أفادت معلومات “ليبانون ديبايت” بأن النائب العام التمييزي القاضي أحمد رامي الحاج أصدر قراراً بتسليم اللواء السوري السابق عادل عيسى إلى السلطات السورية، في خطوة تفتح الباب أمام سابقة شديدة الحساسية، ليس فقط في ملف عيسى، بل في طريقة تعامل الدولة اللبنانية مستقبلاً مع السوريين المطلوبين من دمشق.
ويستند قرار التسليم إلى الاتفاق القضائي الموقّع بين لبنان وسوريا في دمشق بتاريخ 25 شباط 1951، والذي صُدّق عليه في لبنان بموجب قانون صادر في 27 تشرين الأول من العام نفسه، وينظّم، من بين أحكامه، مسألة تسليم المطلوبين بين البلدين.
وعيسى، القائد السابق للفرقة 17 في الجيش السوري، لم يُعتقل في عملية أمنية بعد تعقّب طويل، بل بدأت قصته عندما توجّه إلى السفارة السورية في بيروت لإنجاز معاملة إدارية، حيث جرى احتجازه بعدما تبيّن أنه مطلوب، قبل أن يرسل القضاء اللبناني دورية من المباحث الجنائية المركزية إلى السفارة، فأوقفته ونقلته إلى نظارة قصر العدل.
ومنذ تلك اللحظة، سار الملف سريعاً: توقيف، طلب للملف القضائي من دمشق، بحث في الاسترداد، وصولاً اليوم إلى قرار التسليم.
لكن خطورة القضية تبدأ من هنا.
فتسليم عيسى من شأنه أن يضع لبنان مباشرة تحت مجهر المنظمات الحقوقية اللبنانية والدولية، ويفتح نقاشاً واسعاً حول مسؤولية الدولة اللبنانية عن مصير الشخص الذي تقرر تسليمه، خصوصاً في ظل واقع قضائي وأمني سوري يثير أسئلة جدية حول عقوبة الإعدام وظروف الاحتجاز.
فالمحاكم السورية أصدرت في 11 آب 2026 أحكاماً بالإعدام بحق بشار الأسد وماهر الأسد وعدد من مسؤولي النظام السابق، ومن بينهم عاطف نجيب الذي كان موقوفاً ويُحاكم حضورياً، ما يؤكد أن عقوبة الإعدام ليست احتمالاً نظرياً في الملفات المرتبطة بمسؤولي النظام السابق.
واللافت أن قرار تسليم عيسى يتزامن مع صدور حكم جديد، اليوم في 18 آب 2026، عن محكمة الجنايات الرابعة في دمشق، قضى بإعدام وسيم الأسد، ابن عم الرئيس السوري السابق بشار الأسد، بعد محاكمة حضورية.
وهو تطور يضيف ثقلاً إضافياً إلى الأسئلة المتعلقة بالضمانات التي حصل عليها لبنان قبل اتخاذ قرار التسليم.
والأخطر أن المسألة لا تقتصر على الإعدام. فالتقارير الحقوقية الحديثة توثق استمرار حالات التعذيب وسوء المعاملة والوفاة داخل مراكز الاحتجاز في سوريا بعد سقوط النظام السابق، وقد وثّق المرصد السوري لحقوق الإنسان وفاة عشرات الأشخاص في مراكز احتجاز تابعة للسلطات الحالية خلال عامي 2025 و2026. كما أعادت وفاة موقوف بعد تعرضه للضرب في آب الحالي فتح ملف الانتهاكات داخل أماكن الاحتجاز.
وقد ظهرت أيضاً مواد مصورة وتقارير حقوقية توثق حالات تعذيب في سوريا خلال المرحلة الحالية، ما يجعل مسألة سلامة أي شخص يجري تسليمه إلى دمشق جزءاً أساسياً من المسؤولية التي تتحملها الدولة التي تقوم بالتسليم.
وهنا تكمن خطورة قرار تسليم عادل عيسى: القضية لم تعد مرتبطة بشخصه أو بتاريخه، ولا تشكل دفاعاً عنه أو عن أي مسؤول في النظام السابق، بل تتعلق بالسابقة التي تؤسس لها الدولة اللبنانية عندما تسلّم شخصاً إلى دولة قد يواجه فيها الإعدام أو سوء المعاملة.
والمفارقة أن لبنان كان، طوال سنوات، يواجه مطالب بإعادة معارضين سوريين إلى نظام بشار الأسد، وكان هذا المسار يصطدم باعتراضات حقوقية واسعة بسبب المخاطر التي قد تنتظرهم عند إعادتهم. أما اليوم، وبعد تبدّل السلطة في دمشق، فإن الخطر نفسه يعود، ولكن في الاتجاه المعاكس: تسليم شخصيات محسوبة على النظام السابق إلى السلطة الجديدة.
وهذه السابقة قد تفتح على لبنان تداعيات حقوقية وقانونية كبيرة، وتضع مؤسساته أمام أسئلة من منظمات دولية حول الضمانات التي حصل عليها قبل التسليم، ومدى تأكده من عدم تعرض عيسى للإعدام أو التعذيب أو المعاملة القاسية.
لذلك، لا تنتهي القضية عند توقيع قرار التسليم، بل ربما تبدأ المشكلة الحقيقية بعده.
فإذا سُلّم عادل عيسى إلى دمشق، ثم تعرض للإعدام أو التعذيب أو سوء المعاملة، فإن السؤال لن يبقى محصوراً بما فعلته السلطات السورية، بل سينتقل حكماً إلى بيروت: ماذا كانت تعرف الدولة اللبنانية قبل التسليم؟ وما الضمانات التي حصلت عليها؟ ولماذا قررت المضي به رغم المخاطر المعروفة؟
