ليبانون ديبايت"-باسمة عطوي
تضرب الحرب الحالية طرفيّ المعادلة التي تقوم عليها مالية الدولة في لبنان، أي الإيرادات والنفقات مما يُضعف قدرتها على إدارة ماليتها. فالحرب تسببت بشلل إقتصادي جزئي، وهذا ما إنعكس فوراً على إيراداتها، أي إنخفاض عائدات الضرائب (TVA، جمارك، ضرائب شركات) بسبب تراجع النشاط الإقتصادي، ودخول قطاعات أساسية مثل السياحة والقطاع التجاري في حالة غيبوبة، ناهيك عن توقف الجباية في القرى والبلدات المتضررة سواء في الجنوب أو البقاع أو الضاحية الجنوبية. وكل هذه المستجدات ستُصعّب تنفيذ أي إصلاح مالي أو إتفاق مع صندوق النقد،لأن الأرقام تتغير بسرعة والقدرة على الإلتزام بالإصلاحات تصبح أضعف.
تشير المعطيات إلى خسارة يومية تُقدّر بنحو مليون دولار من الإيرادات، بفعل إنخفاض الرسوم الجمركية، وضريبة القيمة المضافة، وإيرادات الإتصالات. وساهمت القرارات الحكومية المرتبطة بتعليق مهل التسديد ومنح إعفاءات ضريبية للمتضررين في تعميق هذا التراجع. وعلى الرغم من تسجيل إرتفاع في الإيرادات العقارية، فإن هذا الإتجاه يبقى ظرفيًّا (بحسب الخبراء)، مرتبطًا بتسويات متأخرة ومخاوف من تغييرات تنظيمية، ولا يعكس تحسنًا فعليًّا في الأسس الاقتصادية.
بحسب دراسة للمركز العربي نُشرت مؤخرا بعنوان عودة العجز المزدوج، هناك إحتمال تراجع الإيرادات بشكل كبير، وقد تصل إلى نحو 50 بالمئة في 2026، يترافق ذلك مع إرتفاع الإنفاق العام نتيجة إنفاق طارئ على الإغاثة والنازحين وزيادة كلفة الصحة والطوارئ. وعندما تنخفض الإيرادات وترتفع النفقات فالنتيجة المباشرة هي عجز كبير في موازنة 2026 التي بُنيت على الإستقرار، فيتحول الوضع بسرعة من توازن أو فائض إلى عجز تُحاولالحكومة تداركه، من خلال مفاوضات يجريها وزير المالية ياسين جابر مع صندوق النقد للحصول على تمويل يصل إلى 1 مليار دولار .
تخلص دراسة المركز العربي إلى أن هذه الحرب لا تأتي مُنعزلة عن سياق الإنهيار المالي والنقدي الذي بدأ في عام 2019، بل تتقاطع معه ومع ضعف القدرات المؤسسية للإدارة العامة، ما يضاعف من آثارها على الإستقرار المالي. في هذا الإطار، تبرز مخاطر عودة ظاهرة "العجز المزدوج"، أي تزامن عجز الموازنة العامة مع استمرار العجز في الحساب الجاري، وهي سمة طالما طبعت الاقتصاد اللبناني وساهمت في إنهياره السابق.
إذا نقطة ضعف موازنة 2026،هي أنها لم تتضمن أي هامش للتعامل مع الصدمات الكبرى أو حالات الطوارئ، بل أُقرت إستنادًا إلى فرضيات تقوم على الإستقرار الأمني والنقدي، مع سعي مُعلن للحفاظ على توازن صفري بين الإيرادات والنفقات (وفقا لشروط صندوق النقد الدولي)، وتحقيق فائض أولي بنسبة 2 في المئة من الناتج المحلي. لكنها لم تتضمن أي إصلاحات بنيوية ما ساهم في إستمرار العجز في الحساب الجاري قبل الحرب، و بعد وقوعها تزايدت إحتمالات عودة العجز المزدوج (عجز الموازنة العامة مع استمرار العجز في الحساب الجاري) وهذا يعني أن الحرب الحالية تعيد إنتاج أنماط الاختلال التي سبقت الانهيار الكبير في 2019، لأنها أدت إلى تراجع حاد في الإيرادات العامة نتيجة إنكماش النشاط الإقتصادي، وتراكم التزامات غير مدرجة في الموازنة، تشمل إستحقاقات الدين الخارجي غير المسدد، أعباء الطاقة التي إرتفعت أسعارها عالميا.
شيخاني: الحرب ستضغط على السيولة بالدولار
يشرح الخبير المصرفي المحامي نيكولا شيخاني ل"ليبانون ديبايت" أن تأثير الحربعلى مالية الدولة فيقول:"من المتوقع أن تنخفض إيرادات الدولة بنسبة 50 بالمئة، مما يؤدي إلى عجز فوري في الموازنة إعتبارا من الربع الثاني من عام 2026 ، وبناء عليه، يُتوقع أن تتدهور سيولة مصرف لبنان، ما قد يفقده القدرة على إستقرار الأسواق. ويؤدي ذلك، إلى جانب إنهيار السيولة المتداولة، إلى إستنزاف متسارع الإحتياطات القابلة للإستخدام من العملات الأجنبية التي إنخفضت بالفعل بنحو 5 بالمئة منذ بداية العام(مما يحدّ بشكل كبير من قدرة المصرف المركزي على إحتواء تضخم مزدوج الرقم، وإستقرار الأسواق، ودعم سعر صرف العملة المحلي)".
يضيف:" في ما يتعلق بتأثير الحرب على السيولة تشهد التدفقات الخارجية إنهيارا حادا، فمن المُرجح أن تتراجع تحويلات دول الخليجبين 5– 8 مليارات دولار هذا العام، وتتقلّص إيرادات السياحة إلى مستويات شبه معدومة، فيما يتسارع خروج رؤوس الأموال نحو الدول الآمنة"، موضحا أنه "في المقابل، يرتفع الطلب المحلي على العملات الأجنبية بشكل هيكلي، مدفوعًا بواردات "طارئة" مرتبطة بالحرب تشمل الوقود والغذاء الإمدادات الطبية، إضافة إلى تزايد الإحتياجات التمويلية الإنسانية المرتبطة بالنزوح الواسع. وتتفاقم هذه الضغوط مع السحوبات الإحترازية للسيولة، حيث تقوم الأسر والشركات بسحب ودائعها لتأمين سيولة تشغيلية تكفي لمدة 2 إلى 3 أشهر".
ويختم:"من المرجح أن يؤدي هذا المزيج من إنهيار التدفقات وإرتفاع الطلب الداخلي، إلى إنكماش حاد في السيولة، يتجلى في تراجع كبير في الدولار النقدي المتداول، ما يؤدي إلى فجوة تمويلية في العملات الأجنبية تُقّدر بنحو 5 مليارات دولار، مع تدهور موازٍ في ميزان المدفوعات".
