برلين ـ: أعلن الرئيس السوري الانتقالي أحمد الشرع تأجيل زيارته التي كانت مقررة إلى برلين هذا الأسبوع، في خطوة تعكس أولوية التطورات الداخلية المتسارعة على الانخراط الدبلوماسي الخارجي، ولا سيما في ظل المواجهات الأخيرة بين القوات الحكومية وقوات سوريا الديمقراطية “قسد” في شمال وشرق سوريا، والتفاهمات التي تلتها.
وأكدت متحدثة باسم الحكومة الألمانية لمجلة دير شبيغل الألمانية أن الزيارة ” تمّ تأجيلها من قبل الجانب السوري”، من دون تحديد موعد بديل، في وقت كانت فيه الزيارة تحظى بمتابعة سياسية وإعلامية واسعة، نظراً لحساسيتها داخلياً في ألمانيا وخارجياً في السياق السوري والإقليمي.
اتفاق أمني يسبق الزيارة
وجاء قرار التأجيل عقب إعلان الشرع التوصل إلى اتفاق مع قائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي، بعد أسابيع من الاشتباكات التي شهدتها مناطق استراتيجية في محافظتي الرقة ودير الزور، وأسفرت عن تغيّر ملموس في موازين السيطرة على الأرض.
وبحسب ما أعلنته الرئاسة السورية، يتضمن التفاهم وقفاً لإطلاق النار، وانسحاب مقاتلي “قسد” إلى شرق نهر الفرات، إضافة إلى إخضاع الوحدات الكردية لإجراءات تدقيق أمني تمهيداً لإدماجها في وزارتي الدفاع والداخلية، في خطوة تصفها دمشق بأنها جزء من مسار “بسط سيادة الدولة على كامل أراضيها”.
كما تنص التفاهمات على انتقال السيطرة الإدارية والعسكرية على المعابر الحدودية وحقول النفط والغاز إلى الحكومة المركزية، وهو بند بالغ الحساسية، نظراً لما تمثله هذه الموارد من أهمية اقتصادية واستراتيجية في مرحلة إعادة الإعمار.
زيارة برلين… رهانات ثقيلة
وكان من المقرر أن تكون زيارة برلين الأولى للشرع منذ تولّيه السلطة، وأن يلتقي خلالها المستشار الألماني فريدريش ميرتس والرئيس الألماني فرانك فالتر شتاينماير وسط توقعات بأن تتركز المحادثات على ملفي إعادة الإعمار وعودة اللاجئين.
وتستضيف ألمانيا قرابة مليون سوري، وصل معظمهم خلال موجة اللجوء الكبرى عامي 2015 و2016، ما يجعل أي نقاش حول العودة مسألة شديدة الحساسية سياسياً واجتماعياً داخل البلاد، خصوصاً في ظل الانقسام الداخلي الألماني بين اعتبارات أمنية وإنسانية وقانونية.
العقدة الكردية: مركزية الدولة أم اللامركزية؟
في جوهر التطورات الأخيرة، يبرز الصراع حول شكل الدولة السورية الجديدة. فبينما تصرّ دمشق على نموذج الدولة المركزية ورفض “ازدواجية السلاح والإدارة”، تطالب القيادات الكردية بضمانات سياسية وإدارية تكرّس قدراً من اللامركزية، وتحدّ من مخاوف التهميش بعد سنوات من إدارة ذاتية فرضتها ظروف الحرب.
وترى الحكومة السورية أن استمرار سيطرة قوة مسلّحة على مساحات واسعة من البلاد، بما تحويه من موارد طبيعية، أمر “غير مقبول”، في حين تعرب القيادات الكردية عن قلقها من هيمنة سلطة مركزية ذات طابع أيديولوجي، ومن غياب آليات واضحة للشراكة السياسية.
ولا يمكن فصل ما يجري شرق الفرات عن السياق الإقليمي والدولي. فقوات سوريا الديمقراطية تُعدّ حليفاً رئيسياً للولايات المتحدة في محاربة تنظيم “الدولة”، ما يضع واشنطن أمام معادلة دقيقة بين الحفاظ على هذا التحالف ودعم السلطة الانتقالية في دمشق، التي برزت بعد إسقاط نظام بشار الأسد أواخر عام 2024.
وفي هذا السياق، وصف المبعوث الأمريكي توم باراك التفاهمات الأخيرة بأنها “نقطة تحوّل حاسمة”، في إشارة إلى رغبة دولية في تجنّب انزلاق الوضع إلى صدام أوسع قد يعيد خلط الأوراق الأمنية في سوريا.
وبينما تبدي برلين انفتاحاً على “صفحة جديدة” مع الحكومة السورية، وفق تصريحات رسمية سابقة، فإن هذا الانفتاح يبقى مشروطاً بالاستقرار الأمني، وبمسار سياسي يضمن وحدة البلاد ويحدّ من موجات لجوء جديدة، أكثر مما يراهن فقط على عودة سريعة للاجئين.
