بصمات على جدار الزمن
بصمات على جدار الزمن
Logo
الشريط الإخباري

الفشل الاستخباراتي الحقيقي في إيران

الفشل الاستخباراتي الحقيقي في إيران

في خضم السرديات التقليدية عن الحروب، غالبًا ما يُلقى اللوم على أجهزة الاستخبارات عند كل أزمة كبرى. لكن في الحرب على إيران، تبدو الصورة مقلوبة بالكامل: المعلومات كانت دقيقة، التقديرات كانت واضحة، ومع ذلك اندلعت الحرب. هنا تحديدًا يكمن ما يمكن وصفه بـ"الفشل الاستخباراتي الحقيقي"، ليس في الخطأ، بل في تجاهل الصواب.

وبحسب تحليل للصحافي شين هاريس في مجلة "The Atlantic"، فإن أجهزة الاستخبارات الأميركية قدّمت قبل الحرب تقييمات دقيقة ومتسقة حول قدرات إيران وسلوكها المحتمل، مؤكدة أنها لا تستعد لاستخدام سلاح نووي، ولا تمتلك صواريخ قادرة على ضرب الولايات المتحدة، لكنها في المقابل سترُد بقوة على أي هجوم عبر استهداف دول الخليج ومحاولة إغلاق مضيق هرمز، ما سيؤدي إلى أزمة اقتصادية عالمية .


هذه التقديرات لم تكن هامشية، بل كانت جزءًا من الإحاطات الرسمية التي قُدمت للرئيس دونالد ترامب قبل اتخاذ القرار. أي أن السيناريو الذي تحقق لاحقًا لم يكن مفاجئًا، بل متوقعًا ومطروحًا بوضوح ضمن تقارير الأجهزة المختصة.


ورغم ذلك، مضى القرار السياسي في اتجاه معاكس. فقد تبنّت الإدارة الأميركية خطاب "التهديد الوشيك"، وقدّمت الحرب على أنها ضرورة لمنع إيران من امتلاك سلاح نووي واستخدامه، في حين لم تدعم التقديرات الاستخباراتية هذا التوصيف، بل فرّقت بوضوح بين "النية" و"القدرة".


ويشير تحليل شين هاريس في "The Atlantic" إلى أن ما جرى يعكس خللًا في العلاقة بين الاستخبارات وصانع القرار، حيث تم تجاهل المعطيات أو إعادة تفسيرها بما يتناسب مع التوجه السياسي، بدل أن تشكّل أساسًا لاتخاذ القرار .


ومع اندلاع الحرب، بدأت التداعيات التي حذرت منها الاستخبارات بالظهور تباعًا. فقد فرضت إيران سيطرة فعلية على مضيق هرمز، وبدأت باستخدامه كورقة ضغط للتحكم بتدفقات النفط والغاز عالميًا، ما أدى إلى اضطراب الأسواق وارتفاع الأسعار، في سيناريو كان محسوبًا سلفًا.


كما توسّع الرد الإيراني ليشمل استهداف دول الخليج، وهو ما أكدت الاستخبارات سابقًا أنه خيار مرجّح في حال تعرض إيران لضربة عسكرية، ما ينفي عنصر "المفاجأة" الذي تحدثت عنه بعض المواقف السياسية لاحقًا.


في المقابل، لم تؤدِ الضربات العسكرية إلى تغيير بنيوي في النظام الإيراني، الذي بقي بيد التيار المتشدد، بل ساهمت الحرب في تعزيز تماسكه الداخلي، عبر إعادة إنتاج خطاب "الصمود" في مواجهة الضغوط الخارجية.


ويؤكد شين هاريس في تقريره أن هذا المسار يعكس نموذجًا مختلفًا من الإخفاق، حيث لم يكن الخلل في جمع المعلومات، بل في استخدامها، إذ إن الاستخبارات "أصابت"، لكن القرار السياسي "تجاهل" .


وفي الداخل الأميركي، بدأت هذه الفجوة تظهر بوضوح من خلال تساؤلات داخل الكونغرس وانتقادات لخطاب الإدارة، خصوصًا مع الإقرار بأن التهديد لم يكن وشيكًا كما تم تصويره، وأن الفرق بين امتلاك الطموح النووي وامتلاك القدرة الفعلية كان واضحًا في التقارير.


كما أظهرت المعطيات أن كبار المسؤولين الاستخباراتيين قدّموا إحاطات متكررة للرئيس، تضمنت سيناريوهات الرد الإيراني، بما في ذلك إغلاق المضيق واستهداف منشآت الطاقة، إلا أن هذه التحذيرات لم تغيّر مسار القرار.


في المحصلة، تكشف حرب إيران أن المشكلة لم تكن في نقص المعلومات، بل في كيفية التعامل معها. فحين تُهمّش التقديرات الدقيقة لصالح قراءات سياسية، يتحول القرار إلى مغامرة مفتوحة. وبين نجاح الاستخبارات وفشل القرار، تتبلور واحدة من أبرز مفارقات السياسة الأميركية الحديثة.