بصمات على جدار الزمن
بصمات على جدار الزمن
Logo
الشريط الإخباري

تدهور اقتصادي واعتداءات إسرائيلية.. حصار يخنق قرى لبنانية في الجنوب

تدهور اقتصادي واعتداءات إسرائيلية.. حصار يخنق قرى لبنانية في الجنوب

العرقوب- الخيام- شبعا: تعيش بلدات جنوب لبنان الحدودية أوضاعا إنسانية واقتصادية صعبة، في ظل استمرار الغارات والاستهدافات الإسرائيلية، رغم مرور أكثر من عام ونصف على اتفاق وقف إطلاق النار، ما يهدد مصادر رزق السكان ويقوّض مقومات صمودهم في مناطق لطالما شكلت خط تماس مع إسرائيل.

وتواصل إسرائيل خروقاتها لاتفاق وقف إطلاق النار مع “حزب الله“، الساري منذ نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، ما أسفر عن مئات الشهداء والجرحى، مع مواصلتها احتلال 5 تلال لبنانية سيطرت عليها في الحرب الأخيرة، لتضاف إلى مناطق أخرى تحتلها منذ عقود.

ودون جدوى، تطالب بيروت منذ أكثر من عام بوقف عدوان تل أبيب اليومي على سيادة لبنان وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي.

وقتلت إسرائيل أكثر من 4 آلاف شخص وأصابت نحو 17 ألفا آخرين، خلال عدوانها على لبنان الذي بدأته في أكتوبر/ تشرين الأول 2023، قبل أن تحوله في سبتمبر/ أيلول 2024 إلى حرب شاملة، توقفت بعد توقيع اتفاق وقف إطلاق النار.

ومع استمرار التوتر الأمني وتراجع النشاط الاقتصادي، يواجه سكان بلدات الجنوب اللبناني معركة يومية للبقاء، وسط مخاوف متزايدة من أن تتحول هذه المناطق إلى بلدات شبه مهجورة إذا لم تتوافر حلول عاجلة تدعم صمودهم.

ويقول مسؤولون محليون وسكان، إن القرى الواقعة ضمن ما يُعرف بالشريط الحدودي تعاني حصارا فعليا نتيجة القيود الأمنية من الجانب اللبناني وإطلاق النار المتكرر والتهديدات الأمنية من إسرائيل، الأمر الذي أدى إلى تعطّل قطاعات الزراعة والرعي والتجارة، ورفع منسوب القلق والخوف لدى الأهالي.

معاناة معيشية

قاسم القادري، رئيس “اتحاد بلديات العرقوب”، في قضاء حاصبيا بمحافظة النبطية جنوبي لبنان، أوضح أن السكان عادوا إلى قراهم قبل نحو عام في ظروف بالغة الصعوبة، بعد موجات نزوح بسبب التوترات الأمنية.

وأضاف أن الأهالي “عادوا في فصل الشتاء دون وجود أدنى مقومات الحياة، حيث كانت المنازل بلا أبواب أو نوافذ، ولا كهرباء ولا مياه”، مشيرا أن الجهود المحلية أسهمت في تأمين الحد الأدنى من الخدمات وإعادة فتح بعض الطرق.

وأشار إلى أن مناطق عدة ما تزال خارج الخدمة بسبب ما وصفه بـ”توسّع الاحتلال الإسرائيلي عبر فرض مناطق إطلاق نار عشوائي تمارس نوعا من الإرهاب على السكان لدفعهم إلى مغادرتها”.

وأضاف أن القرى الممتدة من شبعا وكفرشوبا وكفرحمام وصولا إلى راشيا والماري تعاني حصارا فعليا إسرائيليا، حيث لم يعد بإمكان السكان الوصول إلى أراضيهم الزراعية أو مراعيهم الطبيعية.

وأفاد القادري أن رعاة الماشية اضطروا إلى الاعتماد على الأعلاف بدل الرعي في الجبال، وهو ما يشكل عبئا ماليا كبيرا ويؤثر سلبا على الإنتاج الحيواني.

وأكد أن تعطّل الزراعة والرعي أدى إلى شلل شبه كامل في فرص العمل، قائلا إن “إمكانية المعيشة وتحصيل الرزق أصبحت معطّلة”.

وطالب الدولة اللبنانية بمنح بلدات الشريط الحدودي “وضعا خاصا ودعما استثنائيا” لمنع نزوح سكانها.

وحذّر من أن استمرار غياب الدعم قد يدفع الأهالي إلى مغادرة المنطقة، مشددا على أن “إمكانية الصمود غير متوفرة في ظل الظروف الحالية”.

خطر نيران ومبيدات

القادري تطرق إلى تعرّض القرى لإطلاق نار إسرائيلي متكرر يطال المنازل والطرقات وحتى المدارس، قائلا إن ذلك يشكّل تهديدا مباشرا للمدنيين والأطفال.

وأضاف أن السكان نجوا مرات عديدة “بأعجوبة” من هذه الحوادث، لافتا إلى أن وتيرة إطلاق النار تراجعت نسبيا خلال الأسبوعين الماضيين، لكن ذلك لم ينهِ حالة القلق المستمرة لدى الأهالي.

وأشار إلى أن المدارس تمثل عنصرا أساسيا في تثبيت السكان في قراهم، محذرا من أن إغلاقها سيؤدي إلى نزوح جماعي للعائلات.

الجدير بالذكر أن اعتداءات إسرائيل على الحياة الزراعية في قرى لبنان الحدودية تطورت إلى حد استخدام مبيدات حشرية تهدد هذا القطاع بشكل خطير.

والأربعاء، أدان الرئيس اللبناني جوزيف عون، في بيان، قيام طائرات إسرائيلية برش مواد سامة على أراضي وبساتين قرى حدودية جنوبي البلاد، معتبرا ذلك “انتهاكاً صارخاً للسيادة اللبنانية وجريمة بيئية وصحية بحق المواطنين”.

وطلب من وزارة الخارجية “إعداد ملف موثق بالتعاون مع وزارات الزراعة والبيئة والصحة العامة، تمهيداً لاتخاذ الإجراءات القانونية والدبلوماسية اللازمة لمواجهة هذا العدوان، وتقديم شكاوى إلى المحافل الدولية المختصة”، وفق البيان.

والاثنين، قالت اليونيفيل إن جيش الاحتلال الإسرائيلي أبلغها صباح الأحد، بأنه سينفذ “نشاطاً جوياً لإسقاط ما قال إنه مادة كيميائية غير سامة فوق المناطق القريبة من الخط الأزرق”، وطلب منها “الابتعاد والبقاء داخل أماكن مسقوفة”.

واعتبرت اليونيفيل أن هذا النشاط “غير مقبول” ويعرض صحة أفرادها والمدنيين للخطر، فضلا عن إثارة مخاوف تتعلق بتأثيرات محتملة على الأراضي الزراعية المحلية وعودة المدنيين إلى منازلهم وسبل عيشهم.

شلل اقتصادي

في بلدة شبعا، يوضح سائق الحافلات المدرسية سلام غياض حجم التدهور الاقتصادي الذي أصاب المنطقة.

وقال غياض إن الأوضاع المعيشية باتت “بالغة السوء”، لافتًا إلى أن غياب الاستقرار الأمني أدى إلى “شلل اقتصادي كامل”، حيث توقفت حركة العمل وتراجعت الخدمات.

وأضاف أن العاملين في قطاع النقل المدرسي فقدوا مصادر دخلهم نتيجة تراجع الحركة التعليمية والسكانية، مشيرا إلى أن العائلات تعاني صعوبة في تغطية نفقات المعيشة الأساسية وأقساط المدارس.

غياض تحدث عن حالة انتظار وترقب يعيشها الأهالي دون وجود حلول واضحة، مؤكدا أن الأزمة لا تقتصر على أفراد أو قطاعات محددة بل تشمل معظم سكان المنطقة.

تراجع تجاري

وفي بلدة الخيام الحدودية، وصف المواطن محمد عبدالله الوضع الاقتصادي بأنه “مزري للغاية”، موضحا أن البلدة كانت تشكل ممرا حيويا للحركة التجارية، إلا أن التصعيد الأمني أدى إلى تراجعها بشكل كبير.

وقال إن التفجيرات والاستهدافات الإسرائيلية الأخيرة دفعت العديد من السكان إلى إغلاق محالهم التجارية ومغادرة المنطقة، مشيرا إلى أن الطرق القريبة من الحدود أصبحت شبه مهجورة بسبب المخاطر الأمنية.

عبد الله ذكر أن بعض السكان الذين عادوا إلى البلدة بعد النزوح بدأوا بإعادة ترميم منازلهم، لكن تدهور الوضع الأمني مؤخرا دفع كثيرين إلى إعادة التفكير في البقاء.

وقال إن “حالة القلق وانعدام الشعور بالأمان باتت العامل الرئيسي الذي يحدد قرار السكان” بشأن الاستمرار في العيش في هذه المناطق.

تفريغ ممنهج للحدود

وضمن تبعات الوضع الراهن، توقع مسؤولون محليون في تصريحات للأناضول، أن استمرار الضغوط الأمنية والاقتصادية قد يؤدي إلى تفريغ تدريجي للقرى الحدودية من سكانها، وهو ما يهدد النسيج الاجتماعي والاقتصادي في المنطقة.

وأكد المسؤولون الذين طلبوا عدم ذكر أسمائهم، أن تعزيز الخدمات الأساسية، خصوصا التعليم والبنية التحتية والدعم الاقتصادي، يشكل عاملا حاسما في تثبيت الأهالي داخل قراهم.

وتتذرع إسرائيل بادعاءات مفادها أن “حزب الله” يعمل على إعادة بناء قدراته القتالية والتسلح بما “يهدد أمنها” وخاصة المستوطنات الشمالية، لتبرر خروقاتها اليومية التي لا تستثني المدنيين بمن فيهم من أطفال ونساء والمنازل والمؤسسات التجارية، وتمنع جهود إعادة الإعمار حتى الفردية منها في كثير من الأحيان.

وكانت الحكومة اللبنانية قد أقرت في 5 أغسطس/ آب 2025، حصر السلاح بما في ذلك سلاح “حزب الله” بيد الدولة، لكن الحزب أكد مرارا أنه لن يسلم سلاحه، مطالبا بانسحاب إسرائيل وإيقاف عدوانها على البلاد، والإفراج عن الأسرى وبدء إعادة الإعمار.

وتواصل إسرائيل خروقاتها لاتفاق وقف إطلاق النار مع “حزب الله” الساري منذ نوفمبر/ تشرين الثاني 2024، ما أسفر عن مئات الشهداء والجرحى، فضلا عن مواصلة تل أبيب احتلال 5 تلال لبنانية سيطرت عليها في الحرب الأخيرة، إضافة إلى مناطق أخرى تحتلها منذ عقود.

وقتلت إسرائيل أكثر من 4 آلاف شخص وأصابت نحو 17 ألفا آخرين، خلال عدوانها على لبنان الذي بدأته في أكتوبر/ تشرين الأول 2023، قبل أن تحوله في سبتمبر/ أيلول 2024 إلى حرب شاملة، توقفت بعد توقيع اتفاق وقف إطلاق النار.

(الأناضول)