إذا سألنا الأصدقاء والأحباب من الجيل القديم عن مباراة القرن الماضي، ففي الغالب ستتفق الأغلبية على الملحمة الخالدة بين إيطاليا وألمانيا الغربية التي احتضنها ملعب «أزتيكا» لتحديد هوية المتأهل من أسياد الدفاع وأصحاب الماكينات المعمرة إلى المباراة النهائية لكأس العالم نسخة المكسيك 1970، وكما تابع أبناء جيلي سواء عبر الملخصات التلفزيونية التي كانت تبث في زمن الطيبين في ثمانينات وتسعينات القرن الماضي أو من خلال قراءة الكتب والأخبار الموثقة عن المباراة، كانت معركة كروية أقل ما يُقال عنها لا مثيل لها في ذاك العصر، لكن إذا سألنا أحد المشجعين الناضجين في الوقت الحالي بخصوص أجمل وأمتع مباراة شاهدها بعينيه في كرة القدم الحديثة، هنا سيبدأ الانقسام ما بين المباراة الهاربة من أفلام الإثارة التشويق في مدينة هوليوود بين ميلان وليفربول في نهائي دوري أبطال أوروبا اسطنبول 2005، وبين ما اعتبر في وسائل الإعلام العالمية وكوكب «السوشيال ميديا» بالنهائي الأعظم في تاريخ مباريات نهائي كأس العالم بين الأرجنتين وفرنسا في نسخة قطر 2022 الاستثنائية، ومباريات أخرى تكاد تعد على الأصابع، يُقال عنها انها تأتي مرة واحدة كل 10 أو 20 سنة، ومن حسن حظ من راهن على تأجيل ارتباطاته ومواعيده الشخصية غير الضرورية بما في ذلك «روتين التسوق» أو العشاء الاستثنائي مع العائلة في منتصف الأسبوع، أنه استمتع بما يمكن وصفها بضمير مستريح بمباراة العمر، أو في أضعف الاحتمالات مباراة العقد في إقصائيات الكأس ذات الأذنين، والحديث عن قمة التسعة أهداف بين حامل اللقب باريس سان جيرمان وضيفه العنيد بايرن ميونيخ التي جمعتهما على ملعب «حديقة الأمراء»، وأثبتت بشكل عملي أن المتعة البصرية داخل المستطيل الأخضر كانت وما زالت وستبقى إلى الأبد قائمة على إبداع المواهب النادرة وما يملكون من قدرة ومهارة وجودة عالية لصنع الفارق، وليست في اللوغاريذمات ومبالغة المدربين في التكتيكات الجماعية التي تكبح جماح أصحاب الحلول الفردية ومع الوقت تصيبهم بـ«العفن الكروي»، على طريقة هاجس العفن الدماغي الذي يطارد الملايين من مدمني المحتوى القصير في وسائل التواصل الاجتماعي، والسؤال الذي يراودنا نحن عشاق الفن والطرب الكروي الأصيل هو: لماذا كانت قمة أثرياء عاصمة الضوء والعملاق البافاري مختلفة عن أي مباراة في الفترة الماضية؟ ولماذا اعتبرها البعض الأفضل على الإطلاق؟ وكيف سيكون تأثيرها على قمة تكسير العظم المنتظرة بينهما على ملعب «آليانز آرينا» مساء الأربعاء المقبل؟ هذا وأكثر سنناقشه معا في موضوعنا الأسبوعي.
السلاح الفتاك
«كنا نستحق الفوز بالمباراة، لكننا كنا نستحق التعادل أيضا بل كنا نستحق الخسارة لأن هذه المباراة كانت استثنائية بالمعنى الحرفي للكلمة»، بهذه الكلمات التي لا تبدو منطقية، استهل المدرب الإسباني لويس إنريكي حديثه مع الصحافيين بعد الانتصار المظفر الذي حققه باريس سان جيرمان على حساب بايرن ميونيخ بخمسة أهداف مقابل أربعة، كيف لا والحديث عن واحدة من أكثر القمم تقلبا في التاريخ المعاصر وربما في كل العصور. مباراة كان من الممكن أن تنتهي إكلينيكيا أو تأخذ منحى آخر في أول 20 دقيقة، بعد نجاح الفريق الضيف في أخذ هدف الأسبقية عن طريق ركلة جزاء تحصل عليها الجندي المجهول في المباراة لويس دياز ونفذها بنجاح الأمير الإنكليزي هاري كاين بنجاح في شباك حامي عرين أصحاب «حديقة الأمراء» ماتفي سافونوف، وتبعها بدقائق قليلة أتيحت فرصة للسهم الفرنسي مايكل أوليسيه، ربما لو تكررت معه 10 مرات مرة أخرى من رابع المستحيلات أن يتعامل معها بهذه الطريقة السهلة التي تسببت في ضياع فرصة تقدم فريقه على حامل اللقب بهدفين نظيفين، لتتحول منذ تلك اللحظة إلى واحدة من أعظم القصص الكروية في ليالي البحث عن ود الأميرة الشقراء، بتدخل من الصفقة التي أحدثت هزة في القارة العجوز وفرنسا منذ وصولها من عاصمة الفقراء في جنوب إيطاليا، والإشارة إلى الداهية القادمة من جورجيا كفاراتسخيليا، ذاك المخلوق البشري الذي تحول فجأة وبدون سابق إنذار من جناح مهاجم من النوع الفاخر الذي يكتفي بالاستعراض وصناعة الأهداف العالمية لزملائه المهاجمين، إلى سفاح بجينات المهاجم الجلاد الذي لا تأخذه ذرة من الرحمة أو الشفقة أمام المدافعين وحراس المرمى، خاصة عندما يعطي الأمر لنفسه ببعثرة من يعترض طريقه في إحدى انطلاقاته العنترية من الجهة اليسرى، بتلك الكيفية التي افترس بها جوسيب ستانيشيتش في لقطة الهدف الأول، في ما كانت أشبه بالانطلاقة العادية التي ربما لو أتيحت لمحترفين آخرين في أعلى مستوى تنافسي في اللعبة، لما تصرفوا بالكرة بنفس الحدة والإيجابية، على الأقل كان تركيز الأغلبية سينصب على فكرة التعاون أو انتظار صعود الظهير الأيسر لوضعه في مواجهة مباشرة مع آخر مدافع بالقرب من منطقة الست ياردات، لكن ما فعله هذا الكفارا، أنه قام بتفعيل خاصية «السحر والإبداع الكروي»، بمراوغة أنا وأنت عزيزي القارئ كنا نقول عنها في دوريات المدارس ومباريات الحواري «مراوغة معلم»، وبالعامية الدارجة للمعلقين والمدربين في مصر «كلفته في نص متر»، كإشارة إلى امتلاك اللاعب لأعلى معايير الجودة وتنوع حيل المرور والمراوغة في المواجهات المباشرة مع المدافعين، ويا حبذا لو تمكن المدرب من تطويع هذا السلاح الفتاك لخدمة المنظومة الجماعية، تماما كما طغت بصمة اللوتشو لويس إنريكي على صاحبنا الجورجي، الذي بدوره أبدع في اختيار الوقت والمكان المناسبين لتحرير نفسه من الظهير الأيمن البافاري، قبل أن يُطلق سهامه في أصعب مكان على يسار الحارس الأسطوري مانويل نوير، معلنا عودة «بي إس جي» في النتيجة، وتبعه صاحب أقصر قوام في الفريقين جواو نيفيز، بتسجيل هدف التقدم الثاني بضربة رأس على طريقة فان باستن والبوبو كريستيان فييري وبرج المراقبة الألماني أوليفر بيرهوف والملك كريستيانو رونالدو وباقي رموز ماركة «الأهداف الرأسية».
كلمة السر
صحيح نعرف جميعا أن مايكل أوليسيه، سرعان ما أعاد زعيم الأندية الألمانية إلى نتيجة وأجواء المباراة بهدف بتصويبة أقل ما يُقال عنها صاروخية، لكن ألا تلاحظ عزيزي القارئ أنني أحدثك عن عودة مهيبة لباريس سان جيرمان وأمام من؟ قاهر ريال مدريد في الدور ربع النهائي والمرشح الأقوى لحمل الكأس من ملعب «بوشكاش آرينا» بالعاصمة المجرية بودابست في آخر ساعات شهر مايو/ أيار الجاري، وهذا الأمر في حد ذاته، لو توقفنا أمامه لتأكدنا أنه «حدث عظيم»، وفي رواية أخرى تحول جذري في شخصية وعقلية النادي الباريسي، ذاك الفريق الذي كان مدججا بالنجوم والأساطير وكبار المشاهير في مختلف المراكز، لكن داخل المستطيل الأخضر، كان فريقا هشا بالمعنى الحرفي للكلمة، أو كما كان يوصف على نطاق واسع في فترة ما قبل وصول العبقري الإسباني، بالفريق المزاجي الذي تتوقف نتائجه على الحالة الفنية والبدنية والمزاجية لنجومه المدللين، ولو عُدنا بالذاكر إلى جُل المباريات التي تعرض لها باريس سان جيرمان لمواقف مشابهة لبدايته الصعبة أمام كتيبة الداهية فينسنت كومباني، سيتبادر إلى الأذهان ليالي ظلماء من نوعية ريمونتادا برشلونة الشهيرة 2017، والسقوط المفزع أمام واحدة من أسوأ نسخ مانشستر يونايتد بنتيجة 1-3 في قلب «حديقة الأمراء» عام 2019، والانهيار الدرامي أمام ريال مدريد في المباراة الشهيرة بهاتريك كريم بنزيمة عام 2022 وإلخ، أما مع إنريكي، فأصبح الفريق الأكثر شراسة وعدوانية على هذا الكوكب، لتثبت الأيام والتجارب أن اللوتشو أصاب كبد الحقيقة حين قال ذات يوم إن «باريس سان جيرمان سيكون أقوى وأفضل من أي وقت مضى بعد رحيل الهداف التاريخي كيليان مبابي»، وآنذاك تسابق المؤيد قبل المنافس في التهكم على مدرب برشلونة الأسبق، لكن مع الوقت تبين أن الرجل كان يخطط لأشياء فاقت كل التوقعات، بدون مبالغة فاقت حتى أحلام الرئيس ناصر الخليفي، الذي اعترف صراحة بعد كسر عقدة الكأس ذات الأذنين، أنه لم يُصدق أن فريقه اكتسح الإنتر بخماسية غير مسبوقة في التاريخ وتوج باللقب إلا بعد أن أطلق الحكم صافرة النهاية، وحتى نفهم طبيعة الخلطة «الإنريكية» لظهور الفريق الباريسي بهذا الجبروت الكروي المخيف لعمالقة القارة قبل الأندية المتوسطة والصغيرة، دعونا نتوقف عند العنوان الرئيسي للمشروع برمته، ويكمن في الجمع بين «الهيمنة المطلقة وبين الإمعان في تحطيم معنويات المنافس»، وهذا يفسر العودة المرعبة في فترة ما بعد هدف تعادل البايرن، بداية من اللقطة الجدلية التي انتهت بحصول عثمان ديمبيلي على ركلة الجزاء التي سجل منها هدف الباريسيين الثالث قبل الذهاب إلى غرفة خلع الملابس بين الشوطين، إلى أن جاءت لحظات الانفجار في بداية الشوط الثاني، بهدف كفارا الثاني والرابع لفريقه، بمتابعة ولا أروع لعرضية الظهير الطائر أشرف حكيمي، ثم بالهدف الخامس الذي سجله ديمبيلي بتسديدة على طريقة لعبة «البلياردو» اكتفى الاخطبوط مانويل نوير بمتابعتها وهي تتهادى إلى الشباك بعد ارتطام الكرة بالقائم الأيمن، دليلا على أنه تعمد تطبيق فلسفته القاسية أمام بايرن ميونيخ، والمثير للإعجاب بحق، أنه لم يغير أفكاره أو قناعاته بعد عودة البايرن المفاجئة التي أسفرت عن هدف أوباميكانو الثالث ثم باللوحة الإبداعية التي رسمها الكولومبي لويس دياز في شباك الحارس الروسي المغلوب على أمره، إذ أنه ظل على نهجه الهجومي الكاسح، كأنه كان على قناعة تامة بأنه لو تقاعس عن تسجيل السادس وربما السابع، فحتما سيُعاقب بالخامس ومواجهة المجهول في الدقائق الأخيرة، وهو بالفعل ما كان سيحدث في الوقت المحتسب بدل من الضائع، بعد ما أنابت العارضة عن نوير في تسديدة البديل مايولو، وسبقها بلحظات فرصة للبايرن أبعدها المدافع الباريسي بأعجوبة من على خط المرمى.
اربطوا الأحزمة
لا شك أبدا، أنه لولا الجرأة الكبيرة التي لعب بها المدربان، بإطلاق العنان لأسلحتهم الفتاكة لإخراج أفضل ما لديهم على مدار 90 دقيقة على حساب التعقيدات التكتيكية، لكانت بعض التفاصيل الفنية هي ما لعبت الدور الأكبر في اشتعال القمة الفرنسية الألمانية بهذه الطريقة التي لا تتناسب مع أصحاب القلوب الضعيفة من عشاق الناديين، متمثلة في التعليمات الواضحة لأصحاب السرعات والحلول الفردية لمهاجمة المساحات الشاسعة، وهذا الأمر كان واضحا في الفوضى التي نجح دياز في خلقها في المساحات الشاغرة التي كان يتركها حكيمي خلفه في تحولات البايرن السريعة من الحالة الدفاعية إلى الهجومية، مثل لقطة الهدف الرابع ولحظة حصوله على ركلة الجزاء التي مهدت الطريق لمهرجان الأهداف هنا وهناك، والأكثر غرابة النسخة اللطيفة التي كان عليها البرتغالي نونو ميدنيش في حواراته المباشرة مع نجم العالم القادم أوليسيه، فعلى النقيض من الصورة المهيبة التي رسمها لنفسه المدافع البرتغالي بعد عروضه الجبارة أمام محمد صلاح وبوكايو ساكا في إقصائيات النسخة الماضية، بدا كالحمل الوديع كلما أجبرته الظروف على الوقوف في طريق هذا الأوليسيه، الذي بدوره كان يتفنن في تصدير كل معاني الإرهاب والذعر الكروي لكل من يفكر في اعتراض طريقه نحو المرمى، وهذه الأوركسترا البافارية في الثلث الثاني والثالث في الملعب كان يقودها لاعب قادم من زمن أساطير اللعب الجماعي الجميل، اسمه هاري كاين، تارة تجده في مركز لاعب الوسط رقم (6)، كما فعلها في نهاية الشوط الأول بظهوره على مسافة أمتار من قلبي الدفاع، ليطوع موهبته بتمرير الكرة بشكل عمودي للمنطلق كالسهم في الجهة اليمنى أوليسيه، وتارة أخرى في مركز صانع الألعاب الوهمي لعمل زيادة عددية في عملية التحضير، إلى جانب دوره الرئيسي كمهاجم ومحطة يرتكز عليها الفريق في الثلث الأخير من الملعب، وكل ما سبقه لا يعكس سوى التأثير الكبير لبصمة المدرب كومباني، الذي جاء بصفقات كانت تندرج تحت مسمى جيدة، لكنه حولها إلى مجموعة من الأفضل في أوروبا والعالم في الوقت الحالي، مثل التحول المذهل في شخصية دياز، من لاعب مهم في منظومة ليفربول، إلى جناح لا يُصدق في المواعيد الكبرى، بالأحرى واحد من القلائل الذين يُجيدون اللعب تحت الضغط ولا يتأخر في صنع الفارق عندما يحتاجه الفريق في اللحظات الصعبة، وبالمثل حول أوليسيه من موهبة ضالة في إنكلترا إلى مشروع منافس مستقبلي للامين يامال على «البالون دور»، أو في أضعف التقديرات منافسته على مستوى المتعة البصرية والحسم، كأننا نتحدث عن رهان إنريكي على صفقاته التي أثارت عواصف من الشكوك، في القلب منهم صفقة عثمان ديمبيلي، الذي جاء من برشلونة بثوب اللاعب الزجاجي وغير الملتزم سواء في التدريبات الصباحية أو حياته الاجتماعي، كشاب كان في طريقه لإدمان أصدقاء السوء، لولا أن ساقه القدر ليرتبط بزوجته المغربية، التي ساهمت في انقلاب حياته من النقيض إلى النقيض، من ذاك الشاب المستهتر الذي يُفضل الوجبات السريعة على الأطباق الصحية، والأسوأ كان يقضي جُل أوقاته في صراعه مع الإصابات، إلى اللاعب الأفضل على هذا الكوكب العام الماضي، والشيء الملفت أنه لم يفقد نفس الشغف أو الحماس حتى وقت كتابة هذه الكلمات، بدليل تتويجه بجائزة رجل المباراة الثلاثاء الماضي، ونفس الأمر بالنسبة لفيتينيا وجواو نيفيز وباقي الأسماء التي جاءت في صمت، مقارنة بالبروباغاندا التي كانت تحيط بالصفقات الرنانة في عصر الرهان الخاسر على فئة «الميغا ستارز»، لكن شتين الفارق بين تأثير الموهبة الجائعة لأكل الأخضر واليابسة وبين التأثير الاسمي للنجم الكبير أو الأسطورة الذي كان يعطي الأولوية لنفسه على حساب مصلحة الجماعة، وبالأخص أتباع نيمار الذين كانوا يتهربون من مباريات الدوري الفرنسي، ولهذا شاهدنا مباراة هجومية بامتياز من كلا الفريقين وبوتيرة مختلفة عن 99% من مباريات كرة القدم في العالم، مع أداء مذهل وروح رياضية لا تًصدق على مدار أكثر من 90 دقيقة شاملة الوقت المحتسب بدل من الضائع، وبالطبع عزيزي القارئ هو تقريبا نفس السيناريو المتوقع والمنتظر من كلا الفريقين في ملحمة «آليانز آرينا»، وذلك باعتراف نجم مباراة الذهاب، الذي تعهد في حديثه بعد اللقاء بأن رفاقه سيسافرون إلى بافاريا للعب بنفس الجرأة والشجاعة المطلقة التي كانوا عليها في ذهاب «حديقة الأمراء».
في كل الأحوال، سيكون من الجنون توقع نتيجة المباراة أو التنبؤ بأحداثها، لكن الشيء المؤكد أنها ستكون قابلة لكل الاحتمالات مع أفضلية نسبية للفريق الباريسي، والأمر لا يتعلق بأسبقية التقدم بهدف، بل للمؤشرات السابقة التي تثير مخاوف الكثير من مشجعي الفريق البافاري، متمثلة في لحظات فقدان التركيز بشكل جماعي على مستوى المدافعين، والتي تسمح للمنافسين باقتحام مربع العمليات بأقل عدد ممكن من التمريرات أو الحلول الفردية للمهاجمين، بتلك الطريقة التي تمكن خلالها فينيسيوس جونيور من كشف الثغرة الواضحة بين قلبي الدفاع والظهير الأيمن على وجه التحديد، لدرجة أن بعض الخبراء والنقاد، أشاروا بعد ملحمة إياب «آليانز آرينا» ضد ريال مدريد، أنه لو كان ثنائي الريال فينسي ومبابي في حالتهم العادية، لما خطف بطل البوندسليغا بطاقة العبور للدور نصف النهائي، فما بالك لو كان كفاراتسخيليا وديمبيلي وباركولا وباقي العصابة في أفضل حالاتهم الفنية والبدنية كما كانوا في سهرة الثلاثاء الماضي، من المؤكد سيكون السيناريو مختلفا 180 درجة عما حدث أمام فريق المدرب ألفارو أربيلوا، ولو أن هذا لا يعني بالضرورة أن هاري كاين ورفاقه سيكتفون بالصمت أو يقفون مكتوفي الأيدي، بالعكس سيتعين على ماركينيوس وحكيمي ومينديش وباقي أصحاب المهام الدفاعية الوقوف على أطراف أصابعهم لمواجهة الغارات القادمة من جهة دياز في اليسار ومن أوليسيه في الجهة اليمنى، على الأقل لتقليل هامش الخطأ بتلك الطريقة التي سمحت للبايرن بهز الشباك 4 مرات في قلب «حديقة الأمراء»، لكن بالنسبة للمشجع المحايد الذي يُمني النفس بمشاهدة سهرة أخرى بنفس الجودة والمتعة البصرية، فيحلم بتكرار نفس الأخطاء المتبادلة والدراما التي أنتجت هذا المحتوى الفاخر، أو بلغة الأرقام مباراة لم تشهد إخفاق أو تألق كلا الحارسين، والأغرب أن نسبة تسجيل كل فريق وصلت لـ4.5 هدف على مدار المباراة، وفي الأخير تمكن أحدهما من تسجيل خمسة أهداف والآخر خرج بأربعة، أي تقريبا كل فريق أضاع فرصة أو فرصة ونصف فقط، وهذا معدل يكاد يكون خياليا في عالم كرة القدم سواء في الوقت الحالي أو في العصور الوسطى والقديمة، وبالتبعية يفسر لنا ردود الأفعال الضخمة بعد القمة، والتي كانت سببا في تراجع نسبة مشاهدة ومتابعة قمة الأربعاء التي جمعت أتلتيكو مدريد بآرسنال على ملعب «واندا متروبوليتانو»، وانتهت بالتعادل الإيجابي بهدف في كل شبكة، وعلى الرغم من التوقعات التشاؤمية التي سبقت هذه المباراة، نظرا لسجل دييغو سيميوني ومايكل آرتيتا الحافل في ما يخص الأساليب الدفاعية المبالغ فيها، فقد خالفت المباراة تلك التوقعات، بمستوى جيد للغاية على مستوى الإثارة والتشويق، بداية من شجاعة المدفعجية في الدقائق الأولى التي أسفرت عن أخذ هدف الأسبقية، مرورا بعودة الهنود الحمر، نهاية بالدراما التي صاحبت قرار الحكم بالتراجع عن قراره باحتساب ركلة جزاء لإيزي في آخر ربع ساعة بعد الرجوع إلى تقنية الفيديو، ما يعطي مؤشرات بأن أمسية ملعب «الإمارات» ستكون قابلة لكل الاحتمالات مثل قمة «آليانز آرينا»، بذكريات أغلب مباريات الأتلتي المثيرة مع خصومه الإنكليز. قراءة مفيدة للجميع.

