واجه قانون الأحوال الشخصية للمسيحيين الذي قدمته الحكومة المصرية إلى البرلمان انتقادات واسعة، وسط مطالبات بإجراء حوار مجتمعي قبل إقراره.
دعوة لحوار مجتمعي
وشدد القس عيد صلاح، رئيس المجلس القضائي والدستوري في الكنيسة الإنجيلية، على ضرورة الحوار المجتمعي قبل إقرار القانون، وعلى أهمية الاستماع إلى الخبراء والمتضررين وعلماء الاجتماع وكافة الأطراف المعنية، حتى يتم تناول القانون من زوايا أوسع وأكثر واقعية.
وكتب على صفحته الشخصية على “فيسبوك”: “من قاموا بإعداد مشروع القانون ليسوا معصومين عن الخطأ، رغم أنهم أدوا دورهم بإخلاص”، لافتاً إلى أن المشروع أصبح الآن أمام البرلمان، وهو الجهة المختصة بالمناقشة والإقرار، ولا وصاية عليه من أي جهة.
الزواج الثاني
وأثار صلاح تساؤلات بشأن موقف مشروع القانون من رفض الكنيسة منح تصريح الزواج الثاني، مؤكداً أن القانون لم يحسم بشكل واضح ما إذا كان يحق للمتضرر الطعن على قرار الكنيسة من عدمه.
طالبت المبادرة بإجراء تعديلات جوهرية على مسودة القانون، لضمان توافقه مع الحقوق الدستورية والالتزامات الدولية
وكان مشروع القانون حدد ضوابط الزواج مرة أخرى بعد الطلاق، إذ منع بشكل قاطع زواج من طلق لعلة الزنا أو غيّر ديانته أو انضم لطائفة أخرى، إلا بتصريح من الكنيسة، ما يعزز من دور المؤسسة الدينية في تنظيم هذا الملف. كما نص على اقتصار الزواج على أبناء الطائفة الواحدة، في محاولة للحفاظ على الخصوصية العقائدية لكل كنيسة، ومنع النزاعات التي قد تنشأ عن اختلاف المذاهب.
وتساءل صلاح: هل يُعد قرار الكنيسة هنا قرارًا إداريًا يجوز الطعن فيه أمام القضاء؟ وماذا لو ألزمت المحكمة، الكنيسة بإتمام الزواج الثاني؟ وإذا كان الطعن غير جائز، فهل يُعد ذلك تحصينًا غير مباشر لقرار الكنيسة؟ مشددًا على أن الزواج حق إنساني أصيل لا يجوز منعه، حتى وإن كان القانون ينظم إجراءاته وضوابطه.
كذلك طالبت “المبادرة المصرية للحقوق الشخصية” بضرورة فتح حوار مجتمعي علني وشفاف حول مشروع القانون، قبل إقراره من البرلمان، داعيةً إلى إجراء تعديلات جوهرية على المسودة، لضمان توافقه مع الحقوق الدستورية والالتزامات الدولية.
أهلية منقوصة
وانتقدت المبادرة في تقرير حديث لها بعنوان “أهلية منقوصة حول أول مشروع للأحوال الشخصية للمسيحيين”، السرية التي أحاطت لجان صياغة قوانين الأحوال الشخصية، واعتبرت أن الطريقة التي تعاملت بها الحكومة مع التوجيهات الرئاسية الأخيرة بسرعة إصدار القوانين، رغم بطء مناقشات إعداد مشروع القانون التي استمرت ما يزيد على خمس سنوات، تثير مخاوف جدية من سرعة إقرار البرلمان للقانون دون إتاحة فرصة لمناقشة حقيقية، سواء أكان تنفيذًا للتوجيهات الرئاسية أم خشية مناقشة شأن تعتبره الحكومة والكنيسة مثيرًا للحساسية أو الجدل الديني.
غياب “الحوار المجتمعي” كان سمة أساسية في عملية إعداد مشروع القانون
وأكدت أن هذا النهج السري ليس سمةً جديدةً للجان صياغة مشروع القانون، فبعدما سلّم ممثلو الكنائس الأرثوذكسية والكاثوليكية والإنجيلية مسودة المشروع إلى وزارة العدل في 15 أكتوبر/ تشرين الأول 2020، أعلنت الأخيرة في عدة بيانات مقتضبة عن تنظيم ثماني جلسات للحوار المجتمعي بين ممثلي الكنائس، للاستماع إلى وجهات نظرهم بهدف الوصول إلى رؤية قانونية توافقية.
ولفتت إلى أن غياب المجتمع عن “الحوار المجتمعي” كان سمة أساسية في عملية إعداد مشروع القانون، إذ غاب أصحاب المصلحة الرئيسيون عن أي نقاش أو تفاوض وحُرموا من مجرد إبداء الرأي. وحتى في الجلسات التي نظمتها وزارة العدل مع اللجنة المكوّنة من ممثلين عن الكنائس الستة، والتي توافقت على مسودة نهائية غير معلنة تم التوقيع عليها في ديسمبر/ كانون الأول 2024، حضر ممثلون عن المخابرات العامة ووزارة الداخلية وهيئة الرقابة الإدارية، وغاب الناس.
وأكدت المبادرة أن مشروع القانون يعاني من فجوة كبيرة بين طموحات المواطنين ونصوص قانونية “تُغلّب السلطة الدينية على الحقوق المدنية”، وأنه لم يحقق ما طمحت إليه الكنيسة نفسها بأن يكون جامعًا لجميع الطوائف المسيحية.
رغم اتفاق الطوائف الأرثوذكسية والإنجيلية على ثلاثة أسباب للتطليق، أضافت كل طائفة أسبابًا أخرى خاصة بها، ومنعته الطائفة الكاثوليكية تمامًا، وفق المبادرة التي أوضحت أن مشروع القانون أبقى على السلطات الواسعة التي كانت بالفعل بيد الكهنة والقيادات الكنسية، والتي شكلت إحدى المظالم التاريخية لعموم المسيحيين في مسائل التطليق والزواج مرة أخرى بعد التطليق.
أكدت المبادرة أن مشروع القانون يعاني من فجوة كبيرة بين طموحات المواطنين ونصوص قانونية تُغلّب السلطة الدينية على الحقوق المدنية
ولفتت إلى أن مشروع القانون ما زال يحرم كلاً من الطرف المخطئ في الزنا، ومَن غيّر دينه أو مذهبه إلى مذاهب لا تعترف بها الكنائس، من الزواج مرة أخرى، حتى لو عاد ثانيةً للمسيحية أو لمذهبه الأصلي، وذلك بالنسبة للأقباط الأرثوذكس والأقباط الإنجيليين، رغم فتح الباب أمام إمكانية رجوعه للشخص الذي طُلق منه.
وشددت على أن الحرمان من الزواج يظل عقوبة أبدية تخالف المبادئ الدينية والحقوقية والقانونية كافة. وتبنت المبادرة مقترحًا يضمن أحقية طرفي دعاوى التطليق أو البطلان أو الانحلال المدني للزواج، في الزواج مرة أخرى بقوة القانون دون الحاجة إلى الحصول على تصريح من القيادات الدينية، مع الاكتفاء بإخطار الكنيسة بالحكم كما في حالة الأرمن الأرثوذكس.
وفي حال إصرار الكنائس المصرية والمؤسسات التشريعية على احتكار الكنيسة لهذا الحق، شددت المبادرة على ضرورة أن ينظم مشروع القانون آلية الطعن أمام المحاكم في القرارات الصادرة عن الكنائس المختلفة بمنح أو حجب حق التزوج مرة أخرى لهذه الفئة.
بعض المكتسبات
لم تخف المبادرة أن مشروع القانون تضمن بعض المكتسبات، أهمها ضمان المساواة في الميراث بين النساء والرجال، والاحتكام للقواعد المسيحية في تعيين الورثة، وهو المطلب الذي ناضلت لأجله الكثير من النساء المسيحيات في العقد الأخير.
لكن المبادرة علقت على النص الخاص بحظر عقد الخِطبة إلا بعد تقديم شهادة خلو الموانع التي تحتكر الكنيسة إصدارها للراغبين في الزواج.
وأكدت أن تلك الشهادة تعطي سلطة واسعة للكهنة المنوط بهم إجراء عقود الزواج، خاصة في وضع الكنيسة القبطية الأرثوذكسية التي لا تقتصر فيها شهادة خلو الموانع على استيفاء بعض الشروط اللازمة مثل السن وصلة القرابة أو النسب والحالة الاجتماعية للشخص، بل تشمل بيانات عدة يملؤها الكاهن، منها مدى مواظبته على التناول والاعتراف.
وتبنت المبادرة مقترحاً يتضمن التعامل مع شهادة خلو الموانع باعتبارها مجرد إجراء إداري، لتقتصر البيانات الواردة فيها على وجود موانع من الزواج من عدمه، مثل وجود علاقة زواج حالية لأحد الزوجين، وبيان صلة القرابة أو النسب، مشددة على ضرورة أن يُحذف منها أي بيانات غير ذي صلة بتلك الشروط كالبيانات المرتبطة بتقييم الحياة الروحية للراغب في الزواج ومدى المواظبة على الطقوس الكنسية.
وفيما يخص الطلاق، انتقدت المبادرة عدم ترك مشروع القانون للراغبين في التطليق سوى اتهام الطرف الآخر بالخيانة الزوجية أو الدفع بمثليته الجنسية أو إتيان ممارسات جنسية غير تقليدية، والتي تفتح الباب للوصم الاجتماعي من ناحية، وللإدانة الكنسية من ناحية أخرى.
انتقدت المبادرة عدم ترك مشروع القانون للراغبين في التطليق سوى اتهام الطرف الآخر بالخيانة الزوجية أو الدفع بمثليته الجنسية أو إتيان ممارسات جنسية غير تقليدية
ولفتت إلى أن ربط التطليق بهذه البنود يثير التساؤل حول كيفية إثبات تحقق هذه الأسباب أمام المحاكم.
كما انتقد التقرير انتظار طرفي الزواج الراغبين في التطليق لمدة ثلاث سنوات قبل حصولهما على الإلغاء المدني للزواج، معتبراً أنها مدة طويلة جدًا، منتقداً، في الوقت نفسه، كفالة الحق في الإلغاء المدني دون تحديد كيفية تنظيم تلك السنوات، مثل مَن سيكون له الحق في الإقامة بمسكن الزوجية، أو من ستكون له حضانة الأطفال والولاية التعليمية عليهم.
واقترحت المبادرة تقصير مدة الفرقة اللازمة من أجل الحصول على حكم بالإلغاء المدني للزواج على ألا تزيد عن سنة، مع تنظيم حقوق وواجبات كلا الطرفين خلال هذه الفترة، بالإضافة إلى ضرورة تضمين العنف بجميع أشكاله كأحد أسباب الإلغاء المدني.
وقبل يومين، أحال رئيس مجلس النواب، هشام بدوي، قانوني الأحوال الشخصية للمسلمين والمسيحيين إلى اللجان النوعية في المجلس لدراستها وإعداد تقارير بشأنها.
الحكومة استعانت بخبراء
وقال مصطفى مدبولي، رئيس الوزراء، إن الحكومة اجتهدت واستعانت بخبراء في أثناء إعداد مسودة قانون الأسرة.
واعتبر في كلمته خلال المؤتمر الصحافي الأسبوعي أن النقد المجتمعي يأتي على خلفية المواد التي يراها المواطن تراعي مصلحة طرف على حساب الآخر، مؤكدًا أن الحكومة تعي أن هذه القوانين تثير الكثير من المناقشات.
الحكومة اجتهدت واستعانت بخبراء في أثناء إعداد مسودة قانون الأسرة
وأضاف أن الحكومة وجهت بتشكيل لجنة مشتركة بينها وبين مجلس النواب لصياغة قانون الأحوال الشخصية لتغطية كافة الشواغل المثارة بهذا الأمر. ولفت إلى أن الحكومة منفتحة تماماً على أي تعديلات بمشروعات قوانين الأسرة، وإلى أن الحكومة اجتهدت في وضع المسودة، لكنها منفتحة بشكل كامل على إجراء أي تعديلات، مؤكدًا أن هذا الملف ليس حكرًا على الحكومة..
تامر هنداوي
