بصمات على جدار الزمن
بصمات على جدار الزمن
Logo
الشريط الإخباري

إثيوبيا تهدد 109 ملايين مصري بالعطش… تصاعد الصراع على النيل

إثيوبيا تهدد 109 ملايين مصري بالعطش… تصاعد الصراع على النيل

تزامنت تصريحات وزير المياه والطاقة الإثيوبي، هابتامو إيتيفا، التي قال فيها إن تدفق مياه النيل باتجاه دول المصب سيكون تحت سيطرة بلاده، مع الاحتفال السنوي في مصر بـ”وفاء النيل” في الخامس عشر من أغسطس/ آب من كل العام، ما يمثل رأس السنة المصرية القديمة.

وبينما التزمت الحكومة المصرية الصمت، أمام تصريحات الوزير الإثيوبي التي أعلن فيها أن بلاده تعتزم المضي قدماً في بناء سدود إضافية على النيل، إلا من تصريح نقلته وكالة الشرق الأوسط “الرسمية” عن مصدر لم تعرفه اكتفى فيه بالتأكيد على أن القاهرة لديها أدوات متعددة ومتشعبة للدفاع عن مصالح الشعب المصري، وأنها لن تسمح بسيطرة أي أطراف على تدفقات المياه لدول المصبّ، اعتبر سياسيون وخبراء أن الأزمة بين القاهرة وأديس أبابا، باتت وجودية.

يمثل نهر النيل نحو 97% من موارد المياه المتجددة في مصر، حيث يوفر الحصة الأكبر من الاحتياجات اللازمة لـ109 ملايين مواطن هم تعداد المصريين في الداخل

ويمثل نهر النيل نحو 97% من موارد المياه المتجددة في مصر، حيث يوفر الحصة الأكبر من الاحتياجات اللازمة لـ109 ملايين مواطن هم تعداد المصريين في الداخل، من حيث مياه الشرب والمياه اللازمة لقطاعي الزراعة والصناعة.

وتتضمن المخططات الإثيوبية المعلنة إنشاء ثلاثة سدود إضافة للنهضة، هي سد مندايا بسعة 27.7 مليار متر مكعب، وسد بيكوابو بسعة 32 مليار متر مكعب، وسد كاردوبي بسعة 40.4 مليار متر مكعب، ليبلغ إجمالي التخزين المحتمل في السدود الأربعة نحو 200 مليار متر مكعب. وتتمثل الخطورة في أن فاقد التبخر من بحيرات هذه السدود يتراوح بين 2 و3 مليارات متر مكعب سنويًا لكل سد، مما يقلص الحصة السنوية المحددة بـ 55.5 مليار متر مكعب بموجب اتفاق عام 1959.

جريمة

وقال الدكتور محمد محمود مهران، أستاذ القانون الدولي العام الأمين العام للجنة الدولية للدفاع عن الموارد المائية، إن سعي إثيوبيا للهيمنة على مورد مائي دولي مشترك جريمة يُجرّمها القانون الدولي بنصوص صريحة لا تقبل التأويل.

وأكد، في بيان، أن ما صرّح به الوزير الإثيوبي يُشكّل انتهاكاً موثقاً لثلاثة نصوص دولية ملزمة في آنٍ واحد، الأول المادة السابعة من اتفاقية الأمم المتحدة لعام 1997 للمجاري المائية الدولية التي تحظر على دول المنبع اتخاذ إجراءات تُلحق ضرراً جسيماً بدول المصب، والسيطرة على تدفقات النيل تلحق ضرراً أكثر من جسيم لدولة تعتمد على 97% من مياهها على هذا النهر.

وتابع: “الانتهاك الثاني يأتي تأسيساً على المواد الحادية عشرة إلى التاسعة عشرة من الاتفاقية ذاتها التي تُلزم بالإخطار المسبق والتشاور الإلزامي قبل تنفيذ أي مشروعات مائية جديدة، والمادة الثالثة من إعلان المبادئ الثلاثي الموقّع بين مصر وإثيوبيا والسودان عام 2015 التي التزمت فيه إثيوبيا بعدم إحداث ضرر جسيم لدولتَي المصب”.

وشدد على أن ما قاله الوزير الإثيوبي يعني بلغة إنسانية بسيطة أن إثيوبيا تدّعي حق تحديد كمية الماء الذي يشربه 100 مليون مصري، مشدداً على أن هذا تحدٍّ وجودي لدولة ذات سيادة.

وحدد مهران خارطة طريق قانونية عاجلة بثلاثة محاور لا تحتمل التأجيل، وهي توجيه إخطار رسمي فوري لمجلس الأمن الدولي بموجب المادة الثالثة والثلاثين من ميثاق الأمم المتحدة باعتبار هذه التصريحات تهديداً للأمن المائي لدولة عضو، وثانياً العمل في كافة المحافل الدولية لفضح الانتهاكات الإثيوبية وجذب دعم المجتمع الدولي للضغط على أديس أبابا لوقف هذه الانتهاكات والوصول إلى اتفاق يلجمها، وثالثاً تحشيد تحالف إفريقي من دول حوض النيل المتضررة لمواجهة منطق السيطرة الأحادية قبل أن يتحول من تصريح إلى سياسة مطبقة.

تهديد مباشر

كذلك، وصف الدكتور محمد نصر الدين، وزير الموارد المائية والري الأسبق، تصريحات الوزير الإثيوبي، بالتخاريف التي تحمل تهديدًا مباشرًا لدولتي المصب وتصعيدًا خطيرًا في ملف مياه النيل.

وقال، في منشور عبر صفحته الشخصية على “فيسبوك”، إن تصريحات المسؤول الإثيوبي عدائية، وتتضمن تهديدًا مباشرًا لمصر والسودان بشأن التحكم في حصتيهما المائية، إلى جانب ما تحمله من تصعيد عبر الإعلان عن إنشاء سدود جديدة على مجرى النهر، بخلاف سد النهضة، بما يستهدف إحكام السيطرة على التصرفات المائية بالنهر.

وبين أن بناء مثل هذه السدود على مجرى النهر من شأنه حجز كميات أكبر من المياه وخصمها من حصتي مصر والسودان، فضلًا عن وجود فواقد التخزين الناتجة عن البخر والرشح، والتي ستمثل خصمًا من الإيراد الطبيعي لروافد الأنهار الإثيوبية.

إلى ذلك، قال المستشار أحمد صابر، المنسق العام لاتحاد المواطن المصري بالخارج ومسؤول الجالية المصرية في قطر، إن التصريحات الإثيوبية الأخيرة بشأن إنشاء سدود جديدة على نهر النيل تكشف عن نهج مقلق يتجاوز حدود الخلافات السياسية، ويفتح الباب أمام تهديد مباشر للاستقرار الإقليمي وحقوق دولتي المصب.

وأكد أن مصر لا تتعامل مع نهر النيل باعتباره ملفًا تفاوضيًا عابرًا، وإنما باعتباره شريان حياة يرتبط بأمن الدولة ومستقبل شعبها، مشددًا على أن أي محاولات للتحكم المنفرد في تدفقات المياه أو تغيير قواعد التعامل مع النهر تمثل مساسًا مباشرًا بالأمن القومي المصري.

تكريس واقع جديد

وأضاف أن أخطر ما في التصريحات الإثيوبية هو أنها تأتي في سياق متكرر من الخطوات الأحادية، بما يعكس رغبة في تكريس واقع جديد على الأرض ثم مطالبة الآخرين بالتعامل معه كأمر واقع، وهو نهج لا يخدم السلام ولا الاستقرار في القارة الإفريقية.

وأشار صابر إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب تكثيف التحرك المصري على المستوى الدولي، وشرح حقيقة الموقف المصري للرأي العام العالمي، خاصة في ظل محاولات تقديم قضية النيل باعتبارها مجرد مشروع تنموي إثيوبي، بينما الحقيقة أن أي إجراءات أحادية متعلقة بمجرى النهر تنعكس بشكل مباشر على حياة الملايين في مصر والسودان.

وشدد على أهمية دور المصريين في الخارج في دعم الدولة المصرية والتعريف بموقفها في مختلف المحافل، مؤكدًا أن الجاليات المصرية بالخارج تقف إلى جانب مؤسسات الدولة في كل ما يتعلق بحماية الأمن القومي والمائي، وأن الدفاع عن حقوق مصر ليس مسؤولية الداخل وحده، بل مسؤولية كل مصري في أي مكان.

في حين، أكد النائب عمرو رشاد، عضو لجنة الإسكان والإدارة المحلية والنقل في مجلس الشيوخ، وعضو لجنة القيم، أن التصريحات الإثيوبية الأخيرة شديدة الخطورة، وتعكس إصرارًا على التعامل مع نهر النيل باعتباره شأنًا إثيوبيًا خالصًا، رغم ارتباطه المباشر بحياة وأمن شعوب دول المصب.

وقال إن مصر تعاملت طوال السنوات الماضية مع ملف سد النهضة بمنتهى المسؤولية، وأعطت للمفاوضات والمسارات الدبلوماسية فرصة كاملة، إلا أن استمرار التصعيد الإثيوبي وطرح مشروعات جديدة دون توافق يؤكد أن هناك محاولات متكررة لتثبيت سياسة الأمر الواقع، وهو ما لا يمكن أن تقبله الدولة المصرية.

وأضاف أن الحديث عن بناء سدود إضافية والتحكم في موارد النيل لا يمثل مجرد تصريحات سياسية، وإنما يمس صميم الأمن القومي المصري، موضحًا أن مياه النيل بالنسبة لمصر قضية حياة ووجود، ولا يمكن إخضاعها لحسابات النفوذ أو المناورات الإقليمية.

وشدد على ضرورة أن تتحول الرسالة المصرية خلال المرحلة المقبلة إلى موقف أكثر حسمًا، يقوم على منع أي خطوات أحادية جديدة قبل وقوعها، وعدم السماح بأن يتحول الأمر إلى سلسلة متتالية من المشروعات التي تفرض واقعًا جديدًا ثم تبدأ بعدها المفاوضات حوله.

ولفت إلى أن مصر تمتلك أوراقًا سياسية ودبلوماسية واقتصادية واستراتيجية متعددة، وأن التعامل مع التهديدات التي تطال الأمن المائي يجب أن يكون وفق رؤية شاملة تضع حماية المصالح المصرية في مقدمة الأولويات، مؤكدًا أن قوة الدولة لا تقاس فقط بما تقوله، وإنما بقدرتها على تحويل مواقفها إلى سياسات مؤثرة.

وأكد رشاد أن مصر لا تبحث عن مواجهة مع أي دولة، لكنها في الوقت ذاته لا يمكن أن تقبل تهديد أمنها المائي أو المساس بحقوق شعبها، موضحًا أن ضبط النفس المصري لا يجب أن يُفسر بأي حال من الأحوال باعتباره ضعفًا أو تراجعًا عن الحقوق.

واختتم رشاد بالتأكيد على أن قضية النيل ستظل في مقدمة دوائر الأمن القومي المصري، وأن أي طرف يعتقد أن بإمكانه تغيير قواعد اللعبة من خلال خطوات أحادية أو مشروعات جديدة عليه أن يدرك أن مصر تملك من أدوات القوة والقدرة على حماية مصالحها ما يكفل عدم فرض أي أمر واقع يمس حقوقها المائية أو مستقبل أجيالها.

وأيضًا، حذر الإعلامي نشأت الديهى من أن التصعيد الإثيوبى بشأن مياه النيل يدفع ملف الأمن المائي المصري إلى مرحلة جديدة، مؤكدًا أن التعامل مع القضية لم يعد مرتبطًا بأزمة سد النهضة وحدها أو بقواعد الملء والتشغيل، وإنما أصبح متعلقًا بأمن نهر النيل بالكامل.

وقال خلال تقديم برنامجه “بالورقة والقلم” على فضائية “تن”، إن هناك تصعيدًا إثيوبيًا واضحًا ومنهجيًا ومخططًا، مشددًا على أن مصر تتعامل مع مياه النيل باعتبارها قضية أمن قومي وحياة ملايين المصريين.

وبين أن القانون الدولي يجب أن تكون المرجعية الحاكمة للخلاف بين مصر وإثيوبيا، مشيرًا إلى أن القاهرة تمتلك خيارات متعددة للتعامل مع تطورات ملف سد النهضة، وإن كانت “قد تكون مؤلمة”.

وأكد أن ما حدث خلال ملف سد النهضة لن يتكرر في أي تحركات مستقبلية لإقامة سدود جديدة على النيل الأزرق، قائلًا إن مصر “لن تسمح بتكرار السيناريو نفسه مع إقامة سدود جديدة”.

ولفت إلى أن القاهرة منحت إثيوبيا فرصًا عديدة للتوصل إلى تفاهمات بشأن قضية المياه، إلا أن الجانب الإثيوبي، حسب قوله، لم يقرأ الرسائل المصرية على حقيقتها.

وأضاف أن الفترة التي مرت فيها مصر بحالة من الفوضى شهدت تطورات في ملف سد النهضة، معتبرًا أن الظروف المحيطة بتلك المرحلة سمحت بحدوث ما حدث، قبل أن تستعيد الدولة المصرية قدرتها على التعامل مع الملف.

أُطلق مشروع سد النهضة الإثيوبي الكبير في 2011 بميزانية بلغت 4 مليارات دولار، ويعد أكبر مشروع كهرومائي في إفريقيا، إذ يبلغ عرضه 1.8 كيلومتر، وارتفاعه 145 مترًا

وكان هاني سويلم، وزير الموارد المائية والري المصري، سبق وقال إن الموقف الوطني بشأن ملف السدود الإثيوبية يتسم بالثبات التام والوضوح المطلق في مواجهة أي تحركات تستهدف المساس بالحقوق المائية التاريخية.

وشدد الوزير خلال تصريحاته الأخيرة على أن المخططات التي تروج لها أديس أبابا لإنشاء سدود جديدة على مجرى النيل ليست غائبة عن الرصد الرسمي، مؤكدًا أن الجانب الوطني لن يسمح بأي تهاون أو تجاوز يؤثر على تدفقات المياه، واضعًا بذلك حدًا للجدل المثار حول إمكانية استمرار تلك المشروعات.

وتأتي تصريحات وزير المياه اإأثيوبي بشأن سيطرة بلاده على تدفق المياه لدولتي المصب، في وقت عادت أزمة سد النهضة الإثيوبي إلى الواجهة مرة أخرى، وسط توقعات خبراء أن تبدأ سنوات الجفاف هذا العام، مع انخفاض فيضان النيل، ما يهدد حصة مصر والسودان من مياه النهر.

وأُطلق مشروع سد النهضة الإثيوبي الكبير في 2011 بميزانية بلغت 4 مليارات دولار، ويعد أكبر مشروع كهرومائي في إفريقيا، إذ يبلغ عرضه 1.8 كيلومتر، وارتفاعه 145 مترًا.

وتعتبر أديس أبابا أن السد ضروري لبرنامج إمدادها بالكهرباء لكنه لطالما شكّل مصدر توتر مع مصر والسودان المجاورتين، إذ يشعر البلدان بالقلق من تأثيره المحتمل على إمدادات المياه، خاصة في سنوات الجفاف.

وفشلت جولات المفاوضات على مدار سنوات بين الدول الثلاث، وتمسكت مصر والسودان بالتوصل لاتفاق قانوني ملزم يتعلق بتشغيل السد.