نشرت صحيفة “واشنطن بوست”تقريرا أعده كليف ووتسون جونيور وراشيل تشاسون قالا فيه إن الرئيس دونالد ترامب وقّع، قبل ستين يوما، وبينما كان يجلس إلى جانب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على مأدبة عشاء فاخرة بقصر فيرساي، مذكرة تفاهم مع إيران، معلنا بذلك بداية النهاية للصراع الأمريكي مع طهران.
وقد أعلن البيت الأبيض أن هذا “الاختراق التاريخي” سيؤدي إلى إعادة فتح مضيق هرمز وضمان عدم حصول إيران مطلقا على سلاح نووي. كما صرح مستشارو ترامب بأن الاتفاق سيُثبت قدرة الرئيس على إنهاء -وليس إطالة أمد- “الحروب التي لا تنتهي” في الشرق الأوسط، وهي الحروب التي طالما انتقدها ترامب لسنوات.
وحدد الاتفاق مهلة شهرين لإجراء محادثات تهدف إلى تحويل الهدنة المؤقتة إلى خطوة أكثر طموحا: تسوية شاملة للمواجهة المستمرة منذ عقود بشأن البرنامج النووي الإيراني.
لكن تلك المهلة قد انقضت الآن، والحرب لم تنته ولا يزال مضيق هرمز مغلقا إلى حد كبير، كما أن المفاوضات التفصيلية حول البرنامج النووي الإيراني لم تبدأ من الأساس.
واستأنفت الولايات المتحدة حصارها للموانئ الإيرانية، في حين تطالب طهران بتنازلات رفضتها إدارة ترامب. وعلاوة على ذلك، تنصلت الإدارة علنا من عدة بنود رئيسية وردت في تلك المذكرة المتعثرة، بما في ذلك وضع خطة تتضمن تخصيص “ما لا يقل عن 300 مليار دولار لإعادة إعمار وتنمية” إيران، وإعفاء من العقوبات للسماح لإيران ببيع النفط، وإجراء “حوار” بين إيران وسلطنة عمان حول كيفية إدارة مضيق هرمز.
ووصل الأمر بترامب يوم الاثنين إلى حد التهديد بقصف سلطنة عمان بسبب محادثاتها مع إيران حول إدارة المضيق، الذي كان يمر عبره سابقا 20% من إمدادات النفط العالمية. وطالب ترامب إيران برفع “الراية البيضاء للاستسلام”، مشددا في الوقت ذاته على أن انتخابات التجديد النصفي الوشيكة أو مرور الوقت لا يشكلان أي ضغط عليه للتوصل إلى اتفاق.
وقال ترامب: “ليس لدي جدول زمني. لست في عجلة من أمري. ولا علاقة لانتخابات التجديد النصفي بتفكيري”.
بعد ستة أشهر من شنه هجمات على إيران بالتنسيق مع إسرائيل، وقبل 78 يوما من انتخابات ستحدد ما إذا كان حزبه سيحتفظ بالسيطرة على الكونغرس، يواجه ترامب صراعا مفتوحا – وهو النوع من الصراعات الذي ادعى سابقا أنه يمتلك قدرة فريدة على تجنبه – إذ لا يوجد حل عسكري واضح، ولا اختراق دبلوماسي يلوح في الأفق، فضلا عن تزايد التكاليف الاقتصادية والسياسية في الداخل.
وينطوي استمرار المواجهة على خطر أن يجد نفسه رئيسا لحرب تقوّض أحد الركائز الأساسية لهويته السياسية.
وقال لي ميرينغوف، مدير معهد الرأي العام بجامعة “ماريست”، إن الحرب ساهمت في تآكل ثقة الناخبين في ترامب، وقد تكون لها تداعيات أكبر في انتخابات التجديد النصفي.
وأضاف ميرينغوف: “بالنسبة للكثير من الناخبين، ترتبط الحرب مع إيران بالاقتصاد؛ فعندما أُغلق المضيق، ارتفعت أسعار الوقود. وتكمن المشكلة بالنسبة للرئيس ترامب والجمهوريين في أن الكثير من الوعود التي انتُخب على أساسها لا يبدو أنها تتحقق. لذا، يسود شعور بعدم وجود مبرر منطقي لدخولنا هذه الحرب، وغياب الرؤية الواضحة لمسارها، وانعدام أي مؤشر حول كيفية الخروج منها؛ وهو ما يتناقض تماما مع مقومات العمل السياسي الناجح”.
غير أن مسؤولين في الإدارة يقولون إن البيت الأبيض يعول كثيرا على أمل أن تدفع حملة الضغوط الاقتصادية الأمريكية إيران إلى نقطة الانهيار.
قال جاريد كوشنر، صهر الرئيس ومبعوثه، في مقابلة مع شبكة “فوكس نيوز” يوم الاثنين: “لقد ركز الرئيس ترامب بشدة على الضغوط الاقتصادية”. وأضاف: “إذا نظرت إلى الاقتصاد الإيراني، فستجده في وضع أسوأ بكثير؛ فقد كان سيئا قبل الحرب، وأصبح أسوأ بكثير الآن”.
ومع ذلك، أشار كوشنر إلى أن إيران “لا تبدي حتى الآن أي اهتمام بالقيام بخطوة منطقية بالنسبة لنا”.
ويشير المسؤولون إلى عدة مؤشرات، منها الارتفاع الهائل في معدلات التضخم في إيران، وانخفاض قيمة العملة إلى مستويات قياسية، وتراجع عائدات النفط والضرائب، وتزايد تكاليف إعادة الإعمار، وتصاعد الضغوط على النظام المصرفي.
ووفقا لرؤية الإدارة الأمريكية، فإن هذه الضغوط تتجاوز تأثيرها المواطنين الإيرانيين العاديين لتبدأ في طال نخب البلاد أيضا، مما يؤدي إلى تآكل القوة الشرائية وخلق حالة من عدم اليقين حتى بشأن دفع الرواتب الحكومية.
لكن الولايات المتحدة تمارس ضغوطا اقتصادية على إيران منذ عقود، وحتى في أفضل السيناريوهات بالنسبة لترامب، فمن المرجح أن تستغرق أحدث التحركات أشهرا عديدة لتؤتي ثمارها.
وقال آلان آير، وهو دبلوماسي سابق كان عضوا في فريق التفاوض الأمريكي الذي أبرم الاتفاق النووي الإيراني عام 2015، إن أي معاناة اقتصادية سيتحملها الشعب الإيراني في المقام الأول، بدلا من أن تؤدي إلى إحداث تغيير في النظام الذي يزداد تشددا.
وقال آير، الذي أصبح زميلا دبلوماسيا بارزا في “معهد الشرق الأوسط”: “لا تملك الولايات المتحدة خيارات جيدة فهذه الحرب حطمت نظاما معقدا، ولن يعود الوضع إلى ما كان عليه قبل 28 شباط/ فبراير”.
وفي غضون ذلك، تراجع وضع ترامب مع استمرار الحرب لفترة طويلة. واللافت للنظر أن استطلاعات الرأي تظهر تراجعا في الدعم بين الجمهوريين، الذين كان ولاؤهم القوي يمثل ركيزة القوة السياسية لترامب.
وقد أظهر استطلاع للرأي أجرته مؤسستا “إيكونوميست” و”يوغوف” ونشر الأسبوع الماضي، أن نسبة تأييد ترامب بين الجمهوريين بلغت 79% وهو أدنى مستوى له خلال ولايته الثانية. كما شهدت نسبة الجمهوريين الذين يؤيدون أداءه بقوة انخفاضا أكثر حدة، إذ تراجعت من 68% إلى 48%. وأظهر استطلاع للرأي أجرته صحيفة “واشنطن بوست” ومؤسسة “إبسوس” الشهر الماضي انخفاضا قياسيا في نسبة الأمريكيين الذين “يؤيدون بشدة” أداء ترامب الوظيفي، لتصل إلى 15% فقط. وكانت هذه هي المرة الأولى التي يكشف فيها الاستطلاع أن نسبة كبيرة -تتجاوز بوضوح نصف المؤيدين لترامب- تكتفي بتأييده “إلى حد ما” بدلا من تأييده بقوة.
ولا يمكن عزو هذا التراجع إلى الحرب مع إيران وحدها، فقد أبدى الناخبون أيضا استياءهم من التضخم وأسعار الوقود وجوانب أخرى من فترة رئاسة ترامب. غير أن هذه القضايا أصبحت مترابطة بشكل متزايد؛ إذ ساهمت الحرب واستمرار تعطل شحنات النفط في تحويل المأزق الذي يواجهه ترامب في سياسته الخارجية إلى مشكلة اقتصادية وسياسية داخلية من جانبه، قال روبرت كاغان -وهو زميل بارز في معهد “بروكينغز” وكاتب غزير الإنتاج حول القوة الأمريكية والسياسة الخارجية- إن الخيارات العسكرية الجذابة المتاحة أمام ترامب فيما يتعلق بإيران محدودة، وإن الولايات المتحدة فقدت فعليا السيطرة على مضيق هرمز في المستقبل المنظور، مما يجعل الإدارة تعتمد بشكل متزايد على الضغوط الاقتصادية.
لكن كاغان أشار إلى أن هذه الانتكاسة قد لا تؤدي بالضرورة إلى أضرار سياسية دائمة لترامب، فإذا ظلت أسعار الوقود مستقرة نسبيا وتجنبت الولايات المتحدة الانخراط في حرب مسلحة طويلة الأمد، فقد تتراجع قضية إيران تدريجيا عن دائرة اهتمام الناخبين.
وقال كاغان: “يمكنني تصور سيناريو لا يكترث فيه غالبية الأمريكيين بالهزيمة الاستراتيجية التي تعرضنا لها، طالما أننا لا نتبادل إطلاق النار مع إيران ولا تشهد أسعار الوقود ارتفاعا. إذ يمكنه تحقيق مكسب سياسي من هزيمة عسكرية كارثية، شريطة أن ينجح في صياغة الرواية المناسبة لناخبيه”.
