحبي هنغبي
يديعوت أحرونوت 16/1/2026
