بصمات على جدار الزمن
بصمات على جدار الزمن
Logo
الشريط الإخباري

شركات الجيش المصري و الصندوق ...لعبة الخطوط الحمراء تتكشف أمام صندوق النقد الدولي.

شركات الجيش المصري و الصندوق ...لعبة الخطوط الحمراء تتكشف أمام صندوق النقد الدولي.

شركات الجيش و الصندوق ...لعبة الخطوط الحمراء تتكشف أمام صندوق النقد الدولي. 
 
بقلم /مصطفى نصار 
 
تباطؤ اقتصاد الحرب في مصر :رأفة بالفقراء أم شراء وقت لحماية شركات الجيش.
 
تفاجأ الجميع بإعلان الدكتور مصطفى مدبولي يوم الثلاثاء الماضي بنبرة عدول و رجوع عن سياسات برنامج الإصلاح الاقتصادي  التي أبرمت مع صندوق النقد الدولي ، بتوجهيات من رئيس الجمهورية، و تأتي هذه التصريحات عقب تصريحات للسيسي بأنه يجب مراجعة الإصلاحات الاقتصادية مع الصندوق . و الأغرب أنها أتت فقط عقب يومين بالتحديد يوم الأحد ٢٠ أكتوبر من ارتفاع أسعار البنزين للمرة الثالثة على التوازي خلال عام بمعدل ارتفاع نص شهري أو ربع سنوي .
 
 
و ليس هناك أدنى بأس في تبديل البرنامج بآخر أو إجراء تعديلات عليه ، لكن في أفضل الأحوال هذا لم يحدث لعدة أسباب منها السياسات المالية و الاقتصادية الكارثية التي لا تراعي إلا المركب الصلب في تلك المعادلة ، و هما الجيش و شركاته ، و إلا لِمَ لم تؤجل الزيادة الأخيرة لأسعار البنزين أو تزيد المرتبات لتعويض الخسارة و خفض مستوى الاحتقان الشعبي؟ ، أو كما تساءل الاقتصادي و رئيس الوزراء في عهد مبارك زياد بهاء الدين عن إمكانية تقديم منح و مساعدات تعين الناس على العيش ، بالطبع لن يتم الإجابة على تلك الأسئلة ليس فقط لإحراجها بل كذلك لما تحتويه من تغيير نبرة الخطاب الحجاجي التي تلقي السلطة عليه فشلها و إخفاقها ، و هي أعمدة ثلاثة وفقًا للأقدم وباء كورونا،  و حرب أوكرانيا مع روسيا ، و أخيرًا حرب الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة منذ عام .
 
و لو أن تلك الأحداث الجسام قد أضرت بالعالم بعنف و زعزعة مخيفة ، فإنها كشفت بمنتهى الوضوح و المكاشفة عن هشاشة و عدم كفاءة السياسات الاقتصادية  و المالية لدرجة عدم إلحاق الضرر بمن هم في الحربين اللتان هما محور التحجج الدائم من الحكومة،  و هذه الدول هي روسيا و أوكرانيا و إسرائيل . بلغت وطأة الأزمة الاقتصادية نتيجة تلك السياسات حدة النزول تحت مرتبة دول في حالة حرب فعلية و مستمرة .
 
 
و ذلك يفسر حالة التوتر و التخبط الموجودة في السلطة السياسية  ، و خاصة بعد استقالة رئيس صندوق مصر السيادي أيمن سليمان ، و ذلك الذي اعتبره الباحث المرموق في مركز كارينجي يزيد صايغ صراع سياسي بين الجنرالات العسكريين ، بسبب الخلاف حول تخارج الجيش من الاقتصاد المصري ، الأمر الذي جعل الباحث يرى أن الفترة القادمة في حكم السيسي أصعب فترة في تاريخه حكمه .
 
و من أهم هذا الصراع و تصريحات رئيس الجمهورية و رئيس الوزراء أن برنامج صندوق النقد الدولي يتكون من ٣ أعمدة أو مراكز للضغط عليها بحسب تسمية الباحث أحمد عبد ربه ، ألا و هم الشعب و الجيش و المصالح الحكومة ، و لذا يمكن رؤية الصورة كالآتي :بيع الشركات و رفع أسعار الوقود  و الخدمات و استبدال الدعم العيني بالنقدي ، و أخيرًا شراء الوقت بالتفاوض مع الصندوق  عن طريق إرضاءه بالضغط على الشعب برفع الدعم كاملًا ، و التسارع بعملية البيع للشركات الحكومية الرابحة للشركاء الدوليين و على رأسها السعودية و الإمارات ، و قطر ، شراء الوقت لبيع شركات الجيش و التخارج من الاقتصاد المصري الذي يستحوذ عليه بنسبة من ٦٠ل٨٠% ، بامتيازات و أرباح تعيق قيام الاقتصاد بطريقة سليمة ،فضلًا عن إتيان برنامج صندوق النقد الدولي بمخرجاته و نتائجه المطلوبة ، مما يباطأ اقتصاد الحرب المطبق بالفعل في مصر من نوفمبر ٢٠١٦ إبان التعويم الأول للجنيه ، دون الجواب على السؤال الجوهري الذي يطق رؤوسنا حاليًا فيما يكمن بالفعل باحتمالية تغيير البرنامج أم إنها مناورة سيحاسب عليها الفقراء كالعادة بنهاية المطاف .
 
بين الإلغاء و التسويف ....ابحث عن السياسة بتجارب صندوق النقد الدولي. 
 
 
لابد أنك سمعت عن تجارب صندوق النقد الدولي في عدة دول الفاشلة منها و الناجحة أيضًا،  مما قد يؤدي لانتهاء دول و قيام أخرى ، و تخطى الأمر حدود التنظير حتى أصبحت معايير ثابتة تبنى عليها نظريات اقتصادية كاملة مثل الكتاب المشهور الاغتيال الاقتصادي للأمم لعالم الاقتصاد الشهير جون بيركنز .
 
لكن بعيدًا عن أي معارضة أو ممانعة أو رؤى شخصية و التي سأتطرق لها في مقال منفصل ، فإن الفيصل الحاسم للاقتصادات هي أنظمة الحكم بها،  و مدى حريتها و تعاملها مع السوق الحرة باعتبارها محرك العرض و الطلب و مجريات المشاريع العملاقة ، و هذا ما حدث بالفعل مع الاتحاد السوفيتي الذي تبخر مع تراكم الأزمات السياسية و الاقتصادية، مما جعل الاقتصاد ينهار و يتتفت حتى قال عن تلك الحقبة المؤرخ الاقتصادي الأمريكي منصور أولسون في كتابه السلطة و الرخاء . 
 
 
إن السياسة جزء لا يتجزأ من الاقتصاد حيث يمسك فيها بأكثر من جهة منها على أقل تقدير و توجه الحكم العلمي القائم على الدراسات و العلم ، و لعل هذا ما أثار الجدل في الفائزين بنوبل للاقتصاد بهذا العام ٢٠٢٤ ، حيث فاز ثلاثة باحثين دارين عجم أوغلي و جون روبنسون و فيليب جونسون  بسبب دراسة البنية الاقتصادية و الاجتماعية للفشل المزمن للأمم في عدة كتب على رأسها لماذا تفشل الأمم و السلطة و التقدم الطرحين لفكرة أن السلطة ارتباطها بالتقدم حتمي و كذلك بالتخلف و الانحطاط ، أو مثلما قال ابن خلدون قديمًا الناس على دين حكامهم .
 
و الدين كلمة معناها النهج و الطريق أو المسلك الذي يسلكه الفرد ليصل لطريق معين ، إما بالنجاح أو الرسوب . و كما أن الأفراد سلكت طرق صعبة لكنها أدت لنجاح، هناك على النقيض منها طرق كارثية مدمرة تؤدي بآخرتها لتهلكة الفرد و مماته الأكيد. 
 
فبناء على ما سبق ذكره ، رفض الدول للبرامج المطروحة للصندوق تتعامل مع نموذج تلك الدولة و قدرتها على التكيف لا أن تسلك مسلك مناهض للمجتمع و الأبعاد المشغلة للاقتصاد بوتيرة توصف بالانتحارية ، و من تلك الدول الرافضة ماليزيا حيث رفض رئيس الوزراء مهاتير محمد برنامج صندوق النقد حيث نقده بكل موضوعية معللًا العدول عنه بأنه لن يستطع مجابهة السلبيات الناتجة عنه ، و كذلك سنغافورة التي اعتمدت على تنمية العنصر البشري و خدماته .
 
و على النقيض من ذلك ، طبقت عدة دول أخرى برامج الصندوق و أحزرت تقدمًا ملحوظًا في مختلف المجالات منها أندونيسيا التي خرجت بعد ثورة ١٩٨٨ مدمرة اقتصاديًا و منهوبة  على أكمل وجه ، فلجأ عبد الرحمن حبيب آنذاك للاستدانة و الاعتمادية على صندوق النقد ليمحي بذلك آثار عائلة سوكارنو المدمرة التي تصدرت رقم ١٣ عالميًا في قائمة فوربس لأغني ٢٠ عائلة عام ٢٠٠١
 
 
و يراعي كذلك عديد من المتطلبات الأساسية و الجوهرية فيما يتعلق بالاستثمار و تشجيعه ، و كذلك الأبعاد الداعمة للطبقات الفقيرة و المتوسطة لمصالح وطنية عامة تكمن في حمايتهم ، لإن حماية تلك الطبقات حماية للمجتمع و القطر الوطني ذاته . و بالتزامن مع كل ما سبق ، يظل السؤال مطروحًا ما مصير مصر مع اتفاقيات صندوق النقد الدولي !!؟
 
المأساة التراكمية ...لعبة اللبرلة الكاملة لكل شيء!!.
 
 
 في أي وقت يسمع فيها كلمة التعويم ، أو المراجعة المنتظرة للصندوق، فإن الردود الطبيعية تتأرجح بين الخوف و التوتر و اليأس و ما يترتب عليه من توابع منضبطة أو كارثية تنم عن هلع أو انسداد أفق كامل ، لكن دون معرفة التمزق البادئ منذ أكثر من ٢٨ عام في الاقتصاد المصري،  الذي انتقل فيها الجنيه من مسابق و منافس للدولار لمدة ١١٥ عام لتابع غريق لا يفي بما يستطيع المرء شراءه ، و الأثر الأفدح من كل شيء هي تحويل الأشياء لمجرد سلع حتى يخسر الإنسان قيمته ، فيصبح أدنى شيء على الإطلاق. 


تغير المجتمع المصري كثيرًا حتى أصبح هش ضعيف خانع مقهور وسط حالة من الذهول و التراخي بحجج عديدة أهمها عجزه و ضعفه و قلة حيلته لكن ما لم يكنه في الحسبان تحوله للمجتمع الأكثر لبيرالية من الناحية الاقتصادية فقط. و كما يقول جلال أمين في كتابيه ماذا حدث للمصريين و مصر و المصريين في عهد مبارك لم يفد التحول الاجتماعي شيئا إلا انهيار جوهره ، فأصبح رخوًا وسط دولة رخوة مستكلبة نفسها فقط على أعناق المواطنين دون الحرص أو التأمل أن المواطن الفرد أساس الدولة ، و ليس العكس .

فبالمراجعة الرابعة أو بدونها تتقلص قيمة الفرد أمام نفسه ، و بالتالي أمام أطفاله ، ليدفن حيًا وسط براثن الفقر و قضبان السجن المفتوح ، لينتهي برنامج الصندوق أو يتعدل دون أن يمس المسبب للمشكلة بخدش يذكر لإن الأساس اللقمة و ليست القيمة أو المهارة التي ستحضر اللقمة ، فتمحى على إثر ذلك أي منظومة قيمية صلبة و تتراخى لتنتهي بفناء المسبب و المفعول به باضمحلال و انهيار لم يسبق له مثيل .

و يلجأ الفرد نتيجة لذاك الاضمحلال لاتخاذ إجراءات تقشفية مدمرة لتجنب آثار التضخم و يكون الخوف و الهلع من مواجهة مصير الثورة هو السائد ، لكن كما يقول الكاتب الصحفي نصر القفاص إن وجدت أسباب ثورة يناير ستحدث ، غافلًا عن تبني الخوف و اللبرالة التي تحكم بالخوف المركب من المستقبل ، و انسداد الأفق ، كما يؤكد ميشيل فوكو في كتابه مولد السياسة الحيوية ، لترسو سفنية الاقتصاد ببر مجهول وسط محيط صعب تخطيه .

فإن رجوع الدولة للحالة البدائية ، متزامنة مع نفسها و التزاماتها و متطلباتها لإنها انعكاس لتراكم مأساة تاريخية لم تبدأ في نوفمبر ٢٠١٦ ، بل ١٩٩٠ عندما فقد الإنسان و العملة قيمتها ليؤسس بذلك لقاعدة مفادها عجز و قهر يمسكه بزمامها الجهل و عدم الكفاءة المدروسة دون تغيير يذكر غير زيادة القوي قوة و الغني غنى و الفقير افتقارًا ، دائرة مفرغة يصاحبها" هلس" و تسطيح و تصادم و إفساد فقط لإبقاء الوضع الراهن واقعًا دائمًا.

و ضمانه يتضمن وقوع الضغط الدائم ، ليعمي المرء عن القضايا الكبري ، و الأزمات الجسيمة الملاصقة له بصفة أكبر و أعمق من أزماته الفردية ، فيترك كل شيء من أجل نجاة فردية لم تعد تقنعه ، و نجأة مجتمعية لا يكاد يتفق على ملامحها فردين على قهوة الحسيني في الجمالية أو قهوة بلدي في وسط البلد ، متجاهلين اشتداد وطأة الأزمة الداخلية إما لتتحول لجحيم أو طاحونة طابونية أركانها التمييز الفج و الفصل الاقتصادي و الفروق الطبقية .