جاء الرد الإيراني كما كان متوقعاً بالسلب على آخر مقترح أمريكي لإنهاء الحرب في الخليج. فرغم الخسائر الكبيرة التي تكبدتها، ورغم الفرق الكبير في القوة العسكرية بين الطرفين، لكن النظام في طهران لا يميل إلى الاستسلام. إن تهديدات ترامب المتكررة، التي لم تنفذ بعد، وتصميمه على العودة إلى طاولة المفاوضات مراراً وتكراراً باقتراحات تسوية جديدة، تقنع القيادة في إيران بأنها هي من تملك زمام المبادرة.
فقد ترامب القدرة على الردع ضد طهران، وقد يشعر أخيراً بأنه ملزم بمحاولة استرجاعها، من خلال عملية عسكرية حاسمة. وقد صرح مساء أمس، بأن وقف إطلاق النار ينهار. ولكن الجدول الزمني هنا يعمل ضده. في نهاية الأسبوع، من المقرر أن يعقد قمة مهمة مع نظيره الصيني شي جين بينغ، وبعد شهر ستستضيف الولايات المتحدة بطولة كاس العالم لكرة القدم التي يوليها ترامب أهمية كبيرة.
هذه هي الخلفية التي تفسر ردود الفعل الأمريكية المتحفظة على الأحداث الأخيرة مع إيران حول مضيق هرمز. فقد أصبحت مسألة إعادة فتح المضيق القضية الأكثر إلحاحاً وحساسية في المفاوضات، وتفضل طهران التركيز أولاً على إنهاء القتال والتوصل إلى تفاهمات بشأن حركة الملاحة في الخليج، قبل البدء في مناقشة كبح برنامجها النووي.
يسعى الإيرانيون أيضاً إلى ربط هذه الخطوات برفع العقوبات الاقتصادية المفروضة عليهم من قبل المجتمع الدولي، والتزام من الولايات المتحدة وإسرائيل بعدم مهاجمتهم مجدداً. وحسب تقارير إعلامية أمريكية، فإن مرونة الإيرانيين بشأن القضية النووية أقل بكثير مما وصف في الأسبوع الماضي.
لقد وافقت طهران عن الإفراج عن جزء فقط من مخزون اليورانيوم المخصب الذي يبلغ 440 كغم، ورفضت تفكيك بنيتها التحتية النووية، وأظهرت الاستعداد لوقف التخصيب على أراضيها لفترة محدودة فقط. إذا قرر ترامب الانسحاب من المفاوضات فسيعود المأزق الذي أقلقه خلال شهر ونصف: هل سيختار تصعيداً عسكرياً قصير الأجل بقصف كثيف لمواقع البنى التحتية المدنية في إيران، أم سيبقي على الحصار في جنوب مضيق هرمز، على أمل أن تؤدي الأضرار الاقتصادية إلى انهيار النظام؟ حاول نتنياهو تعزيز رواية ترامب أمس. ففي مقابلة مع برنامج “60 دقيقة” على قناة سي.بي.اس، قال إن قرار إيران إغلاق مضيق هرمز كان مفاجئاً، وهذا بعيد جداً عن الدقة؛ فقد تم التدرب على هذا السيناريو في مناورات عسكرية أمريكية وإسرائيلية لعقود.
وتواجه الحرب العالقة في الخليج انتقادات متزايدة داخل الولايات المتحدة. في الأيام الأخيرة، جاءت تقارير تفيد باستنزاف مخزون السلاح الأمريكي نتيجة الحرب، ما سيزيد صعوبة انخراطها في مواجهة عسكرية محتملة مع الصين في المستقبل. وفي مقال وجد رواجاً واسعاً، كتب المؤرخ المحافظ الجديد روبرت كاغان، في مجلة “ذي أتلانتيك” الثلاثاء، بأن الولايات المتحدة منيت بـ “هزيمة مباراة شطرنج” أمام إيران. وبحسبه “سجلت خسارة استراتيجية، وسيصعب تجنبها أو تجاهلها”.
يشدد كاغان أيضاً على مسألة السيطرة على مضيق هرمز. وكتب بأن المضيق لن يبقى مفتوحاً كما كان. وبسيطرتها عليه، تصبح إيران لاعبة رئيسية في المنطقة والعالم، ما يعزز موقف حليفتيها، الصين وروسيا. في المقابل، موقف الولايات المتحدة يضعف. “من الضروري إظهار القوة الأمريكية، فالصراع كشف الولايات المتحدة التي لا يمكن الوثوق بها والتي لا تستطيع إكمال ما بدأته”.
وحسب قوله، فإن 37 يوماً من القصف الجوي الأمريكي والإسرائيلي على إيران لم تؤد إلى انهيار النظام أو إلى أدنى تنازل من جهته. ويؤكد كاغان أن الضغط الاقتصادي لن يخضع النظام. فالقيادة التي ذبحت مواطنيها في كانون الثاني الماضي عندما احتجوا عليها، لن تتردد في فرض عقوبات اقتصادية على الشعب الإيراني من أجل البقاء. وكتب بأن نقطة التحول في الحرب كانت في 18 آذار، عندما هاجمت إسرائيل حقل غاز في إيران. وردت طهران بقصف منشأة ضخمة للغاز الطبيعي في قطر، وألحقت أضراراً ستستغرق سنوات لإصلاحها. وأعلن ترامب عن تجميد الهجمات ضد البنى التحتية، وبعد ذلك أعلن عن وقف لإطلاق النار دون مقابل من إيران.
مكشوفون في البرج
السياسة الأمريكية في الخليج تعكس أيضاً ضبط النفس الذي تفرضه على إسرائيل في لبنان. فالقوات البرية الإسرائيلية في جنوب لبنان تتخذ موقفاً دفاعياً في المقام الأول ضد حزب الله، وما زالت تواجه هجمات يومية بطائرات مسيرة مفخخة. وقبل يومين قتل جندي في الاحتياط بانفجار طائرة مسيرة، وأصيب ثلاثة جنود بإصابة طفيفة أمس.
ترد إسرائيل بشن هجمات جوية كثيفة، لكنها تركز – على ما يبدو بأنه توجيهات أمريكية – على خط التماس وشماله قليلاً. سيستغرق وقتاً إيجاد حل تقني للطائرات المسيرة التي تعمل بالألياف الضوئية، وفي غضون ذلك يأمل الجيش تقليص عدد الخسائر من خلال فرض انضباط عملياتي أكثر صرامة على المقاتلين.
أعاد عضو الكنيست أفيغدور ليبرمان (إسرائيل بيتنا) أمس استخدام تعبير قديم من أيام المنطقة الأمنية في لبنان. قال إن الجنود في لبنان مكشوفون “كالإوز في ميدان الرماية”، وهذا تعريف صاغه الوزير أفيغدور كهلاني لأول مرة في منتصف التسعينيات. وهذا هو الشعور السائد لدى الرأي العام.
قبل يومين كان رئيس الأركان أيال زامير ضيفاً على لجنة الشؤون الخارجية والدفاع، حيث شرح لأعضائها حجم المهمات التي ستسند للجيش المقاتل هذه السنة. الجيش الإسرائيلي ينظر إلى الـ 100 يوم احتياط للمقاتلين في هذه السنة كتقدير معقول. وعلق عدد من أعضاء الكنيست المعارضين بأن نطاق المهمات لا يتناسب على الإطلاق مع حجم القوة العسكرية التي يمتلكها الجيش الإسرائيلي في الوقت الحالي.
ما الذي يقلق نتنياهو؟ لا شيء كما يبدو. رئيس الحكومة ينشغل بمعركة الذاكرة. في مقابلة مع “سي.بي.اس” سئل عن مسؤوليته في التقصير الذي تسبب بالمذبحة في 7 أكتوبر، فأجاب بتملص كعادته: الجميع يتحملون المسؤولية، لكن ماذا عن المسؤولية بعد 7 أكتوبر؟”. بكلمات أخرى، في حين يرفض الاعتراف بدوره قبل حدوث المذبحة، ينسب لنفسه الفضل في إنجازات “مبالغ فيها” تحققت بعدها. هذا سؤال أصبح محوراً أساسياً في الحملة الانتخابية، ويبدو أن نتنياهو سيبذل قصارى جهده لتشويه ذاكرة الناخبين.
هآرتس 12/5/2026
عاموس هرئيل
