بصمات على جدار الزمن
بصمات على جدار الزمن
Logo
الشريط الإخباري

واشنطن بوست: حرب ترامب على “الجنائية الدولية” تعكس وقوف الولايات المتحدة مع الدول المارقة

واشنطن بوست: حرب ترامب على “الجنائية الدولية” تعكس وقوف الولايات المتحدة مع الدول المارقة

نشرت صحيفة “واشنطن بوست” مقالا للمعلق ماكس بوت قال فيه إن خوف الرئيس دونالد ترامب من المحكمة الجنائية الدولية يعكس صورة عن الرفقة السيئة التي بات في صحبتها، كما أن لا مبالاته بالقيود القانونية المحلية هي مرآة لتصرفاته في الخارج.

وأضاف أن استهتار ترامب بالقانون في أمريكا وبالقضاة الذين ينفذونه بات أمرا راسخا، فسواء سعى إلى ترحيل المهاجرين دون جلسات استماع، أو رفض إنفاق الأموال المخصصة، أو هدم الجناح الشرقي للبيت الأبيض بقرار فردي واحد، فقد أظهر ترامب احتراما قليلا لما تمليه عليه السلطة من حدود قانونية.

ولو نظرنا إلى سجله المحلي، كما يقول بوت، فليس من المستغرب أن يظهر ترامب لامبالاة مماثلة تجاه القانون الدولي والمؤسسات التي تسعى إلى تطبيقه. صحيح أن الولايات المتحدة تجاهلت القوانين الدولية عندما كان يناسبها ذلك، فقد اتهمت بانتهاك القانون في الماضي، بدءا من غزو كمبوديا عام 1970 وصولا إلى غزو العراق عام 2003. ولكن منذ عام 1945، ورغم تناقض مواقفها، فقد كانت الولايات المتحدة تقف بشكل عام إلى جانب النظام الدولي القائم على القواعد. وتجلت أهم لحظاتها عندما ساعدت ضحايا العدوان، بما في ذلك كوريا الجنوبية عام 1950، والبوسنة عام 1995، وأوكرانيا عام 2022.

ليس من المستغرب أن يظهر ترامب لامبالاة تجاه القانون الدولي والمؤسسات التي تسعى إلى تطبيقه

مع ذلك، يبدو أن ترامب مصمم على تقويض أسس النظام القائم على القواعد.

فقد قال لصحيفة “نيويورك تايمز” الشهر الماضي: “لست بحاجة إلى القانون الدولي”. والحد الوحيد لسلطته في الخارج، كما أشار ويعترف به، هو “أخلاقه الشخصية”، وبالنظر إلى تاريخه الطويل في انعدام الأخلاق، فإن هذا لا يخفف من وطأة الأمر.

وعلى نفس المنوال، رفض ستيفن ميلر، أحد كبار مساعدي ترامب، الحديث عن “المجاملات الدولية”، مصرا في مقابلة مرعبة أجراها مؤخرا مع شبكة سي إن إن نيوز على أننا “نعيش في عالم تحكمه القوة، محكوم بالإكراه وتحكمه السلطة. هذه هي القوانين الحديدية للعالم”.

وقد جاءت تعليقات ميلر الساخرة، التي تعكس نظرة الرجل القوي للعالم، أثناء دفاعه عن مصلحة ترامب في ضم غرينلاند. وعلى الرغم من أن ترامب قد تراجع منذ ذلك الحين، إلا أن خطابه انتهك بالفعل ميثاق الأمم المتحدة، فهو يشترط على الأعضاء “الامتناع… عن التهديد أو استخدام القوة ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأي دولة”.

كذلك، فإن هجمات ترامب القاتلة على قوارب تهريب المخدرات المزعومة، والتي أصبحت أقل تواترا بكثير منذ اعتقاله للرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، قد وجهت إليها انتقادات واسعة النطاق باعتبارها انتهاكا للقانون الأمريكي والدولي. ثم هناك التعرفات الجمركية التي يفرضها ترامب، وغالبا ما تفرض هذه التعرفات بشكل تعسفي، في تحد واضح ليس فقط للقانون الأمريكي، بل أيضا لاتفاقيات التجارة الدولية التي وقعها رؤساء سابقون، بل وحتى، في حالة اتفاقية الولايات المتحدة والمكسيك وكندا، ترامب نفسه.

ويقول بوت إن المشكلة تكمن في استحالة إنفاذ القانون الدولي عندما يكون المخالف هو أقوى دولة في العالم، وهي دولة تسعى جاهدة لتقويض المنظمات الدولية.

المشكلة تكمن في استحالة إنفاذ القانون الدولي عندما يكون المخالف هو أقوى دولة في العالم، وهي دولة تسعى جاهدة لتقويض المنظمات الدولية

ورغم أن ترامب لم ينسحب من منظمة التجارة العالمية، إلا أنه عرقل آليات إنفاذها الرئيسية، أي هيئة الاستئناف، من خلال منع تعيين القضاة منذ عام 2017. ولم يرفع الرئيس جو بايدن، الذي تخلى عن معتقداته السابقة بشأن التجارة الحرة، معارضة الولايات المتحدة للتعيينات القضائية.

بل وذهب ترامب الآن أبعد من ذلك بمهاجمته مبدأ أساسيا في منظمة التجارة العالمية يعرف باسم “المعاملة بالمثل”. وهذا يعني أنه ينبغي على الدولة فرض نفس الرسوم الجمركية على جميع شركائها التجاريين الذين يتمتعون بوضع “الدولة الأكثر رعاية”. في المقابل، يصر ترامب على تحديد الرسوم الجمركية لكل دولة على حدة، وتغييرها بانتظام، مما يجعل من المستحيل وضع قواعد ملزمة لنظام التجارة الدولية.

لكن جهود ترامب لتقويض منظمة التجارة العالمية لا تقارن بالحرب الشاملة التي أعلنها على المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي. وإدارة ترامب غاضبة جدا من المحكمة الجنائية الدولية لأنها حققت لفترة وجيزة في جرائم حرب مزعومة ارتكبتها الولايات المتحدة في أفغانستان، ووجهت اتهامات بارتكاب جرائم حرب لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، إلى جانب وزير الدفاع الإسرائيلي السابق وقادة في حركة حماس.

وردا على ذلك، فرضت الإدارة عقوبات قاسية على ثمانية قضاة وثلاثة مدعين عامين في المحكمة الجنائية الدولية. وأشارت “رويترز” إلى أن “موظفي المحكمة الجنائية الدولية الخاضعين للعقوبات مدرجون الآن على قائمة المواطنين المصنفين في القائمة التابعة لوزارة الخزانة الأمريكية، والتي تضم أشخاصا مشتبها بهم بالانتماء لتنظيم القاعدة، وتجار مخدرات مكسيكيين، وتجار أسلحة كوريين شماليين”.

ولا يقتصر الأمر على منع موظفي المحكمة الجنائية الدولية من السفر إلى الولايات المتحدة، بل جمدت جميع أصولهم المالية في أمريكا، ومنعوا من إجراء أي معاملات بالدولار، كما حرموا من بطاقات الائتمان الأمريكية ومن حساباتهم لدى شركات التكنولوجيا الأمريكية مثل مايكروسوفت وأمازون وغوغل. ولا عجب أن الأوروبيين يطورون بدائل للتكنولوجيا الأمريكية.

وفي هجومها على المحكمة الجنائية الدولية، تعتبر إدارة ترامب في صحبة سيئة. فبعد توجيه الاتهام إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بارتكاب جرائم حرب في أوكرانيا، رد الكرملين بإصدار مذكرات توقيف بحق ثلاثة مسؤولين في المحكمة.

وفي الوقت نفسه، أعلنت ثلاث دول إفريقية تحكمها مجالس عسكرية، وهي بوركينا فاسو ومالي والنيجر، انسحابها من المحكمة الجنائية الدولية، التي تتهمها بـ”القمع الاستعماري الجديد”. لكن لا تزال 125 دولة أخرى أعضاء في المحكمة الجنائية الدولية، وهي تقوم بعمل مهم، مثل محاكمة الرئيس الفلبيني السابق رودريغو دوتيرتي بتهمة إصدار أوامر بالقتل خارج نطاق القضاء في إطار “حربه على المخدرات”.

وتفيد “رويترز” بأن ترامب يخشى أن تحاكمه المحكمة الجنائية الدولية أو مساعديه في يوم من الأيام. هذا مستبعد، رغم أوجه التشابه بين تصرفات دوتيرتي وهجمات ترامب على القوارب، لأن الولايات المتحدة ليست طرفا في المحكمة الجنائية الدولية، ومن المشكوك فيه أن يسلم أي رئيس مستقبلي ترامب للمحاكمة. لكن مجرد كون هذا الأمر مصدر قلق لترامب يقدم ضوءا على أمر محبط، فقد تحولت الولايات المتحدة من الوقوف إلى جانب الدول الملتزمة بالقانون في العالم إلى الوقوف مع الأنظمة المارقة.