بصمات على جدار الزمن
بصمات على جدار الزمن
Logo
الشريط الإخباري

لبنان يفاوض بحذر... لا تطبيع ولا مواجهة

لبنان يفاوض بحذر... لا تطبيع ولا مواجهة

وسط الحراك الديبلوماسي المتصل بالجبهة الجنوبية، تتعامل بيروت بحذر بالغ مع أي مسار تفاوضي يُفتح في هذه المرحلة، في ظل توازنات داخلية دقيقة، فلبنان الرسمي واع لمخاطر أي تبدّل في شكل الإتصالات أو مستواها السياسي، الذي قد يثير سجالات داخلية واسعة، لذلك تحاول الإبقاء على المفاوضات ضمن إطار ضيق ومحدّد يرتبط حصراً بالملفات الأمنية والحدودية، ورفض الإنتقال من التفاوض إلى أي مشهد سياسي علني يمكن أن يُفسَّر على أنه تحوّل في طبيعة العلاقة مع إسرائيل أو تمهيد لمسار تطبيعي لا يحظى بتوافق داخلي.


وقد تظهّر بشكل واضح، بحسب ديبلوماسي مخضرم، أن لبنان يسعى إلى إدارة هذا الملف من زاوية مختلفة عن المقاربة الإسرائيلية والأميركية، فأولوية الرئيس جوزيف عون تتمثل في منع انفجار الوضع جنوباً، والعمل على تثبيت وقف إطلاق النار، بالتوازي مع الضغط لاستكمال الإنسحاب الإسرائيلي، ووقف الخروقات للسيادة اللبنانية.


ويضيف الديبلوماسي، أن الولايات المتحدة تبدو أكثر إصراراً للإنتقال إلى مرحلة جديدة من التفاوض، انطلاقاً من قناعة أميركية بأن التطورات التي فرضتها الحرب في غزة أعادت رسم توازنات أمنية جديدة في المنطقة، وفتحت الباب أمام مقاربات مختلفة للجبهة اللبنانية، ما دفع واشنطن نحو توسيع البحث في الملفات الحدودية والأمنية، أملاً في الوصول إلى ترتيبات أكثر استقراراً على المدى الطويل.


وقد بدا واضحاً، بحسب الديبلوماسي نفسه، أن الإدارة الأميركية، ليست في وارد ممارسة ضغوط علنية تدفع لبنان إلى خطوات سياسية حسّاسة، لأنها تدرك أن الوضع الداخلي اللبناني لا يحتمل حالياً أي انتقال سريع نحو تفاوض سياسي مباشر، خصوصاً في ظل الإنقسام القائم حول العلاقة مع إسرائيل وسلاح "حزب الله"، لذلك تفضّل واشنطن اعتماد سياسة التدرّج في الخطوات، وتحقيق خطوات تقنية وأمنية قابلة للحياة قبل الإنتقال إلى مراحل أكثر تعقيداً.


أما إسرائيل، يتابع الديبلوماسي، فتتعامل مع المرحلة الراهنة باعتبارها فرصة لإعادة صياغة الواقع الأمني على حدودها الشمالية، كونها تعتقد أن المناخ الإقليمي الحالي، مقروناً بالدعم الأميركي، يسمح بالدفع نحو ترتيبات تتجاوز التهدئة المؤقتة، سواء عبر فرض وقائع أمنية جديدة جنوب الليطاني، أو عبر فتح المجال تدريجياً أمام مسارات تفاوضية أوسع، وتحاول الحصول على مكتسبات أمنية على الأرض تقلّص هامش التهديد القادم من الجنوب اللبناني، فيما يتمسك لبنان بمطلب تثبيت السيادة الكاملة على أراضيه ووقف الإعتداءات الإسرائيلية المستمرة، وهذا التباين، يجعل فرص الوصول إلى اختراقات سريعة محدودة، رغم استمرار الوساطات الدولية.


وتبدو واشنطن، بحسب الديبلوماسي، معنية بمنع انهيار الوضع الأمني وعودة المواجهة العسكرية، وتركّز تحركاتها على إدارة التناقضات القائمة بين الطرفين أكثر من السعي الفوري إلى تسوية نهائية، كونها تسعى للحفاظ على الحدّ الأدنى من الإستقرار، ومنع انزلاق الحدود الجنوبية إلى مواجهة جديدة قد تفتح الباب أمام تداعيات إقليمية أوسع.


أما في الداخل اللبناني، فيرى الديبلوماسي المخضرم، أن المسؤولين اللبنانيين يدركون ان أي خطوة تتجاوز السقف الحالي قد تتحوّل سريعاً إلى مادة خلافية داخلية، في ظل الإنقسام القائم حول مستقبل العلاقة مع إسرائيل ودور "حزب الله" في المعادلة الأمنية اللبنانية، والأمر عينه في إسرائيل، إذ لا تبدو الحكومة بعيدة عن ضغوط الداخل، حيث تواجه انتقادات عدة ترتبط بأدائها الأمني والسياسي بعد الحرب، ما يدفعها إلى التشدّد في الملفات الحدودية ومحاولة الظهور بموقع الطرف القادر على فرض شروطه الأمنية.


لذلك، يعتبر الديبلوماسي، أنه لا تبدو الجولة المقبلة من المفاوضات مرشّحة لإحداث تحوّل جذري بقدر ما تشكل اختباراً لمسار طويل ومعقّد، فإذا حقّقت الإتصالات بعض التقدّم قد يفتح ذلك المجال أمام استكمال التفاوض ضمن وتيرة بطيئة ومدروسة، أما إذا بقيت الفجوة السياسية على حالها، فإن المشهد سيبقى محكوماً بإدارة التوتر لا بحلّه، مع استمرار الرهان الدولي على منع انفجار الجبهة الجنوبية وإبقاء النزاع تحت السيطرة.