رحلت الدبلوماسية الفلسطينية السابقة ليلى شهيد، التي عُرفت لعقود طويلة بصوت فلسطين في أوروبا وفرنسا، هذا الأربعاء 18 فبراير/شباط، عن عمر ناهز 76 عامًا في منزلها ببلدة Lecques في جنوب فرنسا، بعد معاناة طويلة مع المرض، وفق معلومات صحيفة “لوموند” الفرنسية ومجلة “باري ماتش” الفرنسية.
برحيل ليلى شهيد فقدت الساحة الدبلوماسية إحدى أكثر شخصياتها حضورًا وتأثيرًا، إذ جمعت بين الفكر والنضال والعمل الدبلوماسي، وظلت حتى أيامها الأخيرة مرتبطة وجدانيًا بقضية شعبها.
كانت ليلى شهيد على مدى أكثر من عشرين عامًا إحدى أبرز الشخصيات الدبلوماسية الفلسطينية في أوروبا؛ حيث شغلت منصب المندوبة العامة لفلسطين في فرنسا بين عامي 1993 و2006، وأصبحت وجهًا مألوفًا في الأوساط السياسية والإعلامية الفرنسية. وبعد انتهاء مهمتها في باريس، انتقلت إلى بروكسل لتمثل فلسطين لدى الاتحاد الأوروبي من عام 2006 حتى تقاعدها عام 2015.
وُلدت ليلى شهيد في يوليو 1949 في بيروت، بعد أشهر قليلة من النكبة التي شهدت تهجير مئات الآلاف من الفلسطينيين. عائلتها من أصول مقدسية بارزة، إذ شغل جدها منصب رئيس بلدية القدس في أوائل القرن العشرين. عاشت طفولتها في المنفى، لكن فلسطين ظلت حاضرة بقوة في حياتها اليومية، خصوصًا مع وجود قيادات منظمة التحرير الفلسطينية في بيروت آنذاك.
في سن الثامنة عشرة، انخرطت في العمل السياسي وانضمت إلى حركة فتح في سياق الهزيمة العربية بعد حرب 1967 وبداية تشكل الحركة الوطنية الفلسطينية الحديثة. خلال تلك الفترة، اقتربت من الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات وعملت إلى جانبه لسنوات طويلة، وظلت من الشخصيات الموثوقة في دائرته حتى وفاته عام 2004.

بالتوازي مع نشاطها السياسي، تابعت دراستها الأكاديمية، وخصصت أطروحة الدكتوراه لدراسة البنية الاجتماعية لمخيمات اللاجئين الفلسطينيين، محاولة فهم كيفية حفاظ مجتمع مهجّر على تماسكه وهويته الوطنية.
بدفع من الراحل ياسر عرفات، دخلت ليلى شهيد السلك الدبلوماسي في أواخر الثمانينيات، في إطار توجه لإبراز دور النساء الفلسطينيات في النضال الوطني. تم تعيينها في 1989 كأول ممثلة دبلوماسية فلسطينية امرأة، وتولت مناصب سفيرة في إيرلندا، ثم هولندا، والدنمارك، ومندوبة لدى اليونسكو، قبل أن تتولى منصبها الأبرز في فرنسا.
خلال وجودها في باريس، اكتسبت سمعة دبلوماسية قوية بفضل خطابها الواضح ودفاعها الصريح عن ما كانت تسميه “القضية الفلسطينية” بدل “الصراع”. كانت حاضرة باستمرار في وسائل الإعلام، حيث جمعت بين الحزم السياسي والحضور الثقافي.

بعد انتهاء مهمتها في فرنسا، عُرض عليها منصب سفيرة فلسطين في الولايات المتحدة، لكنها رفضت، مفضلة العمل في أوروبا، معتبرة العلاقة الأوروبية العربية ذات بعد استراتيجي وثقافي.
في بروكسل، واصلت الدفاع عن الموقف الفلسطيني في مواجهة ما اعتبرته ازدواجية المعايير الدولية تجاه إسرائيل.
في عام 2015، قررت التقاعد رغم محاولات الرئيس الفلسطيني محمود عباس إقناعها بالبقاء. عبّرت آنذاك عن إحباطها من عجز المجتمع الدولي عن فرض احترام القانون الدولي، ورأت أن الجهود الدبلوماسية لم تعد كافية لتحقيق تقدم حقيقي.
بعد تقاعدها، ابتعدت عن العمل السياسي المباشر، لكنها واصلت نشاطها الثقافي، وتولت رئاسة جمعية أصدقاء معهد العالم العربي لفترة من الزمن، مركزة على دعم الإنتاج الثقافي العربي. قسمت حياتها بين بيروت وجنوب فرنسا، وكانت متزوجة من الكاتب المغربي محمد برادة.
أعادتها أحداث 7 أكتوبر/تشرين الثاني 2023 والحرب المدمرة على غزة إلى واجهة الإعلام. وقد عبّرت الدبلوماسية الراحلة حينها عن حزنها العميق لسقوط المدنيين، مؤكدة أن استمرار النزاع دون حل سياسي يجعل المنطقة تدفع ثمنًا إنسانيًا باهظًا.
كانت ليلى شهيد ترى أن آمال السلام التي رافقت اتفاقات أوسلو قد تلاشت، وأن حل الدولتين الذي دافعت عنه طويلًا أصبح أبعد من أي وقت مضى. وها هي اليوم تغادر الحياة دون أن ترى هذا الهدف الذي كرست له حياتها يتحقق.

