بصمات على جدار الزمن
بصمات على جدار الزمن
Logo
الشريط الإخباري

*الكلمةُ بينَ الأَصالةِ والواقعيَّة*

*الكلمةُ بينَ الأَصالةِ والواقعيَّة*

*الكلمةُ بينَ الأَصالةِ والواقعيَّة*

الكلمةُ ميدانُ الفكرِ والجمال، ومرقى الصِّدقِ والألقِ والخيال، ومدى الحقيقةِ إلى السُّمو والنُّهوض، ثُمَّ إلى الكفاحِ والنِّضال، ثُمَّ بعدَ ذلك إلى حياةِ الأمانِ والطُّمأنينةِ، فالدَّعةِ الرُّوحيةِ، والرَّوعةِ، والدَّلال...!.
و الكلمةُ كانتْ على الأرضِ منذُ كانتِ الأخيرة، السَّيدةَ الأولى والأميرة. وهي فاتحةُ الفكرِ إلى الحقيقة، بل هي  حقيقةُ الفكرِ العميقِ والمُستنير، وِ التي ليسَ بعدَها حقيقة...!.
و إذا قُدِّرَ لنا أن نتكلَّمَ على الكلمةِ أكثرَ وأكثرَ، وأعمقَ وأعمق، فإنَّا نقولُ بكلِّ ثقةٍ واطمئنان: الكلامُ على الكلمةِ ورسالتِها، هو في الحقيقةِ، وبالضَّرورةِ كلامٌ على حقيقةِ الإنسانِ والكونِ والحياة. و بالتَّالي هو أَحزمةٌ ضوئيَّةٌ، وأضاميمُ رؤىً في فلسفةِ  الوجودِ، وما قبله، وما بعدَه.
من هُنا يُمكنُ القولُ بأنَّ الكلمةَ الرَّاقيةَ على اختلافِ أنواعها وأنماطها، فكراً كانتْ أم أدباً، تاريخاً كانتْ أمْ علومَ اقتصادٍ أو اجتماع، إنَّما هي تلكَ التي زُرعتْ في ظلالِ وأفياءِ حقيقةِ الوجود، ووُلِدتْ مُنسجمَةً مع هذه الحقيقة، ولأجلِ خدمتِها بوجهٍ من الوجوه.
و من هُنا أيضاً، غدا الكلامُ على الكلمةِ، كلاماً على رسالةٍ مكتملةِ الصِّفاتِ، من حيثُ امتلاكُها المُقدِّماتِ الموضوعيَّةَ لتوصيفِها، وتحميلِها الأبعادَ الرِّسالية...!.
و الحقيقةُ ومجرى البحثِ العقلي للموضوعِ الذي نحنُ بصددِهِ، يُحتِّمُ علينا أيضاً، النَّظرَ في تجلِّياتِ الأمرِ الذي نتجوَّلُ في أدواحِهِ، ونُقيمُ في رُدهاتِه. كما أنَّ التَّشعباتِ الكثيرةَ لهُ، تُوجبُ إجالةَ القلبِ في المناحي المتعدِّدةِ لتلكَ الفُيوضِ الحرفيَّةِ بما تتضمَّنُهُ وتحتملُهُ في دائرتي العقلِ والانفعال، و ذلكِ في سياقِ القراءةِ المتأنِّيةِ والواعية لحقيقةِ الأمرِ المبحوثِ فيه.
و إذا قُدِّرَ لنا أن ننطلقَ من أجواءِ الشِّعرِ قبلَ الفكرِ، كي نسلِّطَ الضَّوءَ على ما نبحثُهُ، يلفتُنا وجودُ نمطينِ أو أكثر، ونحنُ نقلِّبُ في صفحاتِ شُعرائنا. النَّمطُ الأوَّلُ واقعيٌّ حدَّ الدُّخولِ في متاهةِ الأَزَماتِ، وحدَّ السَّذاجةِ في إبرازِ بعضِ الصُّورِ الحِكَميَّةِ، والتي تفتقدُ إلى العمقِ في الذي تُريدُ إبرازَ واقعِهِ، لذا نراها باهتةً، وغيرَ دقيقةٍ في تجلِّياتِها التي كانَ عليها مُخاصرةُ اللَّوامع.

يقولُ الشَّاعر أحمد شوقي:

" و إنَّما الأُممُ الأخلاقُ ما بقيتْ

فإنْ هُمُ ذهبتْ أخلاقُهم، ذهبوا".
المُدقِّقُ في واقعِ نهضةِ الأممِ، يرى أن انتقالَ حالِها من الحضيضِ الظَّلامي إلى الشَّاهقِ النُّوراني، هو أمرٌ مرتبطٌ بارتقاءِ الأفكارِ لدى الأمم، والذي لا يتأتى إلَّا في سياقِ الارتقاءِ العقديِّ، الذي يُحيلُ الأفكارَ إلى مفاهيمَ مؤثِّرةٍ في السُّلوك، ومديرةٍ له في أداءٍ يُترجمُ مفاعيلَ المعاني العقيديَّة في ضبطِ الميولِ أثناءَ السّعي لإشباعِ الحاجاتِ العضويَّةِ والغريزيَّة. وبالتَّالي بقاءُ الأممِ في معتركِ الرُّقي والفاعليَّةِ الإيجابيَّة، مرتبطٌ حُكماً بمنظومةِ أفكارِها أولاً، والتي تُبدعُ أخلاقها، وليسَ العكس، أو خلافَ ذلك.
من هُنا كانَ العمقُ الفكريُّ المستنيرُ يستوجبُ على شاعرنا شوقي أنْ يقولَ:

" و إنَّما الأُممُ الأفكارُ ما بقيتْ

فإنْ هُمُ ذهبتْ أفكارُهم، ذهبوا" ؛
 و إذَّاكَ يكونُ أداءُ الشَّاعرِ ذا حولٍ وطَوْلٍ فكريين، و مُسترسلينِ في العمقِ والاستنارة.
و خلافَ ما وقعَ فيهِ أميرُ الشُّعراء، نراهُ في قولِ الشَّاعرِ، كاتبِ هذه السُّطور:

" بالفكرِ نبني صُروحَ العِزِّ والأَلَقا

وبالعُلومِ نجوبُ اليمَّ والأُفُقَا

ونعتلي صهواتِ المجدِ في خفرٍ

لا يعتليها امرؤٌ قد ذلَّ أو أبقا".
واضحٌ من كلامِ شاعرنا، أنَّ السَّبيلَ إلى زمانِ العزِّ والمجد والسُّؤددِ، مرتبطةٌ عُضويَّاً بالفكرِ السَّامي، ذلكَ القارىءِ حقيقة الكون والإنسان والحياة، وَفْقَ أُصولِ البحث العقليِّ المستغرقةِ في العمقِ والتَّجلي. وواضحٌ أيضاً أنَّ السَّبيلَ إلى اكتشافِ عالمِ الآفاق والبحارِ وسواها، من مقتضياتِ العيشِ الرَّغيدِ والمُريحِ للكينونةِ الآدميَّة، يتطلَّبُ مهاراتٍ علميَّةً، وأنَّ هذهِ وتلك، لا ينبري إليهما معاً، بشفافيةٍ وصدقٍ وأمانةٍ رفيعةِ الحضُور، سوى المخلصين من أهلِ الفكرِ الصَّادق، والقرارِ الصائبِ المرتكزِ إلى إرادةٍ سياسيةٍ لا تعرفُ إلَّا انتماءَها المستنيرِ والخضوعَ لمعانيهِ الصَّواعدِ في مراقي الطَّاعةِ والمجد.
 و هُنا  لا بُدَّ من الإشارة،  إلى أنَّ مَجالَ الإبداع العلميِّ، أَمرٌ ممكنٌ لكلِّ جادٍّ ممتَلِكٍ فحوى السَّبيلِ إليه؛ لكنَّ الأَمنةَ والسَّلامَ والشُّعورَ بمآلاتِ الطُّمأنينةِ، لا يُمكنُ بلوغُ مراتبها ومراقيها من دونِ امتلاكِ صمَّام الأمان، والذي هوَ الفكرُ المندغمُ مع حقيقةِ وكُنهِ الماورائيَّات، والباني فلسفتهُ المُدبِّرة للسُّلوكاتِ وَفْقَ تلكَ الحقيقةِ القاطعةِ واليقينيَّة.
و لعلَّ النَّظرَ في صحائفِ التَّاريخِ، و الذي هو في الحقيقةِ: " سِجِلٌّ لأَحداث سياسيَّة"، يجعلنا نقفُ على مشاهدَ مُروِّعة ومخيفة في أداءاتها العمليَّةِ، وفي ممارستها لواقعِ رعايةِ الشَّأن. و ما الحرب المُدمِّرة التي شنَّتها الولاياتُ المُتَّحدةُ الأمريكيَّة على اليابان في هيروشيما ونجازاكي، سوى شاهدٍ على الصُّورةِ السَّوداء والقاتمة، لِمَا يكونُ عليهِ أثرُ العلم على الحياةِ وأهليها، في حالِ غيابِ الرؤيا العقديَّة الصحيحة للكون  والوجود، والتي تقومُ عليها الفلسفةُ الممارساتيَّة في دائرةِ العملِ والفعل.
والأَمرُ نفسُهُ، يُمكنُ أن تُوصَّفَ بهِ سائرُ الحُروبِ التي قضَّتْ مضاجعَ البشريَّةِ، وسلبتْ منها نِعَمَ التَّلبسِ بأَمداءِ وأثوابِ الأَمن والسَّلام.
و العَودةُ إلى واقعِ الكلمةِ بوصفها الفكريِّ، و كونها مِفتاحاً لمعنى الحُضور الآدميِّ على الأرض، يقودُنا إلى النَّظرِ في الأَفكارِ المُؤسِّسَةِ للأفعال، والتي تتحكَّمُ في إدارةِ السِّياسةِ  العالميَّة والموقف الدَّولي، ما يضعُنا وجهاً لوجهٍ أمامَ نتاجاتِ كارل ماركس وجان جاك روسو وسواهما من أعلامِ الفكرين الاشتراكي والرأسمالي، وصولاً إلى أُمِّ الحقائقِ بشأنِِ واقعِ هاتين الإيديولوجيَّتين المُخالفتين في قراءتهما معنى الوجود والكون والحياة، و بالتالي يضعُنا أمامَ النَّتائجِ المُهْلِكَةِ لمضامينِ الإنسانيَّةِ في اكتواءاتها وتعثراتها من سلبيَّةِ وخطأ الفكر، حينَ يرى الأمور على غيرِ حالها،  وحينَ يُجانبُ الواقعَ الصحيحَ والفقهَ المستنيرَ لحقائق الوجود، بما ينبثقُ عنهُ من أفكار ومفاهيم ترعى وتضبط الفعل الآدميَّ بعيداً عن جوهرِ ما يجبُ أن يكونَ عليه.

------------
مَروان مُحَمَّد الخطيب