لم تعد سياسة “قطع الرؤوس” التي اعتمدتها الولايات المتحدة وإسرائيل مؤخراً تُقرأ كأداة حاسمة في إدارة الصراعات، بل باتت، وفق دراسة تحليلية حديثة نُشرت في أكثر من موقع أميركي، عاملاً يُعقّد القرار ويُطيل أمد المواجهات بدل إنهائها.
الدراسة، التي تتناول نماذج إيران وحزب الله، تشير إلى أن هذه الاستراتيجية، القائمة على استهداف القيادات، قد تنجح في أنظمة تقوم على فرد واحد، لكنها تُنتج نتائج معاكسة في الأنظمة القائمة على بنى مؤسساتية متماسكة.
وفي هذا السياق، يبرز ما كشفه تقرير الصحافي باراك رافيد على موقع “أكسيوس”، عن منح دونالد ترامب إيران مهلة لا تتجاوز 3 إلى 5 أيام لتمديد وقف إطلاق النار وتقديم رد موحّد، كمثال حي على المأزق الحالي. فالمشكلة لم تعد في الإرادة السياسية فقط، بل في غياب جهة واحدة قادرة على اتخاذ القرار داخل طهران.
وتوضح الدراسة أن الرهان الأميركي قام على فرضية أن اغتيال القيادات سيؤدي إلى إرباك الخصم وربما انهياره. إلا أن هذه الفرضية تصطدم بطبيعة أنظمة مثل إيران، التي لا تُدار كـ”ديكتاتورية فرد”، بل كـ”ديكتاتورية مؤسسة”، حيث تتوزع السلطة بين أجهزة متعددة تضمن استمرارية النظام حتى في غياب رأسه.
هذا الواقع، كما تبيّن الدراسة، يؤدي إلى نتيجة مزدوجة: النظام لا يسقط، لكنه يصبح أكثر تعقيداً. تتعدد مراكز القرار، وتتداخل الحسابات، ما يجعل التفاوض أكثر صعوبة والحسم أقل احتمالاً.
المشهد نفسه يتكرر في لبنان. فبعد استهداف قيادات بارزة في حزب الله، لم يتفكك التنظيم، بل استمر بفضل بنيته المؤسساتية. غير أن هذا النموذج، وفق الدراسة، يخلق ديناميات داخلية جديدة، حيث قد تتحرك بعض الأجنحة بشكل مستقل، ما يفرض إيقاعاً ميدانياً يتجاوز القرار السياسي المركزي.
وتخلص الدراسة إلى أن سياسة “قطع الرؤوس” تُنتج ثلاث نتائج رئيسية في هذا النوع من الأنظمة: بقاء البنية التنظيمية، تشتت القرار، وتعقيد أي مسار تفاوضي.
وبذلك، تجد واشنطن نفسها أمام مفارقة واضحة: لم تُضعف خصومها كما كان متوقعاً، بل واجهت كيانات أكثر مرونة في البقاء، لكنها أقل قابلية للضبط أو الاحتواء.
