يشير الكاتب والمحلل السياسي توفيق شومان في حديثه لـ"ليبانون ديبايت"، إلى أن الاجواء الباكستانية عموماً أجواء مريحة، وبالتالي يعتبر الباكستانيون بأننا أمام ساعات مفصلية، وأكثر من ذلك بأن الأمور ذاهبة إلى نوع من انعقاد الجولة الثانية من المفاوضات حتى لو لم يتم التوصل إلى اتفاق نهائي، فمجرد انعقاد الجولة الثانية بالنسبة لهم أمر إيجابي ويمكن البناء عليه أكثر.
لكنه يلفت في الوقت نفسه عند ما يعتبره الباكستانيون بأن المواقف السياسية التصعيدية من الطرفين هي شكل من أشكال الضغط المتبادل إعلاميًا وسياسيًا، ولكن ما يجري خلف الكواليس مناقض أو لا يعكس تمامًا ما يُقال في العلن.
من هنا، يرى أن هذا البناء الذي يعتمده الباكستانيون يدفعهم إلى مزيد من التفاعل، وبالتالي الاستمرار بالوساطة بين طهران وواشنطن، وعلى ذلك يمكن ملاحظة بصورة أو بمستوى يقيني أن هذه المفاوضات لا تقتصر فقط على واقع الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران، وإنما هي مقدمة لترتيب نظام إقليمي جديد على المستويات المتعددة من السياسة إلى الأمن إلى الطاقة وأكثر من ذلك أيضًا.
ويتوقف عد مسألتين أصبحتا تقريبًا خارج التداول، أي إن التداول أصبح متدنيًا حولهما، وهذان العاملان هما المنظومة الصاروخية الإيرانية التي أصبحت شبه خارج التداول، وأيضًا العلاقات الإقليمية لإيران، أي حلفاء إيران وحركة المقاومة، وهذان العاملان لم يعودا في أولوية الاهتمامات الأميركية.
ويعتبر أن الأولوية لدى الولايات المتحدة الأميركية أصبحت مختصرة تقريبًا على البرنامج النووي، بغض النظر عن السياق الذي كان البحث فيه سابقًا، وعلى التفاصيل المتعلقة به، إضافة إلى العامل الثاني وهو مضيق هرمز.
وهذان العاملان، برأيه، يدفعان بنيامين نتنياهو بصورة أساسية إلى الحذر والقلق والخوف من أن تعمد الولايات المتحدة الأميركية إلى التوصل إلى اتفاق لصياغة نظام إقليمي جديد مع إيران، بدون شك لن تكون مجموعة من الدول العربية والإسلامية بعيدة عنه، مثل تركيا وباكستان والمملكة العربية السعودية وحتى مصر أيضًا.
ويوضح أن هذا يعني بالنسبة للإسرائيلي تراجع المشروع الإسرائيلي في المنطقة الذي كان يعمل عليه بنيامين نتنياهو، انطلاقًا من الحديث أحيانًا عن "إسرائيل الكبرى" وأحيانًا أخرى عن "إسرائيل العظمى"، وبالتالي أي نظام إقليمي يتم ترتيبه حكمًا يفضي إلى تراجع المشروع الإسرائيلي مقابل تقدم المشاريع الأخرى، هذه هي وجهة النظر الإسرائيلية.
أما بالنسبة للباكستانيين، وعودة إلى إسلام آباد، فيشير إلى أن ما يقوله المسؤولون الباكستانيون وما يتم تسريبه أيضًا في وسائل الإعلام الباكستانية، والتي تتم مراجعتها بشكل يومي وأحيانًا لعدة ساعات، يعكس أجواء تؤكد أن هذا المسار لن ينقطع، أي مسار التفاوض بين واشنطن وطهران، وأكثر من ذلك هم يأملون أن تؤدي باكستان دورًا تاريخيًا في التحول في العلاقات الدولية، وبالعودة الى الدور الباكستاني فما يصرح به المسؤولون في اسلام آباد وما يتم تسريبه في وسائل الاعلام الباكستانية ، تعكس أجواء بأن هذا المسار التفاوضي لن ينقطع بين ايران والولايات المتحدة الاميركية، ويأملون أن تؤدي باكستان دوراً تاريخياً في التحول في العلاقات الدولية كما فعلت سابقًا عندما شكلت باكستان أرضية تفاوضية بين الولايات المتحدة وبين الصين في عام 1972، وعلى أثرها زار رئيس الولايات المتحدة ريتشارد نيكسون العاصمة الصينية بكين في شباط 1972. هم يأملون استعادة روح تلك المبادرة وإنعاشها، لكن هذه المرة بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران.
ولا يخفي أنه باتت اليوم حظوظ الوصول إلى اتفاق أعلى من حظوظ الذهاب إلى الحرب، وإن كان لا بد من الإشارة إلى أن الجولة الثانية أن تكون الجولة الأخيرة، سواء تقدمت المفاوضات أو لم تتقدم، لكن روح الوساطة الباكستانية المتفائلة هي التي تخيم، وهي التي تنتج نوعًا من الإصرار الباكستاني على الاستمرار في النهج التفاوضي وتقريب وجهات النظر بين طهران وواشنطن.
ويبقى وفق شومان، أنه في مسألة التفاصيل التي يمكن من خلالها أن يتشكل النظام الإقليمي الجديد، وليس بالضرورة ان تكون هناك شياطين كثيرة، فرغم أن هناك نقاط الخلاف، الا أن الأجواء المسربة من طهران وواشنطن تؤكد أن الطرفين مقتنعان بالوصول إلى حل ما، ولكن الوصول إلى حل فعلي يتطلب مزيدًا من المفاوضات ومزيدًا من التوافقات، لأن الأميركيين يعتبرون أنهم وصلوا إلى الحد الأقصى من الحرب، والإيرانيين يعتبرون أيضًا أن الحرب واقعة على أرضهم، وبالتالي هناك قناعة عند الطرفين بضرورة الوصول إلى حل، لكن هذا الحل يحتاج إلى وقت وجهد، وهناك تعقيدات عديدة لا بد من النقاش حولها للوصول إلى مساحات مشتركة، وعموماً هذا ما تقوم به الوساطة الباكستانية.
