بصمات على جدار الزمن
بصمات على جدار الزمن
Logo
الشريط الإخباري

“عبث وهدر مالي”… 12 مليار جنيه لتشغيل الحي الحكومي في مصر خلال عام

“عبث وهدر مالي”… 12 مليار جنيه لتشغيل الحي الحكومي في مصر خلال عام

في الوقت الذي تدعو فيه السلطات المصرية المواطنين لترشيد استهلاك الكهرباء، وتتحدث عن خطة للتقشف الحكومي في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة التي تشهدها البلاد على خلفية التوترات في المنطقة، حملت موازنة الدولة للعام المالي المقبلة مفاجأة تتعلق بارتفاع كلفة تشغيل الحي الحكومي في العاصمة الإدارية الجديدة بنسبة 177% لتصل إلى أكثر من 12 مليار جنيه، مقابل 4.35 مليارات مقدرة العام الجاري الذي ينتهي في يونيو/ حزيران المقبل.

تخصيص 7 مليارات جنيه من الموازنة، مقابل حق الانتفاع بمباني الحي الحكومي في العاصمة الإدارية

وكشفت بيانات الموازنة العامة للسنة المالية المقبلة، والمقرر بدايتها مطلع يوليو/ تموز القادم، تخصيص 7 مليارات جنيه من الموازنة، مقابل حق الانتفاع بمباني الحي الحكومي في العاصمة الإدارية مقارنة بعدم تخصيص أي مبالغ لهذا البند بموازنة العام الجاري، فيما خصصت 3.8 مليارات جنيه لمصروفات صيانة مباني الحي الحكومي، مقابل 3.2 مليارات بموازنة العام الحالي.

كما تضنت الموازنة تخصيص 678.1 مليون جنيه لبدلات انتقال الموظفين المنتقلين للعمل في العاصمة الإدارية، مقابل 652.8 مليون هذا العام، و544.8 مليون جنيه لبدل السكن للموظفين المنتقلين إلى العاصمة، مقابل 498.7 مليوناً في العام المالي الجاري الذي ينتهي في شهر يونيو/ حزيران المقبل.

وفي سبتمبر/ أيلول الماضي، أعلن رئيس شركة العاصمة الجديدة، خالد عباس، ارتفاع إيجارات الحي الحكومي إلى 6 مليارات جنيه سنوياً، بدلاً من 4 مليارات جنيه، مؤكداً التزام الحكومة بسداد الإيجارات، والخدمات الخاصة بالمقرات الحكومية بعقود طويلة المدى.

ويتكون الحي الحكومي من 10 مجمعات وزارية تتضمن 34 مبنى، بالإضافة إلى مبنى رئاسة مجلس الوزراء ومبنى البرلمان، على مساحة 430 فداناً.

وفي الوقت الذي لم تصدر بيانات رسمية حول تكلفة إنشاء الحي، تحدث مسؤولون عن أنها تراوحت بين 40 و60 مليار جنيه.

يتكون الحي الحكومي من 10 مجمعات وزارية تتضمن 34 مبنى، بالإضافة إلى مبنى رئاسة مجلس الوزراء ومبنى البرلمان، على مساحة 430 فداناً

والشركة، التي تحصل على الإيجارات، هي العاصمة الإدارية للتنمية العمرانية، وهي شركة مساهمة مصرية مملوكة للدولة بالكامل، وتتوزع ملكيتها على ثلاث جهات رئيسية، هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة، وجهاز مشروعات الخدمة الوطنية للقوات المسلحة، وجهاز مشروعات أراضي القوات المسلحة.

وحسب مصادر، فإن خطة السداد كانت تتضمن أن تكون قيمة إيجار الحي الحكومي سنوياً 4 مليارات جنيه، ما يسمح للشركة بتحصيل تكلفة إنشاء الحي في 10 سنوات، وإن الزيادة في القيمة الإيجارية فرضت بعد قرار تحرير سعر صرف العملة المحلية في عام 2024، التي قفز فيه سعر الدولار ليتخطى حاجز الخمسين جنيهاً.

وكان الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، تحدث في وقت سابق عن أسباب دفع الحكومة لإيجار مقراتها لشركة مملوكة للدولة، عندما أعلن لأول مرة في 2022 عن مطالبة شركة العاصمة، الحكومة بـ4 مليارات جنيه سنوياً كإيجار للحي وقتها. وقال السيسي آنذاك: “سيسأل البعض لماذا تستأجر الدولة من الدولة، كان هناك شركات حكومية لا تحقق أرباحاً، الآن لدينا شركة العاصمة الإدارية تمتلك 40 مليار جنيه ومستحقات مثلهم”.

واكتمل انتقال الحكومة المصرية إلى العاصمة الإدارية الجديدة من مقراتها في وسط القاهرة، في مارس/ آذار 2023، وودع مجلس النواب المصري مقره التاريخي في قلب القاهرة نهائياً، بعد أن ظل على مدى نحو 160 عاماً شاهداً على تحولات سياسية وتاريخية مفصلية في مصر. وانتقل المجلس بكامل موظفيه في ديسمبر/ كانون الأول الماضي إلى مقرّه الجديد بالعاصمة الإدارية الجديدة.

الشركة، التي تحصل على الإيجارات، هي العاصمة الإدارية للتنمية العمرانية، وهي شركة مساهمة مصرية مملوكة للدولة بالكامل

تكلفة انتقال الحكومة إلى العاصمة الإدارية واجهت انتقادات من خبراء اقتصاد ومعارضين، وقال الدكتور إلهامي الميرغني، خبير الاقتصاد والقيادي في حزب “التحالف الشعبي الاشتراكي”، إن العاصمة الإدارية تمثل نموذجاً للهدر، لأن الوزارات كانت في مبانٍ مملوكة لها، ولا تدفع أي إيجارات، وكانت مسؤولة عن صيانتها، أما الآن فأصبحت تدفع إيجارات بالمليارات، كما تم ضم المباني والأراضي التي كانت مملوكة لها إلى أملاك الدولة.

وتابع: “ارتفاع تكاليف التشغيل لا يجب الحكم عليه كرقم مطلق أو كنسبة فقط، بل يتطلب الاطلاع على ميزانية العاصمة عن العامين الماضي والحالي، وتحديد بنود الإنفاق ونسب الزيادة ومعرفة أسبابها، مضيفاً أن من الضروري تحليل جميع التعاقدات المرتبطة بالتشغيل التي تمت خلال العام”.

وشدد على أن ملف العاصمة الإدارية الجديدة يفتقر إلى الشفافية، وأن ما يتم تداوله حالياً هو مجرد تخمينات تستند إلى أرقام وحقائق غير معلنة، قائلًا: “هل يعرف أحد ما هي الخدمات وتكلفتها؟ للأسف، كل ذلك تخمينات على أرقام وحقائق غير معلنة”.

ولفت إلى أن مقارنة تكلفة تشغيل العاصمة الإدارية بالمدن الجديدة الأخرى لن تكون دقيقة دون وجود ميزانيات منشورة، قائلًا: “نحتاج إلى الاطلاع على الميزانيات وإجراء المقارنة، فلا يمكن المقارنة دون أرقام معلنة”.

وأكد أن “الحكم على وجود عائد اقتصادي مباشر من تكاليف التشغيل وحدها أمر صعب، موضحًا أن الأهم يتمثل في تقييم حجم الإنفاق الاستثماري على العاصمة، ومعدل العائد، وفترة استرداد رأس المال”، قائلًا: “هذه تكاليف تشغيل، لكن الأهم هو حجم الإنفاق الاستثماري ومعدل العائد وفترة الاسترداد، ولا يمكن الحكم من خلال تكاليف التشغيل فقط”.

وطالب الميرغني بتطبيق مبدأ وحدة وشمولية الموازنة العامة لتضم جميع الإيرادات والمصروفات التي تتم خلال العام، قائلًا: “كل هذه الإيرادات والموارد خارج الموازنة العامة، ولذلك نطالب منذ سنوات بضرورة إدراجها ضمن الموازنة”.

طالب الميرغني بتطبيق مبدأ وحدة وشمولية الموازنة العامة لتضم جميع الإيرادات والمصروفات التي تتم خلال العام

وأكد أن هيئة المجتمعات العمرانية الجديدة تبيع أراضي ووحدات سكنية دون أن يظهر ذلك في الموازنة، ما يجعلها لا تعبر عن حقيقة الإيرادات والمصروفات.

كذلك، انتقد طلعت خليل، عضو المجلس الرئاسي في حزب المحافظين والنائب السابق، ما تضمنته الموازنة الجديدة بشأن مخصصات العاصمة الإدارية، مؤكداً أن بند “مقابل حق الانتفاع بالحي الحكومي” ارتفع بصورة كبيرة مقارنة بالعام السابق.

وقال في تصريحات نشرتها الصفحة الرسمية للحزب على “فيسبوك”، إن الموازنة الجديدة لعام 2026/2027 تضمنت تخصيص 7 مليارات جنيه تحت بند مقابل حق الانتفاع بالحي الحكومي، مقابل 4 مليارات و160 مليون جنيه فعلياً في العام المالي 2024/2025، بما يمثل زيادة تقارب 60%.

وأضاف أن هذه الزيادة تعكس عبثاً مالياً، متسائلاً عن آلية قيام شركة تتبع الدولة بتأجير مبانٍ حكومية للحكومة نفسها، قائلاً: “لا يوجد مثيل في العالم أن تقوم دولة بتأجير مقار حكومية من شركة خاصة تتبع الدولة أيضاً”.

ولفت إلى أن الموازنة تضمنت كذلك تخصيص 554 مليوناً و800 ألف جنيه كبدل سكن للعاملين بالعاصمة الإدارية، إلى جانب بند للنقل والانتقالات العامة للسفر بالداخل بقيمة مليار و92 مليوناً و400 ألف جنيه، لافتاً إلى أن جزءاً كبيراً من هذه المخصصات يرتبط بانتقالات العاملين بالعاصمة الإدارية.

حذر خليل من أن المخصصات ممولة بالعجز مما يزيد الفجوة المالية بين الإيرادات ومصروفات التشغيل

وأكد عضو المجلس الرئاسي في حزب المحافظين أن شركة العاصمة الإدارية ترفع قيمة مقابل الانتفاع على الحكومة، متسائلاً عن طبيعة العلاقة المالية بين الشركة والجهات الحكومية، وحذر خليل من أن المخصصات ممولة بالعجز مما يزيد الفجوة المالية بين الإيرادات ومصروفات التشغيل.

وتمثل العاصمة الإدارية الجديدة التي أعلن السيسي بدء إنشائها في مارس/ آذار 2015، أحد أهم المشروعات التي تعتبرها المعارضة “من دون جدوى” والتهمت جزءاً كبيراً من أموال المصريين دون حاجة ماسة لإنشائها.

كما تعتبر المعارضة أن مثل هذه المشروعات تسببت في ارتفاع معدل الديون الخارجية، في وقت يقول السيسي إنها الدولة لم تتحمل تكلفة إنشاء العاصمة.