واجه متهمون مصريون خلال العام الماضي، محاكمات «مجحفة» في أكثر من 59 قضية، أمام دوائر الإرهاب، وفق ما ذكرت 3 منظمات حقوقية مستقلة، مشيرة إلى الافتقار إلى «الضمانات الأساسية».
ورصدت «الجبهة المصرية لحقوق الإنسان» ومؤسسة «سيناء» و«المفوضية المصرية للحقوق والحريات»، في تقرير المحاكمات في الفترة من سبتمبر/ أيلول 2024 وحتى ديسمبر/ كانون الأول 2025، واعتمدت على توثيقات وشهادات مسجلة لأكثر من 59 قضية، عقدت جلها في محاكم جنايات بدر، باستثناء واحدة في محكمة جنايات الإسماعيلية، وقد حُكم في ثلاث منهم فقط.
ما هي الاتهامات؟
ويواجه المتهمون في هذه القضايا جملة من الاتهامات السياسية المعتادة «الانضمام لجماعة إرهابية (الإخوان المسلمون أو داعش) وتمويلها، ونشر أخبار كاذبة، أو التحريض على نشر أفكار متطرفة على وسائل التواصل الاجتماعي، أو التحريض على ارتكاب جرائم إرهابية، أو التخطيط لارتكاب أعمال إرهابية، تمت تسمية بعضها مثل استهداف المنشآت العامة، وأضيفت لها كذلك اتهامات مثل إساءة استخدام وسائل التواصل الاجتماعي، والإضرار بالاقتصاد القومي، وحيازة مفرقعات».
وتضم القضايا، متهمين من كبار السن، ممن تجاوز سنهم الستين عاما، بواقع 157 متهم، في حين بلغ عدد السيدات 106، أغلبهم قيد الاحتجاز بالفعل، ومتهم قاصر واحد، كما تشمل هذه القضايا اتهاما لعدد من المحامين، وصل عددهم الى 14 محاميا.
وحسب التقرير، رصد المحامون والمعنيون بمتابعة المحاكمات، جملة من الانتهاكات الواضحة لمعايير المحاكمات العادلة، والتي تتورط فيها الجهات الرسمية من هيئات المحكمة، والجهات الأمنية، والنيابة العامة بشكل جماعي وتضامني.
الحضور والعلانية
شهد الحق في الحضور وعلانية الجلسات انتهاكاً واسعاً وممنهجاً، بتواطؤ من هيئات المحكمة والجهات الأمنية المسؤولة عن نقل المتهمين وتأمين قاعات المحاكم، بما طال المتهمين وذويهم والجمهور العام.
كذلك غاب المتهمون عن حضور الجلسات دون مسوغ قانوني عبر إبقائهم داخل زنازين الاحتجاز، في وقت مضت هيئات المحاكم في عقد الجلسات، دون مساءلة الجهات الأمنية عن أسباب الغياب، في إخلال «جسيم بسلامة الإجراءات وضمانات المحاكمة العادلة أمام محكمة مختصة ومستقلة ومحايدة»، حسب المنظمات.
وفيما سعت هيئات الدفاع مراراً إلى الاعتراض على هذا التغييب وطلب إثباته بمحاضر الجلسات، تجاهلت المحكمة تلك الطلبات دون تقديم مسوغ قانوني لعقد الجلسات في غياب المتهمين.
وتحدث التقرير عن إحضار المتهمين وإبقائهم داخل سيارات الترحيلات خارج قاعات المحكمة لساعات طويلة قد تصل إلى ست أو سبع ساعات، دون ماء أو طعام أو تهوية أو رعاية طبية، ثم بدء الجلسات بعد إنهاكهم جسدياً ونفسياً، بما يؤثر بشكل مباشر على قدرتهم على التركيز والتفاعل مع مجريات المحاكمة.
أقفاص زجاجية
كما سُمح بحضور بعض المتهمين داخل أقفاص زجاجية عازلة للصوت والحرارة، تحول دون سماعهم لما يدور داخل الجلسة أو تواصلهم الفعال مع محاميهم، وهو ما اعترضت عليه هيئات الدفاع والمتهمون مراراً، دون استجابة من المحكمة، بما يقوض حق الدفاع ويخل بمبدأ تكافؤ الفرص بين الخصوم.
رصد حقوقي لأكثر من 59 قضية أمام دوائر الإرهاب خلال عام
ولفت التقرير إلى فرض قيود غير مبررة قانوناً، شملت منع ذوي المتهمين من الحضور، واستبعاد الفريق المعاون للمحامين من دخول قاعات المحكمة، وتجريد المحامين من هواتفهم ومنعهم من استخدامها حتى لأغراض مهنية.
دور النيابة
وتحدث التقرير عن إخفاق منهجي للنيابة في الاضطلاع بدورها كجهة يُفترض أن تسعى إلى كشف الحقيقة وضمان العدالة بما يقوض مبدأ الحياد والمساواة بين الخصوم، ويُثير شبهات جدية حول اعتبارات الحياد والنزاهة، على النحو الذي تكشفه سرعة إحالة المتهمين دون تمحيص في استجوابهم أو في التحقيقات التي خضعوا لها من جانب أجهزة الأمن، والتي قدموا فيها اعترافاتهم أو إقراراتهم.
تتأكد هذه «الانحيازات وعدم النزاهة»، حسب المنظمات في «تعميم اتهامين أو ثلاثة لكل المتهمين في القضايا المنظورة دون اختلاف على النحو المثبت في أوامر الإحالة الصادرة من النيابة للمتهمين».
تضييق على المحامين
وحسب التقرير، شهدت القضايا المنظورة أمام محاكم جنايات بدر عن تعسف كبير تجاه المحامين إزاء قيامهم بعملهم للدفاع عن المتهمين أو ضد شخوصهم، حيث سجل المحامون خلال العام الماضي تناميا في استخدام «ذريعة الإجراءات الأمنية» لإعاقة تواصلهم مع المتهمين داخل القفص الزجاجي.
وفي حالة تسجيل أي محاولة تواصل بين المحامين وبين المتهمين الموجودين في القفص، يتدخل الأمن لردعهم، تبعا للتقرير الذي أشار إلى أنه في الحالات التي تّمسك فيها المحامون بإثبات غياب المتهمين عن الجلسات، واجهتهم المحكمة بالتهديد في حال عدم تراجعهم عن ذلك الطلب.
وحسب المنظمات «تتجاهل المحكمة طلبات الدفاع الجوهرية وترفض تسجيلها في محاضر الجلسات تحت دعاوى تقصير أمد التقاضي، أو الادعاء بعدم تعلقها بموضوع الدعوى، على الرغم من تأثيرها الجدي على تغيير اتجاه القضايا».
ويمتد الرفض إلى «تجاهل طلبات الدفاع المتكررة لإخلاء سبيل المتهمين الذين تجاوزوا المدد القانونية للحبس الاحتياطي، أو المرضى منهم، وكبار السن والسيدات».
وأكد المحامون على تضييق هيئة المحكمة على الدفاع بمنحه وقتا قصيرا للدفاع لا يتجاوز الثلاث دقائق لكل محام لإبداء مرافعته، لتتدخل بعدها هيئة المحكمة بمنعه من التحدث، إلى جانب تعمد المحكمة لمقاطعة الدفاع باستمرار مسببة حالة من التشويش على الدفاع.
ووفق التقرير، يتسق هذا النهج النظامي في ملاحقة المحامين بالنظر لأعداد المحامين أنفسهم المتهمين على ذمة القضايا محل المتابعة، والذين وصل عددهم لـ 14 محاميا، يواجهون اتهامات من قبيل الانضمام لجماعة إرهابية، وقيادتها، وتمويلها، وذلك على الأرجح لقيامهم بالدفاع عن متهمين في قضايا سياسية، مثل المحامي الحقوقي أسامة بيومي، والمحامي إبراهيم متولي.
ضرب واعتداء
وثق التقرير تعرض بعض المتهمين في القضية 618 لسنة 2022 للاختفاء القسري في أحد مقرات الأمن الوطني في أولى مراحل القبض عليهم وتعرضهم للتعذيب طوال ثماني أيام، لافتا إلى امتداد المعاملة القاسية والمٌهينّة للمتهمين داخل المحاكم والتي تكشف عن تعمد إنهاك المتهمين بقطع رحلات طويلة من مقرات احتجازهم إلى مقر المحاكمات، الذي تتفاقم آثاره في حالة كبار السن والمرضى من المتهمين، وتمتد هذه الرحلة لتصل لست وسبع ساعات، يبقون خلالها دون طعام أو شراب، وتحول دون قدرة المتهمين على المشاركة بكفاءة في جلسات المحاكمة.
وتمتد «المعاملة اللاإنسانية المتعمدة لتسجيل وقائع ضرب واعتداء من الضباط القائمين على حراسة المتهمين».
فقد وقعت اعتداءات من قبل قائد حرس محكمة بدر- الضابط وليد عسل، تجاه المتهمين جهاد الحداد، وأحمد أبو بركة، وأنس البلتاجي، وحسن الشاطر داخل «الحبس خانة» التابعة للمحكمة، على إثر مطالبتهم بالخروج وحضور جلسة المحاكمة.
وفي واقعة تكشف عن غياب الحيادية والنزاهة لهيئة المحكمة، طلب المتهمون إثبات وقائع التعدي، وقد أوهمتهم المحكمة بإثباتها في محضر الجلسة، إلا أنهم فوجئوا لاحقا بعدم إثباتها، وامتناع المحكمة والنيابة عن اتخاذ أي إجراء قانوني تجاه واقعة السحل والضرب والسب وانتهاك حقوق المتهمين.
وحسب التقرير، تطال المعاملة القاسية واللا إنسانية كذلك المرضى من المتهمين ممن يعانون من تدهور حاد في الصحة، وتتجاهل إدارة السجن والمحكمة طلباتهم بالحصول على العلاج والتدخل الطبي اللازم لحالاتهم.
وتناول التقرير تجاوز كثير من المتهمين مدة الحبس الاحتياطي المقررة قانونا وهي عامان، ولم تصدر لصالحهم قرارات بإخلاء سبيلهم. ومن أبرز الأمثلة على هذا التجاوز السافر للمدد القانونية، المتهمون في القضية 955 لسنة 2017 والذين تجاوزوا الثماني سنوات وهم رهن الحبس الاحتياطي دون صدور حكم نهائي، ورغم انتهاء المرافعات في القضية منذ عام تقريبا؛ بينما يواصل المستشار الشربيني تأجيل النطق بالحكم، متهما الدفاع بالمسؤولية عن هذا التأخير تحت ذريعة إطالة أمد المحاكمة بمطالبهم المتكررة.
ولفت إلى انتهاج السلطة مؤخرا سياسة الاحتيال على تجاوز الحد القانوني الأقصى للحبس الاحتياطي عبر إحالة المتهمين للمحاكمة، لينقضي وقت طويل بين الإحالة وبدء المحاكمات الفعلية، والحكم فيها، وتكشف التوثيقات الموجودة عن طول مدة المحاكمة حيث تعمد المحكمة لتأجيل النظر في القضايا لآجال متباعدة قد تصل في بعض المحاكمات لثلاثة أشهر فرقا بين كل جلسة محاكمة وأخرى، متجاهلة بذلك المبدأ الدستوري والحقوقي الذي يقضي بسرعة الفصل في القضايا وسرعة التقاضي.
التدوير
وزاد التقرير: لم تكتف السلطات بتأزيم أوضاع المتهمين، بل تُضيف لذلك معاناة أخرى، وهي المعروفة بممارسة تدوير المتهمين بين قضايا مختلفة، تُزيد هذه الممارسة من معاناة المتهمين، وتزيد من الأعباء الملقاة على عاتق الدفاع، حيث يخوضون صراعا حول أولوية طلبات الحضور وإحضار الشهود، ما يؤدي إلى إضعاف فعالية الدفاع وتفريغ الحق في المحاكمة العادلة من مضمونه، ويخلق حالة من عدم اليقين حول حضور المتهم للجلسات.
وفي ختام التقرير، دعت المنظمات الحقوقية الثلاث السلطات المصرية للإفراج عن أي متهم جرى احتجازه أو تتم محاكمته بسبب ممارسته لحقوقه الأساسية كحرية الرأي والتعبير أو الحق في التجمع السلمي من دون قيد أو شرط، كما دعت للإفراج عن المحتجزين الآخرين ممن تجاوزوا مدة الحبس الاحتياطي القانونية.

