بصمات على جدار الزمن
بصمات على جدار الزمن
Logo
الشريط الإخباري

الديون وسقوط الإمبراطوريات… كيف يتفكك ما هو متماسك في الولايات المتحدة؟

الديون وسقوط الإمبراطوريات… كيف يتفكك ما هو متماسك في الولايات المتحدة؟

يبدأ سقوط الإمبراطوريات وفشل الحكومات من الداخل، ثم تسهم عوامل خارجية في تعرية السقوط والفشل ليصبح ظاهرا للعالمين. هكذا كان حال الإمبراطورية الرومانية قبل سقوطها، والعثمانية قبل انهيارها، والإمبراطورية البريطانية قبل غروب شمسها. ويبدو أن الدور جاء على الإمبراطورية الأمريكية التي ورثت عن الإنكليز والفرنسيين الهيمنة على العالم، بعد أن خرجت أوروبا من الحرب غارقة في الديون والخراب. وطبقا لبيانات البنك الدولي فقد سجل الدين الحكومي في الولايات المتحدة رقما قياسيا تاريخيا إذ ارتفع إلى 38.7 تريليون دولار في شباط/فبراير. وحتى نتبين كيف تضاعفت قيمة الدين الحكومي الأمريكي نذكر أن قيمته كانت 60 مليار دولار فقط في كانون الثاني/يناير 1942! وتمثل السنوات الخمس الأخيرة واحدة من أسرع فترات توسع الدين في تاريخ الولايات المتحدة. وبدأ نمو الدين الفيدرالي خلال الفترة الأخيرة كاستجابة لأزمة «كوفيد-19»، ولكنه مدفوع الآن باختلال مالي هيكلي طويل الأجل، ونفقات دفاعية غير مسبوقة، ومستوى من الفوائد المستحقة غير مسبوق تاريخيا. وإذا استمر الحال على ما هو عليه من دون تغيير فإن المسار الحالي يشير إلى حدوث المزيد من الخلل والأزمات وليس الاستقرار. بمعنى آخر فإن الولايات المتحدة قد تكون في طريقها إلى فقدان القدرة على تمويل احتياجاتها بنفسها، ما يعني زيادة أعباء الاعتماد على الخارج، ومنها فوائد الديون وتحويلات الأرباح ورؤوس الأموال. وزادت قيمة الدين الفيدرالي في السنوات الخمس الأخيرة فقط بقيمة 11 تريليون دولار. هذه الزيادة في خمس سنوات فقط تعادل إجمالي قيمة الدين الفيدرالي للولايات المتحدة في عام 2008!

ومن المفارقات التاريخية التي قد يتوقف أمامها أساتذة السياسات المالية أن الدين الفيدرالي تخطى قيمة الناتج المحلي الإجمالي في عام 2013 في الوقت الذي بلغت فيه حيازة الصين من سندات الخزانة الأمريكية ذروتها مسجلة قيمة بلغت 1.3 تريليون دولار تقريبا، بنسبة 7.8 في المئة من إجمالي الدين الفيدرالي الأمريكي. في العام نفسه بدأت الصين تنفيذ مشروعات مبادرة «الطوق والطريق» الهادفة إلى إقامة بنية أساسية عالمية تربط الصين بالعالم وتفتح للاقتصاد الصيني آفاقا واسعة للنمو. منذ ذلك التاريخ تسارع نمو الدين الأمريكي، وانخفضت قيمة حيازة الصين من سندات الخزانة. بنهاية العام الماضي كانت الصورة مختلفة تماما عما كانت عليه قبل نحو عشر سنوات، إذ تضاءل نصيب الصين في تمويل الدين الأمريكي إلى أقل من 2 في المئة، في حين تضاعفت قيمة الدين الأمريكي. هذا التطور يعني زيادة حاجة الولايات المتحدة للأموال الأجنبية في الوقت الذي اتجهت فيه الدولة صاحبة الفائض الاقتصادي الأكبر في العالم لتقليل انكشافها على الدين الفيدرالي الأمريكي. صحيح أن دولا أخرى مثل اليابان وبريطانيا زادت حصتها في تمويل الولايات المتحدة، لكن الصين اتجهت إلى سحب ما يقرب من نصف رصيدها في تمويل الخزانة الأمريكية (48 في المئة – 620 مليار دولار) ووجهته للاستثمار في أوعية أخرى أهمها الذهب. ومن المرجح أن يقود هذا السلوك الصيني مرحلة جديدة من مراحل النظام المالي العالمي تزيد فيه حاجة الولايات المتحدة للتمويل الخارجي، وتنخفض فيه مكانة الدولار، بصعود عدد من العملات الأخرى أهمها اليورو. لكن هذا الاستنتاج لا ينبغي أن يترك انطباعا بزوال أهميته، فهو قيد يبقى العملة الدولية الأولى في العالم حتى مع تراجع حجم ونوعية الاقتصاد الأمريكي. هكذا كان الحال بالنسبة للجنيه الاسترليني الذي استمر يحتل قمة النظام النقدي العالمي حتى قبيل الحرب العالمية الثانية، رغم أن الاقتصاد الأمريكي كان هو الأكبر والأسرع نموا والأكثر كفاءة في العالم منذ نهاية القرن التاسع عشر.

تخارج صيني تدريجي

بما أن الصين لا تزال تحتفظ بجزء مهم من الاحتياطي الأجنبي للبنك المركزي (بنك الشعب الصيني) في أوعية دولارية، فليس من مصلحتها أبدا هبوط قيمة الدولار هبوطا مفاجئا قويا، لأن ذلك يعرض أرصدتها الدولارية للخطر. وقد سجلت بيانات وزارة الخزانة الأمريكية في السنوات العشر الأخيرة انخفاضا منظما في قيمة حيازة الصين من سندات الخزانة. وبعد أن كانت قد بلغت ذروة بقيمة 1.3 تريليون دولار عام 2013 فإنها هبطت بنهاية العام الماضي إلى 680 مليار دولار أي ما يقرب من نصف ما كانت عليه في ذروتها بنسبة 52.3 في المئة. ونظرا لزيادة معدلات الدين الحكومي الأمريكي بمعدلات سريعة فإن نصيب الصين من هذا الدين تراجع أيضا إلى ما يعادل 2 في المئة فقط. واستندت سياسة الصين في حيازة سندات الخزانة الأمريكية، خلال السنوات الخمس الأخيرة على عدد من القواعد الأساسية من أهمها العمل على تخفيض قيمة الحيازة بشكل مستمر. هذا يعني تجنب اتخاذ أي قرارات عشوائية أو قصيرة الأجل من شأنها أن تفسد هذه القاعدة. القاعدة الثانية هي تجنب اتخاذ أي قرار بتصفية المركز المالي للصين في قائمة حيازة الدولار أو تخفيض قيمة الحيازة بقيمة ضخمة مرة واحدة. ذلك أن مثل هذا القرار يمكن أن يتسبب في خسائر للصين نفسها. كما تتجنب السياسة المالية الصينية اتخاذ قرارات قد تبدو عدائية للولايات المتحدة و أصولها الاقتصادية والمالية، بل إنها على العكس من ذلك تحاول بناء جسور للتعاون المشترك على أسس النفع المتبادل وتعظيم المزايا التي يمكن أن يحصل عليها كل من الطرفين. ومع ذلك فإن نتائج هذه السياسة لا تخفي حقيقة أن الصين تقلل حيازتها في تمويل الحكومة الأمريكية بمقدار النصف تقريبا خلال السنوات العشر الأخيرة، وذلك في الوقت الذي تضاعفت فيه حاجة الولايات المتحدة إلى ذلك التمويل مع تفاقم عجز الميزانية، وتراكم الدين الفيدرالي الذي قفز من 70 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي قبل الأزمة المالية عام 2008 إلى ما يتراوح بين 120 – 125 في المئة في الوقت الحاضر.

وعلى العكس من الولايات المتحدة فإن الوضع المالي والاقتصادي في الصين يبدو على النقيض، بسبب انخفاض عجز الميزانية وضآلة حجم الدين الحكومي والفائض التجاري الضخم الذي تحققه الصين سنويا مع أقاليم وبلدان العالم المختلفة. ومع أن خبراء الاقتصاد الغربيين يقللون من شأن الملامح الإيجابية للسياسة المالية الصينية، بزعم أن النظام الصيني يُخفي جزءًا من ديون الحكومة المركزية في ميزانيات الحكومات المحلية والكيانات المرتبطة بالدولة. ومع ذلك، فإنه من الممكن عقد مقارنة تظهر مواضع القوة والضعف الحقيقية في اقتصاد كل من البلدين اعتمادا على البيانات الرسمية. بالنسبة للصين تشير البيانات الرسمية إلى أن إجمالي دين الحكومة المركزية للسنة المالية الأخيرة يتراوح بين 4 – 5 تريليونات دولار أمريكي، بما يعادل 25 – 30 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. ولا تتضمن هذه الأرقام ديون الحكومات المحلية الصينية. وإذا عقدنا مقارنة مع الولايات المتحدة فإن قيمة الديون الأمريكية تعادل ما يصل إلى ثمانية أمثال ديون الحكومة المركزية الصينية، في حين أن نسبتها من الناتج تعادل حوالي أربعة أمثال النسبة في الصين. وفيما يتعلق بالعجز المالي السنوي (عجز الميزانية)، فإن بيانات الحكومة المركزية الصينية تشير إلى قيمة تبلغ 3 – 4 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي مقارنة بنسبة تصل إلى 8 في المئة في الولايات المتحدة. وتعود ضخامة العجز المالي للولايات المتحدة إلى الخلل الهيكلي في بنية الاقتصاد والزيادة المستمرة في قيمة كل من الإنفاق الاجتماعي والإنفاق الحربي. لكن المحرك الأهم الأكثر تأثيرا في رفع قيمة العجز يتمثل في مدفوعات الفائدة على الدين الفيدرالي التي تقدر هذا العام بما قد يتجاوز تريليون دولار، يذهب ما يتراوح بين ربعها وثلثها إلى المستثمرين الأجانب حائزي السندات الحكومية في حين يستحوذ المقرضون المحليون للحكومة مثل بنوك الاحتياطي الفيدرالي والبنوك التجارية وشركات التمويل وصناديق الاستثمار، على ما يتراوح بين ثلاثة أرباع إلى ثلثي قيمة الفوائد التي تدفعها الحكومة الفيدرالية للدائنين. ولا شك أن وصول قيمة الفوائد على الدين إلى هذا المستوى أصبح يلعب دورا كبيرا في تحديد قيمة العجز. نحن نتكلم هنا عن فوائد تبلغ تريليون دولار من أصل عجز مالي يقدر بحوالي 2 مليار دولار. ومع زيادة الاقتراض الحكومي لتمويل مدفوعات الدين فإن الحكومة الأمريكية تفقد القدرة عاما بعد عام على تقليص العجز المالي، خصوصا مع التوسع في الإنفاق الدفاعي. في الوقت الحاضر إذا خصمنا قيمة مدفوعات الفوائد والإنفاق الحربي، فإن الميزانية الأمريكية تصل إلى وضع التوازن. لكن مدفوعات الفوائد تمثل مستحقات عن تمويل سابق، بينما النفقات الحربية تمثل استجابة لطموحات مستقبلية باستمرار الهيمنة على العالم. ومن ثم فإن الإمبراطورية التي تعتقد انها تحتكر القوة في العالم تجد نفسها في معضلة صعبة بين تكلفة الهيمنة وعدم القدرة على تمويلها.

لمن تذهب مدفوعات فوائد الدين؟

يكشف تشريح هيكل توزيع مدفوعات عوائد الدين الفيدرالي الأمريكي عن اختلاف هيكلي شديد مقارنة بالوضع في الصين، حيث أن تمويل عجز الميزانية يتم بواسطة مؤسسات حكومية أو شبه حكومية، حيث يتم تدوير مدفوعات الفوائد. في الولايات المتحدة يحصل المستثمرون الأجانب سنويا على ما يقرب من ثلث مدفوعات الفوائد بقيمة تبلغ حاليا حوالي 300 مليار دولار. هذا المبلغ يتم في أغلب الأحوال تحويله للخارج بدلا من استثماره في الداخل، ما يزيد من التأثير السلبي لزيادة عجز الميزان الجاري. بينما في الصين تحصل بنوك محلية ومؤسسات تمويل حكومية عليها حيث يعاد استثمارها داخليا، ما يسهم في زيادة معدل النمو الاقتصادي والتوسع في الاستثمارات. ولا شك في أن نمط تمويل الدين الفيدرالي الأمريكي يوفر مرونة أكبر وتعزيزا لمركز الدولار عالميا. ولا تتحمل الولايات المتحدة تكلفة إضافية لسداد أعباء الديون، على العكس من الصين في حالة ما إذا توجهت لتمويل ديون الحكومة المركزية بعملات أجنبية. وعلى الرغم من تعافي الاقتصاد الأمريكي فإن معدل الزيادة السنوية في قيمة الديون يتجاوز معدل النمو الاقتصادي، ما يضغط على الإنفاق الاستهلاكي والاستثماري إلى أسفل. كما يؤدي ذلك إلى أن يتضاعف الدين الأمريكي بمعدلات أسرع من قدرة الاقتصاد على إنتاج السلع والخدمات، مما يجعل كلفة خدمة الدين الفائدة، تشكل ضغطاً متزايداً على الموازنة الفيدرالية، خصوصا إذا تباطأ نمو الإيرادات الضريبية.

العلاقة بين الدين الفيدرالي

والإنفاق الحربي

يبلغ نصيب الإنفاق الحربي نسبة تتراوح بين 10 إلى 15 في المئة من العجز السنوي للميزانية العامة للولايات المتحدة. ويملك لوبي شركات السلاح، التي تحصل على جزء كبير من الإنفاق العسكري، نفوذا ضخما بين أعضاء الكونغرس الأمريكي الذي يقرر الأرقام النهائية لمخصصات الميزانية. ومع أن هناك ارتباطا واضحا بين زيادة الإنفاق العسكري وزيادة الدين الفيدرالي، إلا أن هذا الارتباط ليس قويا إلى الدرجة التي تدعو للقول بأنه المحرك الأول الذي يفسر الارتفاع الكبير في الدين الفيدرالي. خلال السنوات الخمس الأخيرة حقق الإنفاق العسكري زيادة بنسبة تبلغ 20 في المئة، في حين أن الزيادة الكلية في الدين بلغت 40 في المئة، أي ضعف نسبة الزيادة في الإنفاق العسكري. ولعب تورط الولايات المتحدة في الحروب التي انفجرت في أوكرانيا وغزة وإيران دورا مهما في تضخم قيمة الإنفاق العسكري للولايات المتحدة. ومع ذلك فإن إعادة ملء مخازن الأسلحة والذخيرة وتطوير أسلحة جديدة بعد الحروب التي شاركت فيها الولايات المتحدة في السنوات الأخيرة من المحتمل أن يؤدي إلى زيادة هائلة في قيمة الإنفاق الدفاعي للولايات المتحدة في السنة المالية الجديدة 2026/2027. الرئيس الأمريكي طلب ميزانية دفاعية بقيمة 1.5 تريليون دولار للعام المقبل، بزيادة 50 في المئة وهو ما يمكن أن يقذف الدين الفيدرالي الأمريكي خارج حدود الـ40 تريليون دولار. رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول اعترف بصراحة بأن هذا الدين «غير مستدام» بمعنى أن الولايات المتحدة قد تجد نفسها عاجزة عن إدارته، ما يسهم في تفكيك ما بقي منها متماسكا في مرحلة الاضطراب العالمي التي تشهد انتقال محاور القوة من الغرب إلى الشرق.