في وقت تتجه فيه المواجهة في الجنوب نحو مزيد من التصعيد، تتصاعد التحذيرات من أن المسار العسكري القائم لا يقود إلى حسم، بل إلى نتائج عكسية قد تعيد تشكيل المشهد اللبناني بطريقة أكثر خطورة وتعقيدًا.
وبحسب مقال للسفير الأميركي السابق في المغرب (1997–2001) ورئيس "المجموعة الأميركية من أجل لبنان" إدوارد غابريال، نشر في مجلة "ناشيونال إنترست" الاميركية، فإن الحملة العسكرية التي ينفذها الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان، رغم نجاحها في استهداف مواقع عسكرية ومخازن أسلحة وقتل مئات المقاتلين، لا تبدو قادرة على تحقيق هدفها النهائي في إضعاف حزب الله بشكل حاسم، في ظل غياب مسار سياسي موازٍ.
ويشير غابريال إلى أن الحرب تتجه نحو مسار "خطير وغير مستدام"، إذ تحولت العمليات من محاولة تقليص التهديدات المباشرة إلى أزمة إنسانية واسعة النطاق، مع تجاوز عدد النازحين 1 مليون شخص وسقوط آلاف الضحايا، إضافة إلى تدمير واسع للبنى التحتية والقرى، ما يعمّق حالة عدم الاستقرار على المدى الطويل.
لكن الأخطر، وفق التحليل، أن هذه الحرب تعيد تشكيل البيئة السياسية داخل لبنان بطريقة قد تصب في مصلحة حزب الله، إذ تؤدي الضربات التي تطال مناطق مدنية إلى تصاعد مشاعر الغضب داخل بيئات لا تؤيد الحزب بالضرورة، ما يعزز خطاب "المقاومة" ويمنحه شرعية إضافية.
وفي هذا السياق، يلفت غابريال إلى أن حزب الله لم يعد مجرد تنظيم عسكري تقليدي، بل تطور إلى بنية شبكية لامركزية قادرة على الصمود، إضافة إلى كونه قوة سياسية ومالية واجتماعية متجذرة في الدولة اللبنانية، ما يجعل القضاء عليه عسكريًا أمرًا بالغ الصعوبة.
في المقابل، يطرح غابريال علامات استفهام حول الرهان على الدولة اللبنانية كبديل سريع لنزع سلاح الحزب، مشيرًا إلى أن الجيش اللبناني يواجه تحديات كبيرة، من نقص الموارد والعديد إلى ضغوط مالية ومهام متعددة، فضلًا عن مخاطر الانقسام الداخلي، ما يجعل أي مقاربة قصوى في هذا الاتجاه محفوفة بالمخاطر.
وانطلاقًا من ذلك، يدعو غابريال إلى تغيير جذري في المقاربة، معتبرًا أن الأولوية يجب أن تنتقل من التصعيد العسكري المفتوح إلى مسار سياسي واضح، يبدأ بوقف إطلاق النار ويفتح الباب أمام مفاوضات مباشرة برعاية أميركية بين لبنان وإسرائيل.
ويؤكد أن واشنطن تملك دورًا محوريًا في هذا الإطار، عبر تسهيل هذه المفاوضات، وتعزيز دور الجيش اللبناني، ووضع آليات عملية للتقدم في ملف نزع السلاح، إلى جانب معالجة ملفات الحدود والأمن، بما يمهد لاتفاق مستدام.
بالتوازي، يرى غابريال أن على الدولة اللبنانية اتخاذ خطوات تدريجية لتعزيز سلطتها، من خلال منع إطلاق الصواريخ غير الشرعية، وضبط النشاطات العسكرية الخارجة عن الدولة، والحد من النفوذ الخارجي، بما في ذلك تقليص العلاقات الدبلوماسية مع إيران، واستهداف الشبكات المالية المرتبطة بحزب الله.
كما يحذر من أن تجاهل الأزمة الإنسانية المتفاقمة سيؤدي إلى نتائج عكسية، إذ إن استمرار النزوح والدمار، خصوصًا في المناطق ذات الغالبية الشيعية، سيزيد من نفوذ الحزب، بينما يمكن لجهود الإغاثة وإعادة الإعمار، إذا قادتها الدولة بدعم دولي، أن تعيد التوازن وتحد من هذا النفوذ.
في المحصلة، يخلص التحليل إلى أن لبنان يقف أمام خيارين متناقضين: إما الاستمرار في مسار التصعيد الذي يقود إلى مزيد من الانهيار وعدم الاستقرار، أو الانتقال إلى مسار سياسي تفاوضي يفتح نافذة نحو تسوية مستدامة. وبين هذين الخيارين، تبدو الفرصة متاحة، لكنها تضيق مع كل يوم يمر.
