بصمات على جدار الزمن
بصمات على جدار الزمن
Logo
الشريط الإخباري

بيت دراس في الذاكرة الشاهدة على النكبة والإبادة.. كفاية عابد: حياة لا تموت

بيت دراس في الذاكرة الشاهدة على النكبة والإبادة.. كفاية عابد: حياة لا تموت

كفاية إبراهيم عابد، النازحة اليوم هرباً من حرب الإبادة الإسرائيلية، إلى مخيم المغازي في غزة، تستعيد تفاصيل حياتها في قرية بيت دراس شمال شرق غزة، ق نكبة عام 1948.

تروي ابنة الثامنة والسبعين عامًا لـ”القدس العربي” شهادة تختلط فيها الذاكرة بالحياة اليومية، من تعب النساء والعمل في الأرض إلى الأعراس الفلسطينية ورحلة النزوح التي بدأت مع تهجير العائلة من القرية.

تقول كفاية: “كانت الحياة تبدأ قبل شروق الشمس بوقت طويل، لا صوت يعلو فوق صوت الديكة وحركة النساء وهن يتهيأن ليوم جديد من التعب والعمل، وكانت البيوت الطينية الممزوجة بالقش متلاصقة كأنها عائلة واحدة، أبوابها مفتوحة دائماً، ورائحة الخبز الساخن تخرج منها مع أول خيط نور، ولم يكن أحد يملك الكثير، لكن الجميع كانوا يملكون ما يكفي من المحبة والصبر ليعيشوا”.

“كانت الحياة تبدأ قبل شروق الشمس بوقت طويل، لا صوت يعلو فوق صوت الديكة وحركة النساء وهن يتهيأن ليوم جديد من التعب”

والمرأة الفلسطينية في قرية بيت دراس كانت عماد الحياة اليومية وتفاصيلها الأولى. تقول: “لم تكن تجلس طويلاً، فكانت تحمل يومها منذ اللحظة الأولى، تنظف البيت الطيني وتوقد النار، ثم تخرج إلى الأرض تجمع الخضراوات بيديها المتعبتين”.

وتضيف، وهي تستعيد علاقة النساء بالأرض ومواسمها: “وكانت تعرف مواسم الزراعة كما تعرف أسماء أطفالها، تحفظ شكل السنابل ورائحة التراب بعد الري، وتعرف أي شجرة تحتاج إلى ماء أكثر من غيرها، وإذا عاد زوجها متعباً من الحقل، كانت تقف إلى جانبه من دون أن تشتكي من ألم يديها أو ثقل جسدها”.

وفي وصفها لبيوت القرية ومؤونتها، تقول كفاية: “وفي كل بيت، كانت النملية تحتفظ بحكاية العائلة، أكياس العدس والأرز والقمح مصطفة بعناية وكأنها كنز ثمين”.

“الأطفال يركضون حفاة بين البيوت الترابية، والنساء يتبادلن الخبز والحكايات عند المساء، والرجال يعودون من الأرض ووجوههم مغطاة بغبار الحقول”

وتتابع عن خوف النساء من الجوع وحرصهن على بقاء البيت عامراً: “وكانت المرأة تخاف على المونة أكثر من خوفها على نفسها، لأن الجوع في تلك الأيام كان قاسياً، لذلك كانت تجمع كل حبة قمح وتسندها بعرقها وتعبها، حتى يبقى البيت ممتلئاً ولو بالقليل”.

الحياة ماء

وتتوقف كفاية عند الماء، بوصفه أحد أقسى تفاصيل الحياة اليومية في القرية، فتقول: “وأصعب ما في الحياة الماء، فلم تكن المياه تصل إلى البيوت، وكانت النساء يسرن مسافات طويلة نحو البئر، فتحمل الواحدة جرار الفخار على رأسها وكتفها، وتمشي تحت الشمس والبرد من دون أن تتوقف. كان الطريق متعباً والجرة ثقيلة، لكنهن اعتدن على ذلك حتى صار جزءاً من حياتهن اليومية، وبعض النساء كن حوامل، ومع ذلك يذهبن لجلب الماء، وكأن أجسادهن خلقت لتتحمل ما لا يحتمله أحد”.

وتستعيد ملامح القرية البسيطة المليئة بالحياة، قائلة: “كانت القرية بسيطة، لكن تفاصيلها مليئة بالحياة، الأطفال يركضون حفاة بين البيوت الترابية، والنساء يتبادلن الخبز والحكايات عند المساء، والرجال يعودون من الأرض ووجوههم مغطاة بغبار العمل”.

وتختم هذا المشهد من الذاكرة بالقول: “لم تكن الحياة سهلة قط، لكنها كانت حقيقية ودافئة، تشبه رائحة الطين بعد المطر، وتشبه تعب الأمهات الذي لا يراه أحد، لكنه يبقي البيت قائماً”.


عرس القرية

وفي حديثها عن أعراس بيت دراس، تصف كفاية العرس بوصفه فرحة جماعية لا تخص عائلة واحدة فقط، وتقول: “ولم يكن العرس مجرد يوم عابر، بل كان فرحة القرية كلها. منذ اللحظة التي يُعلن فيها عن عرس جديد، تبدأ البيوت بالاستعداد، وكأن المناسبة تخص كل الناس لا عائلة واحدة فقط. كانت النساء يتحضرن للعرس قبل شهور طويلة، يجتمعن في البيوت بعد انتهاء أعمالهن اليومية، يحملن القماش والخيوط الملونة، ويبدأن بتطريز الثوب الفلاحي بخيوط الحرير، فكانت كل غرزة تحمل صبراً ومحبة، وكأن الثوب يُخاط من أعمار النساء وتعب أيديهن”.

وتتابع وصف جلسات التحضير للعرس، حيث تختلط الحكايات بالأغاني والعمل اليدوي: “والجارات والقريبات يجلسن مع أم العريس حتى ساعات الليل، أصوات الضحك تختلط بصوت الإبرة وهي تدخل وتخرج من القماش، وكانت الأغاني الشعبية لا تغيب عن تلك الجلسات، فكل امرأة تحفظ عشرات الأغاني التي ورثتها عن أمها وجدتها، ولم يكن هناك تعب حين يتعلق الأمر بالفرح”.

وعن يوم الحناء، تقول كفاية: “وعندما يأتي يوم الحناء، تمتلئ البيوت بالنساء والفتيات، تُضاء الفوانيس وتفوح رائحة القهوة والطيب في المكان، وتجلس العروس بخجلها وثوبها المطرز، بينما النساء يصفقن ويغنين:

مدي إيدك حنيها يا عروس

مدي إيدك حنيها”.

وتصف امتداد الفرح في القرية كلها، قائلة: “كانت الأغاني تملأ القرية حتى يسمعها البعيد قبل القريب، والأطفال يركضون خلف الزغاريد، والنساء يوزعن الحلوى، وكأن الفرح لا يكفيه بيت واحد”.

وفي يوم العرس، تستعيد كفاية تفاصيل الاستعداد منذ الصباح الباكر، فتقول: “وفي يوم العرس، تبدأ الاستعدادات منذ الفجر، فالنساء يجتمعن لتجهيز العروس بالكحل والطيب، وتزيين شعرها بعناية، وكانت العروس تبدو كقطعة من تراث فلسطين بثوبها المطرز ورائحة العنبر والمسك حولها. أما الرجال، فيستقبلون الضيوف، وتبدأ الدبكات والأغاني الشعبية، وكان الناس يغنون لأبي العروس:

زارعنا الميرمية على باب الدار

يا أبو العروس الله يخليلك هالدار”.

وتكمل صورة العرس بطقوس الطعام والمشاركة الجماعية: “وأما أبو العريس، فكان يذبح الخروف، وتبدأ النساء بإعداد المفتول الفلسطيني في قدور كبيرة تكفي أهل القرية جميعاً، ولم يكن أحد يأكل وحده في تلك الأيام، فالطعام والفرح والضحكة كانت للجميع، فيجلس الناس في الساحات يتبادلون الحكايات ويغنون حتى آخر الليل”.

وتلخص كفاية معنى تلك الأعراس في ذاكرتها، قائلة: “كانت الأعراس الفلسطينية مليئة بالبساطة، لكنها مليئة بالروح أيضاً، لا قاعات فخمة ولا تكلف، لكن القلوب كانت صادقة، والفرحة تخرج من الناس بعفوية جميلة لا تُشترى ولا تتكرر”.


التهجير

وفي حديثها عن النكبة، تعود كفاية إلى عام 1948، حين بدأت رحلة الخروج من بيت دراس، وتقول: “جاءت سنة 1948، فدخل الخوف إلى القلوب كما لم يدخل من قبل، ولم نعد نعرف معنى الاستقرار ولا شكل البيت الذي سنبقى فيه. خرجنا من قرية بيت دراس على عربة يجرها حمار، ولا نملك شيئاً سوى ما استطعنا حمله على عجل، فكان الطريق طويلاً وثقيلاً، والسماء كأنها تراقب صمتنا الموجوع”.

“لم تكن الحياة سهلة، لكنها كانت حقيقية ودافئة تشبه رائحة الطين بعد المطر، وتشبه تعب الأمهات الذي لا يراه أحد، لكنه يبقي البيت قائماً”

وتستعيد واحدة من أقسى لحظات الطريق، فتقول: “في منتصف الطريق، ولدت أمي بين التعب والخوف، بلا بيت ولا سرير ولا دفء، وكان المشهد أكبر من قدرة الكلمات، حياة تبدأ وسط الرحيل وحياة أخرى تنكسر في اللحظة نفسها. فقدنا أخي هناك، على جانب الطريق، ودفنه أبي بيدين مرتجفتين لا تعرفان سوى الصبر والوجع، ولم يكن هناك وقت للبكاء طويلاً، فالمسير كان لا يتوقف، وكأن الأرض نفسها تطردنا من مكان إلى مكان”.

وعن الوصول إلى غزة، تروي كفاية: “وواصلنا الرحلة من بيت دراس حتى وصلنا إلى غزة، جائعين مرهقين لا نعرف ما ينتظرنا. أتذكر أول طعام تناولته هناك عند عائلة لا أعرف اسمها، كانوا يملكون مزرعة بقر، شربت الحليب حتى ارتوى جسدي المتعب، ثم غلبني النوم، كأنني لأول مرة أتنفس بلا خوف”.

بيت دارس قبل النكبة (موقع فلسطين في الذاكرة)

لكن تلك الهجرة، كما تقول، لم تبق حدثاً عابراً في الماضي، بل امتدت في حياتها كلها، “لكن الهجرة لم تكن لحظة وانتهت، بل كانت حياة كاملة، عشت امتدادها في نكسة 1967، ثم في الانتفاضتين الأولى والثانية، وفي كل حرب مرت على غزة. كل مرحلة كانت تعيد الشعور نفسه: الخوف، والتشرد، والبحث عن الأمان الذي لا يأتي”.

ومع السنوات، بقي الألم حاضراً بأشكال مختلفة، وتقول كفاية: “ومع مرور السنوات، لم يتغير الألم، بل تغير شكله فقط. كبرتُ وكبر الخوف معي، عرفت معنى أن تكون المعدة فارغة، ومعنى أن تنام وأنت لا تدري ماذا سيحدث في الصباح، وعرفت أيضاً معنى أن تحمل هم الأولاد والأحفاد، وأن تنتقل من مكان إلى مكان، وكأن الأرض تضيق بك أكثر كل مرة”.

وتختم شهادتها باستعادة الحروب الأخيرة وما أعادته من ذاكرة الفقد الأولى: “كانت الحروب الأخيرة الأقسى، ليس فقط لأنها دمرت المكان، بل لأنها أعادت كل الذكريات دفعة واحدة. صرت أرى نفسي طفلة في العربة، وأمي في لحظة الولادة، وأخي على حافة الطريق، وكأن العمر كله دائرة من الفقد والخوف، لا تنتهي بسهولة، لكنها تبقى محفورة في الذاكرة لا تمحى”.