تزداد معاناة الصيادين في غزة يوميا والفقر يطال آلاف العائلات في ظل استمرار الحرب والحصار، ما أدى إلى انهيار شبه كامل لقطاع الصيد، أحد أهم مصادر الدخل والغذاء في القطاع، وحرمان الصيادين من ممارسة عملهم، حتى الاقتراب من البحر في بعض المناطق قد يؤدي إلى الاستهداف، وسط قيود خانقة ومساحات صيد محدودة.
وبينما كان البحر يمثل شريان حياة لآلاف الأسر، تحول اليوم إلى ساحة خطر يومي تهدد حياة العاملين فيه، حيث لم تعد مهنة الصيد مجرد عمل شاق، بل أصبحت مغامرة محفوفة بالمخاطر، إذ يواجه الصيادون إطلاق نار مباشر أو الاعتقال أثناء عملهم في البحر، في حين قتل مئات منهم منذ بداية الحرب، وأصيب العشرات، وتم اعتقال عدد كبير ومصادرة معداتهم.
ويعمل في مهنة الصيد في غزة قرابة 4500 شخص، فقدوا جميعهم مصدر دخلهم الأساسي، فيما قتل على مدار السنوات الماضية أكثر من 200 صياد خلال عملهم داخل البحر، في حين يواصل الاحتلال اعتقال ما يقارب من 145 صيادا داخل السجون الإسرائيلية.
ومنذ بدء حرب الإبادة على غزة مطلع أكتوبر 2023، دمر الاحتلال الإسرائيلي ميناء غزة، وحرق وأغرق جميع مراكب الصيادين، عدا عن قصف غرف الصيادين والمعدات، في مقابل ذلك يحاول صيادون باستخدام قوارب بدائية الإبحار لمسافات قصيرة، والصيد باستخدام الشباك الممزقة لتوفير لقمة عيش يسدون من خلالها رمق جوعهم.
وتحول ميناء غزة الذي كان يعج بالمراكب والصيادين إلى مخيمات للنازحين، بعد أن كان مزارا يأتى إليه الغزيون للتنزه وركوب القوارب، لكن اليوم تحول إلى عشوائيات في ظل ضيق المساحات.
يقول نقيب الصيادين الفلسطينيين نزار عياش يواجه قطاع الصيد في غزة انهيار شبه كامل نتيجة الاستهداف المتكرر للبنية التحتية البحرية، بما في ذلك الموانئ والقوارب ومعدات الصيد، وقد تم تدمير نحو 95 في المئة من القوارب، بما فيها القوارب الكبيرة التي كانت تشكل العمود الفقري للإنتاج السمكي، ما أدى إلى توقف شبه تام في العمل البحري.
وأضاف لـ «القدس العربي»، أن الخسائر لم تطل الصيادين فقط، بل أن العمال وبائعي الأسماك وصانع القوارب والشباك هم أيضا تضرروا من الدمار الذي حل بقطاع الصيد، فهم جميعا كانوا يعتمدون على عمليات الإبحار والصيد.
وبين أن قطاع الصيد البحري يعتبر ثاني أهم القطاعات التشغيلية المهمة في قطاع غزة، ويضم شريحة كبيرة من العمال، لكن بعد توقفه بشكل كامل، زادت معدلات البطالة.
وأشار إلى أن قطاع الصيد كان يوفر مصدر دخل لآلاف العائلات، لكن مع توقفه فقد آلاف الصيادين أعمالهم وتعيش عائلات كاملة اليوم في فقر مدقع، وتضررت مهن مرتبطة بالصيد مثل بيع الأسماك والنقل والتبريد، وجميع هذه القيود أدت إلى انخفاض الإنتاج السمكي بشكل حاد، ما فاقم الأزمة الاقتصادية والغذائية في القطاع.
في سياق ذلك، عبر عدد من صيادي الأسماك ممن فقدوا عملهم نتيجة تدمير معداتهم، عن بالغ استيائهم من توقف عملهم وفقدان مصدر دخلهم الوحيد، وحرمانهم من ترميم معداتهم واستئناف عملهم في الصيد.
يقول سليم أبو عمر الذي يعمل في مهنة الصيد البحري منذ ما يزيد عن عشرين عاما، تحول البحر من رمز للحياة إلى رمز للخطر والمعاناة، حيث تقدر خسائر الصيادين بمئات ملايين الدولارات، بعد التدمير المتعمد من قبل الاحتلال لميناء الصيادين، وجميع القوارب والمعدات التي كانت تتواجد داخل حوض الميناء.
وبين لـ«القدس العربي» أن «دمر الاحتلال قاربا بحريا خاصا بي تقدر تكلفته بخمسة آلاف دولار أمريكي، كنت أعمل عليه برفقة أخوتي وعدد من العمال، لكن بعد أن دمر بالكامل وقطعت أرزقنا، أحاول الإبحار بقارب صنعته بشكل يدوي، من أجل البحث عن لقمة العيش في ظل الظروف الصعبة».
وأشار إلى أن قطاع الصيد تعرض لكارثة، بعد أن دمر الاحتلال الإسرائيلي ميناء غزة، حيث تحول بحر غزة من مصدر للأسماك لمناطق الضفة الغربية والداخل المحتل، إلى مستورد للأسماك المجمدة.
ولم تنته معاناة الصيادين عند حد تدمير معداتهم وقتلهم واعتقالهم، بل أن تعرض العشرات منهم لإصابات جسدية بالغة، أفقدتهم فرصة العمل بشكل نهائي، وهذا حال الصياد خضر الصادي، الذي أنهى الاحتلال عمله وفقدت عائلته مصدر الدخل، وباتت في وضع معيشي صعب، بعد أن تعرض لطلق ناري من الزوارق الحربية في الرأس، فقد على إثر ذلك بصره، كذلك هو حال الصياد موسى جياب، الذي أصيب خلال عمله في البحر لطلق ناري من الزوارق الحربية في الظهر، وما زال يعاني من شلل نصفي، ولم تجد أسرته مصدر دخل.

