بصمات على جدار الزمن
بصمات على جدار الزمن
Logo
الشريط الإخباري

ما يُطبخ للبنان أخطر من الحرب

ما يُطبخ للبنان أخطر من الحرب

"ليبانون ديبايت" - محمد المدني

يقف لبنان اليوم داخل أزمة مفتوحة على كل الاحتمالات، حيث لا يبدو أن نهاية الحرب تعني نهاية المعاناة، ولا استمرارها يقدّم أفقًا سوى المزيد من الانهيار. فالمعادلة التي تحكم المشهد أكثر قسوة من أي وقت مضى. في الحالتين، الدولة تتآكل والشعب اللبناني يدفع الثمن.



حتى في حال توقّف الحرب، لن يعود لبنان إلى ما كان عليه. ما يُحضَّر ليس تسوية، بل واقع جديد. إسرائيل، التي أعادت صياغة عقيدتها الأمنية بعد تجربة غزة، تسعى إلى فرض منطقة عازلة، ليس فقط على الحدود، بل في عمق الجغرافيا اللبنانية، لضمان منع أي خرق مستقبلي. وهذا يعني عمليًا نقل خط الاشتباك إلى داخل الأراضي اللبنانية، وتحويل الجنوب إلى مساحة مراقبة دائمة، لا إلى منطقة سيادة مكتملة.


في المقابل، سيجد حزب الله في وقف الحرب فرصة لإعادة إنتاج مشهد "النصر"، بما يحمله ذلك من تداعيات داخلية. فالنصر السياسي في لبنان لا يُقاس دائمًا بحجم الخسائر، بل بقدرة كل طرف على توظيف النتائج في ميزان القوى الداخلي. وهنا تكمن المشكلة، فما يُقدَّم كإنجاز في الخطاب، يتحوّل في الواقع إلى عبء إضافي على دولة منهكة أصلاً.


أما إذا استمرت الحرب، فإن الصورة أكثر سوداوية. لبنان يدخل تدريجيًا في مرحلة الاستنزاف الشامل، بنى تحتية مهددة، اقتصاد يتهاوى، ونزوح داخلي يتوسّع ليصل إلى قلب المدن، حيث تصبح بيروت نفسها ملاذًا مؤقتًا لآلاف العائلات التي فقدت بيوتها أو فُرض عليها ترك مناطقها. ومع كل موجة نزوح، تتعمّق الأزمات الاجتماعية، وتزداد الضغوط على الخدمات، ويتراجع الاستقرار الهش.


في خلفية كل ذلك، يبقى القرار الأكبر خارج الحدود. فالمسار العسكري والسياسي مرتبط إلى حدّ بعيد بحسابات إقليمية تقودها إيران، ما يجعل لبنان ساحة تقاطع أكثر منه دولة قادرة على تقرير مصيرها. وهنا يظهر الخلل البنيوي الأخطر، الدولة اللبنانية تتحمّل كلفة قرارات لا تملكها بالكامل.


الأزمة، إذًا، ليست في الحرب وحدها، بل في موقع لبنان داخل هذه الحرب. فلبنان عالق بين مشروع أمني إسرائيلي يسعى إلى تعميق "الحزام الوقائي" ومشروع إقليمي يستخدم أرضه كورقة ضغط. وفي الحالتين، يتراجع منطق الدولة لصالح منطق الساحات.


الخلاصة القاسية أن لبنان لم يعد أمام خيار بين السيئ والأسوأ، بل بين شكلين من الخسارة، إما خسارة تدريجية تحت عنوان التهدئة المشروطة، أو خسارة متسارعة تحت وقع الحرب المفتوحة.