بصمات على جدار الزمن
بصمات على جدار الزمن
Logo
الشريط الإخباري

هل يكون انسحاب الإمارات من أوبك بداية حرب نفطية جديدة تنهار فيها الأسعار إلى 20 دولارا للبرميل؟

هل يكون انسحاب الإمارات من أوبك بداية حرب نفطية جديدة تنهار فيها الأسعار إلى 20 دولارا للبرميل؟

اعتبارا من الأول من الشهر الحالي لم تعد دولة الإمارات العربية المتحدة عضوا في منظمة الدول المصدرة للبترول «أوبك»، القرار ينسحب أيضا على عضوية الإمارات في تحالف أوبك الموسع «أوبك +» الذي يضم دولا مصدرة غير أعضاء في أوبك أهمها روسيا. ولا شك أن الوزن النفطي للإمارات 11.4 في المئة من الإنتاج الكلي للمنظمة في شهر آذار/مارس الماضي، يعني خسارة للمنظمة لأنها تخسر عضوية دولة منتجة رئيسية، كما يعني خسارة أيضا للإمارات، لأنها تغادر أكبر تحالف نفطي في العالم لا يزال حتى الآن اللاعب الأقوى في السوق العالمي. وهناك مبررات تجارية واقتصادية وجيوسياسية وراء قرار الإمارات كان يمكن علاج البعض منها داخل أوبك مثل الخلاف التاريخي حول طريقين لتعظيم إيرادات النفط، طريق زيادة الأسعار مع التضحية بالحصة السوقية من خلال تخفيض العرض، وطريق زيادة الحصة السوقية مع التضحية بالأسعار، من خلال إغراق السوق بالنفط. هذا الخلاف التاريخي كان ولا يزال مصدرا للخلافات داخل أوبك، وتسبب في انسحاب دول أعضاء مثل إندونيسيا والإكوادور وأنغولا وقطر، وقد يتسبب في رحيل دول أخرى عن المنظمة، ما يزيد الأعباء على السعودية داخل أوبك، ويضعف دور المنظمة التي تعمل الولايات المتحدة والدول الصناعية الغربية على اغتيالها والتخلص منها تماما. وكان الخلاف بشأن الحصص هو المحرك المباشر لقرار الإمارات، لكنه لم يكن المحرك الوحيد، فقد كانت هناك محركات أخرى اقتصادية وجيوسياسية تشابكت مع الخلاف بشأن حصص الإنتاج، يصعب حلها داخل أوبك، لأنها تتعلق بخيارات سيادية لحكومة أبو ظبي ودولة الإمارات تتعلق بمكانتها المستقبلية ودورها الإقليمي والعالمي في مرحلة اضطراب عالمي واسع النطاق، تشهد فيها المنطقة استقطابات حادة بين تيارات مختلفة تسعى لاكتساب نفوذ رسمي وغير رسمي على مسرح الأحداث في عملية إعادة رسم خريطة القوة وبناء توازن جديد للقوى إقليميا، وإعادة رسم خطوط النفوذ الفاصلة بين الشرق والغرب، وإعادة تشكيل ملامح الدور الإسرائيلي في المنطقة من خلال تقليص دور الولايات المتحدة وإقامة تحالف إقليمي جديد تقوده إسرائيل بمشاركة قوية من دولة الإمارات والدول الأخرى المنضمة إلى اتفاقات إبراهيم واتفاقيات التطبيع الثنائية مع إسرائيل. وربما لا يبرر الخلاف التجاري قرار الانسحاب من أوبك، لكن الاعتبارات الأخرى الاقتصادية و الجيوسياسية لم تكن لتجد لنفسها حلا داخل أوبك.

كذلك فإن قرار انسحاب الإمارات من أوبك جاء متزامنا تقريبا مع قرارين آخرين لهما صلة غير مباشرة بالقرار، هما طلب عقد اتفاق مبادلة عملة مع الولايات المتحدة، ما يعزز ربط الدرهم الإماراتي بالدولار الأمريكي، وتوفير حماية دولارية للدرهم في حال حدوث تقلبات حادة في التدفقات المالية للإمارات بسبب أي تقلبات محتملة في صادراتها النفطية وغير النفطية. كما أن صفقة المبادلة توفر للدولار الأمريكي قوة من خلال ضمان إضافة التدفقات الناتجة عن تصدير النفط الإماراتي بالدولار الأمريكي في مواجهة محاولات تسوية التجارة النفطية بواسطة عملات أخرى مثل اليوان الصيني. القرار الآخر كان طلب الإمارات من بعض المتعاقدين معها بمقتضى اتفاقيات نفطية طويلة الأجل لقبول استلام حصصهم المتعاقد عليها في أماكن خارج مضيق هرمز، ما يفتح الباب للإمارات في عقد اتفاقيات مقايضة نفطية مع منتجين آخرين خارج المنطقة، منها الولايات المتحدة، في حال تعذر تصدير النفط من خلال المضيق. كما يسمح أيضا للإمارات باقتراض نفط من الولايات المتحدة واستخدامه في الوفاء بالتصدير إلى الدول المتعاقدة معها، وهو ما يعزز الطلب على النفط الأمريكي. هذه القرارات الثلاثة، الخروج والمبادلة والتسليم خارج مضيق هرمز، مترابطة بصورة مباشرة أو غير مباشرة مع السياسة النفطية والاقتصادية لحكومة أبو ظبي، جاءت في سياق زمني متصل ولها تداعيات مترابطة على السياسة النفطية وخارجها، وتشير جميعها إلى تغيير واسع النطاق في توجهات الإمارات داخل منطقة الشرق الأوسط وخارجها، وسط عملية تاريخية تجري في الشرق الأوسط منذ أواخر عام 2022 لإعادة رسم خريطة توزيع القوة الخشنة والناعمة وتوازن القوى الإقليمي الشامل في الشرق الأوسط.

شكوك تاريخية إماراتية

ولا يقتصر اضطراب العلاقات بين الإمارات والسعودية على تأثير المصالح النفطية المستقلة لحكومة أبو ظبي، وإنما يعكس أيضا مجموعة من العوامل ذات الطابع الاقتصادي والمالي والجيوسياسي، منها الرغبة في تعزيز الدور العالمي لشركة أدنوك في مواجهة دور أرامكو، خصوصا مع الاستثمارات الضخمة التي تم ضخها فيها للوصول بطاقة الإنتاج إلى 5 ملايين برميل يوميا في العام القادم، ما يساعد أبو ظبي على أن تصبح ثالث أو رابع أكبر مصدر للنفط في العالم بعد الولايات المتحدة والسعودية وروسيا. كذلك تغذي مجموعة من المحركات الجغرافية الطبيعية والبشرية الاجتماعية وغيرها، أزمة العلاقة بين الدولة الخليجية الصغيرة (الإمارات) والدولة الخليجية الأكبر (السعودية)، تشمل تأثير عقدة الحجم الاقتصادي والبشري والمساحة، وهي عقدة تاريخية منذ نشأة دولة الإمارات لا علاقة لها بأوبك ولا بالحرب على إيران. من ناحية المساحة الكلية تزيد مساحة السعودية عن الإمارات بأكثر من 27 مرة (2.5 مليون كم مربع مقابل 83.6 ألف كم مربع). ويزيد عدد السكان في السعودية (حوالي 35 مليون نسمة) بأكثر من ثلاث مرات مقارنة بعدد السكان في دولة الإمارات (11 مليون نسمة). وعلى صعيد التركيبة السكانية تُعد نسبة الوافدين في الإمارات الأعلى خليجياً، حيث تشكل حوالي 88-89 في المئة من إجمالي السكان، بينما تنخفض النسبة في السعودية لتصل إلى قرابة 41.6 في المئة. ويؤدي ارتفاع نسبة الوافدين العاملين في الإمارات إلى ظهور ملامح تباين شديد في النسيج الاجتماعي هناك (عشرة أمثال عدد المواطنين) عنه في السعودية (أقل من نصف عدد المواطنين)، مع ارتفاع نسبة الأجانب في هيكل القوة البشرية. وفي ظل هذا التفاوت الكبير تشهد الدولتان تنافسًا متزايدًا، حيث تحولت علاقتهما من تحالف داخل مجلس التعاون لدول الخليج العربية وفي داخل أوبك، إلى منافسة حادة في المجالات الاقتصادية والسياسية والاستراتيجية، لا سيما في اليمن والصومال والسودان ومصر وسوريا وفي مجالات جذب الاستثمار الأجنبي. وفي إطار هذه المنافسة الحادة تبلورت محاور للخلافات بين الدولتين بشأن اكتساب نفوذ استراتيجي لكل منهما على حساب الآخر، والسعي لاكتساب نفوذ إقليمي أكبر كميا ونوعيا، في ظل عملية إعادة تشكيل الخريطة السياسية والاقتصادية والعسكرية للشرق الأوسط. وتمثلت أهم محركات المنافسة إقليميا في الصراع بين إسرائيل وإيران ومحاولة تصوير الأخيرة بأنها العدو الاستراتيجي الأول للدول العربية، وتراجع النفوذ الأمريكي لمصلحة إسرائيل خصوصا بعد فشل الولايات المتحدة في حماية الدول الخليجية من الهجمات الانتقامية الإيرانية ضد القواعد الأمريكية الموجودة في هذه الدول، وذبول محركات النزعة القومية في سياسات الدول العربية في المنطقة وعلى رأسها دول الخليج.

كذلك أدى تراجع دور مصر الذي كانت تحتمي به الإمارات من النفوذ السعودي منذ نشأتها إلى دفعها للبحث عن دول أخرى إقليمية أو مجاورة مثل إسرائيل والهند حتى تستخدمها كدرع تحتمي به في حال تحول المنافسة مع السعودية إلى نزاع أو صراع، ووصل الأمر إلى استدعاء كتيبة صواريخ إسرائيلية للمشاركة في الدفاع عن الإمارات. إن شكوك الراحل الشيخ زايد آل نهيان تجاه النوايا السعودية قديمة، وقد أورثها إلى أبنائه، وتجلت تلك الشكوك خلال أزمة الجزر الثلاث التي احتلتها إيران في تشرين الثاني/نوفمبر 1971 وسط اتهامات للسعودية بعقد صفقة خفية مع الشاه محمد رضا بهلوي. ولا يبدو أن العلاقات بين الدولتين، الإمارات والسعودية ستكون مستقرة تماما مع استمرار وتعاظم وتيرة هذه الشكوك التي أفرزت دورين منفصلين ومتنافسين تقريبا لكل منهما على مسرح الصراعات في الشرق الأوسط، في أماكن مثل ليبيا والسودان واليمن وسوريا، وكذلك التنافس الحاد بينهما من أجل الاستحواذ على قدر أكبر من النفوذ داخل دوائر صنع القرار والأعمال في مصر.

أزمة نفطية مركبة

الصدمة النفطية الحالية التي وصفها مدير منظمة الطاقة الدولية التركي فاتح بيرول بأنها أكبر وأشد صدمة طاقة في تاريخ البشرية تعود إلى عوامل متشابكة ومعقدة وليس إلى عامل واحد يتم التركيز عليه حاليا وهو إغلاق مضيق هرمز. وهناك ثلاثة عوامل رئيسية تقف وراء تلك الصدمة هي، أولا: التنافس بين استراتيجيتين داخل مجموعة «أوبك +» واحدة منهما تقدم أولوية زيادة الإيرادات عن طريق تقليل العرض ومن ثم رفع الأسعار، والثانية تسعى لتحقيق الهدف نفسه عن طريق زيادة كمية المبيعات (الحصة السوقية). الصدام بين الاستراتيجيتين زيادة الأسعار أو زيادة الحصة السوقية قديم وليس جديدا. لكن الهدف واحد. ثانيا: أزمة نقص العرض بسبب حصار مضيق هرمز، وإصرار الولايات المتحدة على الربط بين فتح المضيق والتوصل إلى اتفاق بشأن البرنامج النووي الإيراني يحرمها من امتلاك تقنيات إنتاج سلاح نووي. وتعتقد الإمارات أنها بقرار الإنسحاب توجه ضربة إلى إيران، حيث أن زيادة الإنتاج الإماراتي وهو النتيجة الأكبر للانسحاب، تعني ضمنا تقليل أثر انخفاض الإمدادات عن طريق مضيق هرمز، ومن ثم تقليل أهميته كسلاح تستخدمه إيران. السعودية لا تعنيها كثيرا مسألة حصار مضيق هرمز، فهي تصدر نفطها بمستويات قريبة من السابقة لحرب إيران عن طريق البحر الأحمر، بواسطة خط أنابيب شرق – غرب إلى البحر الأحمر وآسيا، وخط سوميد عبر البحر الأحمر ومصر إلى البحر المتوسط وأوروبا والمحيط الأطلنطي.

ثالثا: ثورة الطاقة الخضراء التي تهدد عرش الوقود الإحفوري بشكل عام وترجح استراتيجيات الاستثمار في الوقود اللاكربوني والمنخفض الإنبعاثات الضارة للبيئة. على المدى المتوسط يجري تحول من الفحم والنفط إلى الغاز ومصادر الطاقة المتجددة لإنتاج الكهرباء، كما يتم تطوير تكنولوجيا إنتاج الوقود الخالي من الانبعاثات الضارة بالبيئة. ومن الملاحظ أن كلا من أرامكو السعودية وأدنوك الإماراتية هما من أكبر المستثمرين في مجالات الطاقة الخضراء، لكن أرامكو تتفوق تفوقا كبيرا في مجال القدرة على الإنفاق الاستثماري بسبب حجم الإنتاج، ثلاثة أمثال أدنوك تقريبا. ومن المرجح أن قرار الإمارات بالانسحاب من أوبك يرتبط برغبة قوية في تحقيق توسعات أكثر بسرعة أكبر لتضييق الفجوة التنافسية مع أرامكو.

ومن شأن خروج الإمارات من أوبك تخفيض أسعار النفط وليس زيادتها، وذلك نظرا لأنها ستتحررها من الالتزام بإنتاج ما يقل عن مليوني برميل من النفط يوميا في حين أن طاقتها الإنتاجية تقترب من 5 ملايين. ومن ثم فإن التطورات الحالية في سوق النفط وارتفاع الأسعار إلى أعلى مستوى في 4 سنوات هو مفعول التقلبات الحالية في الحرب الإسرائيلية-الأمريكية على إيران، والعقوبات على النفط والغاز الروسي، ولا علاقة له بانسحاب الإمارات من أوبك. كل ما فعله خروج الإمارات من أوبك حتى الآن هو زيادة حالة عدم اليقين في السوق، لكن النظرة المستقبلية القريبة تتضمن زيادة المعروض النفطي في السوق، ما يضغط على الأسعار إلى أسفل. في هذه الحالة يمكن أن يتكرر سيناريو عام 2014 للحرب في سوق النفط بين السعودية وروسيا، إذ ستلعب الإمارات الدور الذي لعبته روسيا في زيادة الإنتاج في ذلك الوقت، وقد تلعب السعودية الدور الذي لعبته أيضا بزيادة الإنتاج، ما يفتح الباب على مصراعيه لانفجار حرب نفطية ضد مجموعة «أوبك +» تشارك فيها الإمارات إلى جانب الولايات المتحدة. وليس من المستبعد في هذا السيناريو أن ينفرط عقد أوبك في حال ضغطت الولايات المتحدة على فنزويلا ودول أخرى للانسحاب من أوبك وعدم التقيد بنظام حصص الإنتاج المعمول به. الأزمة الراهنة رفعت أسعار النفط إلى أعلى مستوى منذ 4 سنوات ليصل سعر البرميل من خام القياس العالمي برنت إلى 126 دولارا. وينصرف التفكير الآن في الدول الصناعية إلى سحب كمية جديدة من الاحتياطي الاستراتيجي لتغذية المعروض العالمي بما يعادل الطلب. الولايات المتحدة التي تملك مخزونا استراتيجيا في حدود 400 مليون برميل، حسب بيانات نهاية العام الماضي، وهي تدرس سحب 92.6 مليون برميل أخرى ضمن الخطة المعلنة لسحب 172 مليون برميل من الاحتياطي الاستراتيجي لزيادة المعروض في السوق. وكانت الولايات المتحدة قد وافقت على سحب 26.03 مليون برميل من الاحتياطي الاستراتيجي لزيادة المعروض في السوق في آذار/مارس الماضي، بالتنسيق مع وكالة الطاقة الدولية لسحب 400 مليون من الاحتياطي الاستراتيجي العالمي لتغطية احتياجات الطلب في السوق. حتى 17 من الشهر الماضي بلغ مجموع ما سحبته الولايات المتحدة من الاحتياطي حوالي 126 مليون برميل. ويمكن للإمارات بعد انسحابها من أوبك أن تزيد المعروض النفطي في السوق بحوالي 2.5 مليون برميل يوميا على الأقل (بزيادة الإنتاج و السحب من المخزون الاستراتيجي) حيث أن طاقة الإنتاج الفعلية تبلغ 4.65 مليون برميل يوميا، في حين أن الإنتاج الفعلي في شهر آذار/مارس بلغ 2.16 مليون برميل يوميا، مقارنة بحوالي 3.6 مليون برميل يوميا قبل الحرب الحالية على إيران. كما تستطيع الإمارات إنتاج كميات إضافية مع استمرار التوسع في خطة استثمارات شركة أبو ظبي الوطنية للنفط (أدنوك) المعلنة في عام 2022 بقيمة 150 مليار دولار، بهدف زيادة الطاقة الإنتاجية إلى 5 ملايين برميل يومياً بحلول العام القادم.

في الوقت نفسه فإن خروج الإمارات يمنح أوبك حرية أوسع في زيادة حصص الإنتاج للدول الأعضاء بما فيها السعودية، بتوزيع حصة الإمارات (2 – 3 ملايين برميل يوميا) على الدول الأخرى. لكن مدى استفادة هذه الدول يتوقف على وجود طاقة إنتاج فائضة غير مستغلة لديها، أو قدرتها على إضافة طاقات إنتاجية جديدة في الأجل القصير. ومن المهم الإشارة هنا إلى أن تداعيات خروج الإمارات من أوبك لن تحدث خلال يوم وليلة، وإنما سوف تتحقق تدريجيا وتراكميا في الزمن القصير والمتوسط من خلال تفاعلات حية مع السوق، مدعومة بمساندة من الولايات المتحدة والدول المستهلكة للنفط في أوروبا والشرق الأقصى.

وليس من المستبعد كما ذكرنا أن تؤدي هذه التفاعلات إلى نشوب حرب نفطية جديدة في العالم تهبط بالأسعار من 120 دولارا للبرميل إلى 20 دولار فقط!


إبراهيم نوار