عاد ملف المعتقلين إلى الواجهة في مصر، مع انعقاد جلسات محاكمة عدد من النشطاء السياسيين، وتنظيم لجنة سجناء الرأي مؤتمراً ومعرض صور للمطالبة بالإفراج عنهم.
محاكمة دومة
وحددت محكمة جنح القاهرة الجديدة، 3 يونيو/ حزيران المقبل، موعداً للنطق بالحكم على الناشط السياسي والشاعر أحمد دومة في القضية التي يواجه فيها اتهامات بـ”إذاعة أخبار وبيانات وإشاعات كاذبة عمدًا داخل وخارج البلاد، من شأنها تكدير السلم العام ونشر البلبلة”.
وكرر دومة طلبه للمحكمة بإجراء معاينة لمحبسه، لبيان استمرار إضاءة كشافات السجن على مدار اليوم، ما يؤدي لإرهاق المساجين نفسياً، وكذلك التأكد ممن له الحق في الوصول إلى أزرار التحكم في إضاءة السجن.
أكد دومة للمحكمة على ضرورة أن تنتقل النيابة إلى مقر احتجازه لتفتيشه وفقاً لما يخوله لها القانون
وأكد للمحكمة على ضرورة أن تنتقل النيابة إلى مقر احتجازه لتفتيشه وفقاً لما يخوله لها القانون من صلاحيات للتأكد من صحة ما نشره.
وطلب دفاع دومة سماع شهادة كل من عبد المنعم أبو الفتوح رئيس حزب مصر القوية، وأحمد أبو بركة، والمحامي عصام سلطان المحتجزين حالياً في مركز الإصلاح والتأهيل في سجن بدر، للتأكد من صحة ادعاءات دومة.
وطلب أيضاً سماع شهود النفي الحاضرين وهم عضوا مجلس النواب السابقان، المحامي زياد العليمي، الذي سبق واحتجز في بدر 1، والصحافي أحمد الطنطاوي الذي سبق واحتُجز في سجن العاشر من رمضان، للتأكد من صحة بلاغات دومة.
وكانت نيابة أمن الدولة العليا حبست دومة احتياطياً، في 6 أبريل/ نيسان الماضي، حين حققت معه على خلفية مقال رأي كتبه بعنوان “من السجن داخل الدولة إلى الدولة داخل السجن”، تناول فكرة تأثير السجن ظلماً على استقرار الدولة، بجانب سؤاله عن تعليق له على “فيسبوك” بخصوص ظروف الاحتجاز في السجون، وما تشهده من إضاءة مستمرة مُرهقة للمساجين نفسياً، قبل أن تحيله للمحاكمة في 27 أبريل/ نيسان الماضي.
وقضى دومة نحو عشر سنوات في السجن قبل حصوله على عفو رئاسي عن باقي العقوبة الصادرة ضده. ومنذ إطلاق سراحه، تعرض لقائمة من التضييقات، والملاحقات القانونية التي منعته من التعافي من العقد الذي قضاه في السجن، أو عيش حياته بشكل طبيعي، فإلى جانب منعه من السفر وحرمانه من استخراج أوراقه الرسمية، استدعته نيابة أمن الدولة للتحقيق معه ست مرات على خلفية نشره على حسابه الشخصي على مواقع التواصل الاجتماعي أو كتابة مقالات رأي، حكى في بعض منها عن تجربة الاحتجاز، ودافع من خلالها عن حقوق المحتجزين المكفولة بالقانون والدستور.
قضى دومة نحو عشر سنوات في السجن قبل حصوله على عفو رئاسي عن باقي العقوبة الصادرة ضده
وخلال العامين اللذين قضاهما دومة خارج السجن، حققت معه نيابة أمن الدولة العليا ست مرات في اتهامات متشابهة، وأخلت سبيله بكفالات وصلت قيمتها إلى 230 ألف جنيه مصري، قبل أن يتم القبض عليه بعد التحقيق السادس والأخير.
في السياق، أجلت محكمة مصرية محاكمة رسام الكاريكاتير أشرف عمر، والصحافيين ياسر أبو العلا ورمضان جويدة، في قضية اتهموا فيها بمسائل لها علاقة بالإرهاب، إلى جلسة 13 يوليو/ تموز المقبل.
وأفاد “المرصد المصري للصحافة والإعلام”، عبر صفحته على “فيسبوك”، أن الجلسة شهدت حضور عمر من محبسه، فيما تغيب أبو العلا وجويدة، كما قامت النيابة العامة بتلاوة أمر الإحالة.
وأضاف أن عمر يواجه، وفقًا لأمر الإحالة، اتهامين بمشاركة جماعة إرهابية في تحقيق أغراضها، وارتكاب جريمة من جرائم التمويل، بينما يواجه جويدة وأبو العلا اتهامين بالانضمام إلى جماعة إرهابية، وارتكاب جريمة من جرائم تمويل الإرهاب.
ولفت إلى أن قوات الأمن كانت قد ألقت القبض على عمر من منزله فجر 22 يوليو/ تموز 2024، واقتادته إلى جهة غير معلومة لمدة يومين، قبل ظهوره أمام نيابة أمن الدولة العليا والتحقيق معه.
اختفاء قسري
جاء ذلك في وقت جددت أسرة المخرج عمر صلاح مرعي، مخاطبة النائب العام، للمطالبة بالكشف عن مكانه وتمكينه من التواصل مع محاميه وأسرته، إثر اختفائه منذ القبض عليه، الإثنين الماضي، دون إعلان أي جهة أمنية أو قضائية عن مكان احتجازه أو سبب القبض عليه أو وضعه القانوني.
أدانت المفوضية المصرية للحقوق والحريات واقعة اعتقال مرعي واحتجازه في مكان غير معلوم
وأدانت المفوضية المصرية للحقوق والحريات واقعة اعتقال مرعي واحتجازه في مكان غير معلوم لأي من أسرته ومحاميه منذ القبض عليه قبل يوم الإثنين الماضي، أو حتى بدون الكشف عن أسباب الاعتقال أو إطلاع الأسرة على وثائق رسمية تفيد بذلك.
وحسب أسرة عمر صلاح، ألقت قوات الأمن القبض عليه من منزله في تمام الساعة السابعة من مساء الإثنين، حيث قامت قوة أمنية باقتحام الشقة بشكل عنيف، صاحبتها أعمال تكسير لمحتويات المنزل قبل اقتياده إلى جهة غير معلومة، حسب أسرته.
معرض صور
ونظمت لجنة الدفاع عن سجناء الرأي معرض صور لسجناء الرأي في حزب “العيش والحرية”، وتضمنت الفاعلية صوراً ومعلومات عن عدد من السجناء ومشاركة عدد من أهالي السجناء والشخصيات المتضامنة منهم أعضاء بالبرلمان والمجلس القومي لحقوق الإنسان وقيادات الأحزاب.
وخلال الفعالية، طالب عمر الجباخنجي، والد رسام الكاريكاتير أشرف عمر، بالإفراج عن أصحاب الرأي، داعياً إلى إيجاد معايير واضحة للتفريق بينهم وبين المتهمين في القضايا الجنائية. وقال إن الاتهامات الموجهة إلى نجله ملفقة.
فيما قالت ندى مغيث زوجة عمر إن التعامل مع ملف الحبس الاحتياطي باعتباره “قضية قانونية فقط” يتجاهل الآثار الممتدة للحبس على الأسر والعائلات، مؤكدة ضرورة بناء موقف موحد للأحزاب والمؤسسات المدنية المختلفة للحديث عن الانتهاكات المرتبطة به.
المعارض السياسي أحمد الطنطاوي اعتبر أن الدفاع عن المحبوسين السياسيين لا ينفصل عن الدفاع عن المستقبل
وأضافت أن الأجهزة الأمنية ربما تسعى، بجانب الانتقام، إلى تفكيك الروابط الاجتماعية، لكنها رأت أن تجربة السجن تنتج أحيانًا روابط أخرى “أعمق وأقوى” بين السجناء أنفسهم أو بينهم وعائلاتهم خارج السجن.
وتحدثت عن تجربة زوجها داخل السجن، قائلة إنه استغل فترة حبسه في التعلم والقراءة، إذ تعلم اللغة الإسبانية وقرأ مئات الكتب، كما ساعد بعض السجناء في تعلم الإنجليزية ومحو الأمية.
وأضافت أنها تتلقى رسائل من محبوسين سابقين معه يتحدثون فيها عن دعمه لهم داخل السجن، وعن النقاشات اليومية التي كان يشاركهم فيها حول الكتب والموسيقى والأفلام، قبل أن تقرأ خلال كلمتها مقتطفات من رسائل وشهادات أرسلها سجناء سابقون وأصدقاء متضامنون معه.
فيما قال المعارض السياسي أحمد الطنطاوي خلال كلمته في المؤتمر، إن الدفاع عن المحبوسين السياسيين لا ينفصل عن الدفاع عن المستقبل، معتبرًا أن من شاركوا يومًا الحلم السياسي يتحملون مسؤولية مشتركة تجاه من هم داخل السجون.
ودعا إلى مزيد من التضامن بين الأطراف المختلفة، والعمل عبر خطة مدروسة ومتنوعة ومتدرجة في التعامل مع السلطة.
انتقادات للمعارضة
وانتقدت رفيدة حمدي، زوجة الناشط السياسي محمد عادل المتحدث السابق باسم حركة 6 أبريل، موقف أحزاب المعارضة من ملف سجناء الرأي. وقالت: “السلطة هي الفاعل الأول والرئيسي في مأساتي، لكن المعارضة أيضاً فاعل في مأساتي”.
وأضافت أن الحزب المصري الديمقراطي طلب الدعم أثناء انتخابات الرئاسة الأخيرة التي شارك فيها رئيس الحزب، فريد زهران، لكن فيما بعد ذلك لم يظهر الحزب في ذلك الملف. كما وجهت اللوم إلى “المجلس القومي لحقوق الإنسان” قائلة: “لا أعرف ماذا يفعلون ولو أنا مكانهم، سأخجل من نفسي جداً”.
انتقدت رفيدة حمدي، زوجة الناشط محمد عادل موقف أحزاب المعارضة من ملف سجناء الرأي
واختتمت رفيدة كلمتها: “ربما للسلطة مبررات، هم يعتبرون سجناء الرأي خطراً عليهم، لكن ليس لدي مبرر لمن يطلقون على أنفسهم النخب السياسية، وكثير من نخب المعارضة بالنسبة لي أسوأ كثيراً”.
وبدأت رحلة رفيدة مع السجون عام 2013، مع سجن محمد للمرة الأولى، في القضية التي اتهم فيها بالتظاهر دون تصريح مع الناشطين أحمد دومة وأحمد ماهر، وحكم عليه وقتها بالسجن 3 سنوات، وانتقل فيها بين سجنين، حيث قضى في البداية عاماً وعدة أشهر في سجن لمان طره، قبل أن يكمل باقي السنوات الثلاث في سجن تحقيق طره، وخرج من السجن لتبدأ رحلته مع المراقبة الشرطية (حكم يقضي بقضاء طول فترة الليل في قسم الشرطة)، وبالفعل قضى عاماً ونصف العام من فترة المراقبة التي تمتد لثلاث سنوات، قبل أن يتم احتجازه مرة أخرى خلال وجوده في قسم الشرطة، في يونيو/ حزيران 2018.
مجلس حقوق الإنسان
ودافع نائب رئيس المجلس القومي لحقوق الإنسان، محمد أنور السادات، عن دور المجلس، وقال إنه لا يزال يستكمل تشكيل لجانه وفرق العمل بعد إعادة تشكيله مؤخرًا، لكنه يواصل متابعة شكاوى أهالي المحبوسين والعمل على بعض الملفات المتعلقة بالزيارات والتفتيش داخل أماكن الاحتجاز.
وأضاف أن المجلس يتعاون مع النيابة العامة في هذه الملفات، لكنه لا يستطيع تقييم حجم الاستجابة أو ما تحقق فعليًا، معتبرًا أن ذلك “مسؤولية النيابة العامة”.
السادات: الحوار الوطني كان من المفترض أن يقود إلى مراجعة أوضاع بعض المحبوسين
وفيما يتعلق بملف الحبس الاحتياطي، قال السادات إن الحوار الوطني كان من المفترض أن يقود إلى مراجعة أوضاع بعض المحبوسين، إلا أن الإفراجات جاءت محدودة وليست بالمستوى المأمول، معتبرًا أن الأزمة ترتبط بما يطبق عمليًا أكثر من ارتباطها بالنصوص القانونية أو الدستورية، قائلًا إن غياب إرادة حقيقية يعني استمرار الوضع القائم.
وقالت الأكاديمية ليلى سويف إن السلطة لا تُخرج أحدًا من السجون إلا حين تشعر أنه أصبح مصدر قلق وصداع، داعية إلى تكثيف الفعاليات التضامنية عبر الوقفات والندوات والمؤتمرات والإضرابات الرمزية.
واعتبرت أن استمرار الضغط مسؤولية جماعية، مطالبة بعدم التراجع عن دعم المحبوسين والتعامل مع أوضاعهم باعتبارها قضية إنسانية عاجلة، قائلة إن “أي تحرك، مهما بدا محدوداً، ضروري أن يكون بكثافة واستمرار”.
الحبس الاحتياطي
في حين، قال عضو لجنة الدفاع عن سجناء الرأي وعضو “المبادرة المصرية للحقوق الشخصية”، المحامي إسلام سلامة، إن كثيراً من المتهمين في القضايا السياسية يواجهون فترات طويلة من الحبس الاحتياطي منذ لحظة القبض وحتى المحاكمة، رغم غياب أدلة حقيقية.
سلامة قال إن كثيراً من المتهمين في القضايا السياسية يواجهون فترات طويلة من الحبس الاحتياطي
ولفت إلى حالة الناشطة والمترجمة مروة عرفة، التي قال إنها أمضت نحو خمس سنوات بين الحبس الاحتياطي والمحاكمة بعد اتهامها بالانضمام إلى جماعة إرهابية، معتبرًا أن الاتهامات الموجهة إليها بعيدة تمامًا عن الحقيقة.
وألقي القبض على مروة عرفة في 20 أبريل/ نيسان 2020، بعدما اقتحمت قوة أمنية منزلها واقتادتها إلى جهة غير معلومة، إلى أن ظهرت بعد أسبوعين أمام نيابة أمن الدولة التي وجهت لها اتهامات بالانضمام لجماعة إرهابية، وارتكاب جريمة من جرائم التمويل، وأمرت بحبسها احتياطيًا، بينما لم تحقق في بلاغات أسرتها بشأن اختفائها قسريًا، حسب المبادرة المصرية للحقوق الشخصية.
