بصمات على جدار الزمن
بصمات على جدار الزمن
Logo
الشريط الإخباري

شبيغل تحذر: بينما تتجه الأنظار إلى إيران.. إسرائيل ترسم حدودا جديدة في غزة

شبيغل تحذر: بينما تتجه الأنظار إلى إيران.. إسرائيل ترسم حدودا جديدة في غزة

في ظل انشغال المجتمع الدولي بملف إيران وتداعياته الإقليمية، تمضي إسرائيل، على ما يبدو، في إعادة رسم الخريطة الميدانية داخل قطاع غزة بصورة متسارعة. فبحسب مجلة “دير شبيغل” الألمانية، أظهرت صور أقمار اصطناعية حديثة أن الجيش الإسرائيلي أقام سواتر ترابية طويلة ومعسكرات عديدة في عمق القطاع، في مؤشر على أن ما يجري لا يقتصر على ترتيبات عسكرية مؤقتة، بل يتجه نحو فرض واقع جغرافي وأمني جديد.

وبحسب المجلة الألمانية، فإن صور أقمار اصطناعية حديثة تكشف أن إسرائيل لم تعد تكتفي بإدارة الحرب من مسافة، بل تمضي في تثبيت حضور ميداني عميق يغير شكل غزة وحدودها ومعنى السيطرة عليها.

ما يتكشف من هذه الصور لا يبدو مجرد إجراء أمني مؤقت، بل سياسة ميدانية تتقدم بخطى ثابتة بينما ينشغل العالم بجبهات أخرى. فالمجلة الألمانية تحدثت عن سواتر ترابية تمتد كيلومترات داخل القطاع، وعن عشرات المنشآت العسكرية الجديدة، بما يجعل السيطرة الإسرائيلية الفعلية تمتد، وفق هذا التقييم، إلى نحو 54 في المئة من مساحة غزة. وهذه النسبة وحدها كافية لفهم أن المسألة لم تعد مرتبطة فقط بمعارك متفرقة أو نقاط تمركز مؤقتة، بل بمشهد جديد يفرض نفسه على الأرض ويطرح أسئلة ثقيلة عن مستقبل القطاع وحدوده وسكانه.

ما يتكشف من الصور لا يبدو مجرد إجراء أمني مؤقت، بل سياسة ميدانية تتقدم بخطى ثابتة بينما ينشغل العالم بجبهات أخرى

وتكشف الصور أن هذه الأعمال لم تتوقف عند حدود إعادة التموضع العسكري، بل شملت تغييرا مباشرا في شكل الأرض نفسها. فالمقارنة بين صور التقطت في يناير/ كانون الثاني الماضي وأخرى حديثة تظهر اتساع حجم الدمار في المناطق المحاذية للخط الجديد، حيث أزيلت منازل وحقول وحتى مقبرة من أجل فتح ممرات واسعة وتجهيز مناطق عازلة ومواقع عسكرية جديدة.

وتعكس هذه التحولات، وفق ما يظهر من الصور، استراتيجية إسرائيلية تقوم على تثبيت حضور ميداني كثيف داخل أجزاء واسعة من غزة. فعلى امتداد الخط المستحدث، أقيمت شبكة من النقاط والمواقع العسكرية المحصنة، بعضها ذو تصميم مربع أو مستطيل ومحاط بسواتر ضخمة، وداخلها تظهر حاويات ومركبات وبنية إمداد وخدمات، فضلا عن مساحات جرى تمهيدها أو تعبيدها، بما يوحي بأن هذه المنشآت أعدت للبقاء وليس لانتشار عابر مرتبط بجولة قتال محدودة.

ويحمل هذا التطور أبعادا سياسية تتجاوز الجانب الميداني المباشر. فحين تتغير حدود السيطرة على الأرض بهذا الشكل، يصبح الحديث عن أي انسحاب سريع أو العودة إلى ما قبل الحرب أكثر تعقيدا. كما أن بناء مواقع عسكرية محصنة وشبكات دفاعية واسعة يوحي بأن إسرائيل تستعد لصراع طويل، أو على الأقل لمرحلة تريد فيها الاحتفاظ بوجود مباشر ومؤثر داخل أجزاء واسعة من غزة.

ولا تقتصر دلالات هذه المنشآت على الجانب العسكري فقط، بل تمتد إلى تداعياتها المباشرة على السكان الفلسطينيين. فالمناطق التي شهدت هذه التحولات كانت في الأصل مناطق مأهولة أو زراعية، ما يعني أن فرض هذا الشريط العسكري الجديد ترافق مع اقتلاع عناصر أساسية من الحياة اليومية في القطاع. كما أن التوسع في المناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية يضاعف من صعوبة حركة السكان، ويعمق حالة التهجير والتضييق التي يعيشها الفلسطينيون في غزة منذ أشهر طويلة.

المناطق التي شهدت هذه التحولات كانت في الأصل مناطق مأهولة أو زراعية، ما يعني أن فرض هذا الشريط العسكري الجديد ترافق مع اقتلاع عناصر أساسية من الحياة اليومية في القطاع

وتستند هذه القراءة أيضا إلى معطيات أممية. إذ تفيد بيانات الأمم المتحدة، الظاهرة على موقعها الإلكتروني، بأن 224 فلسطينيا قتلوا منذ بدء وقف إطلاق النار في 10 أكتوبر/ تشرين الأول من العام الماضي وحتى فبراير/ شباط 2026 في المناطق الواقعة شرق الخط الفاصل أو بالقرب منه. ويشير هذا الرقم إلى أن هذه المناطق لم تتحول إلى حدود هادئة أو مستقرة، بل ظلت ساحة شديدة الخطورة على المدنيين.

من “الخط الأصفر” إلى حدود جديدة

في الأشهر الماضية، صار ما يعرف بـ”الخط الأصفر” عنوانا مركزيا لفهم ما يجري داخل غزة. هذا الخط كان يفترض أن يشكل، بعد وقف إطلاق النار في تشرين الأول/ أكتوبر 2025، حدا فاصلا فعليا بين مناطق خاضعة للوجود العسكري الإسرائيلي وأخرى تبقى خارج هذا التمدد المباشر. لكن الوقائع على الأرض تقول إن هذا الخط لم يبق ثابتا على حاله. فقد أظهرت صور سابقة راجعتها “رويترز” في كانون الأول/ ديسمبر 2025 وكانون الثاني/ يناير 2026 أن كتل الفصل الصفراء وضعت أحيانا عشرات أو مئات الأمتار داخل مناطق كانت تعد خارج هذا الخط، ولا سيما في حي التفاح بمدينة غزة، حيث دمر ما لا يقل عن 40 مبنى بعد تحريك العلامات الحدودية بنحو 200 متر إلى الداخل.

هذا يعني أن “الخط الأصفر” لم يعد مجرد خط مراقبة أو رمز عسكري على الخرائط، بل تحول تدريجيا إلى أداة لإعادة إنتاج الجغرافيا على الأرض. وما بدأ، في نظر كثيرين، كترتيب عسكري مؤقت داخل هدنة هشة، صار أقرب إلى سياسة تمدد ميداني محسوب.

بحسب المجلة الألمانية، فإن ما يحدث في غزة اليوم يذكر، في جوهره، بالسياسات التي تقوم على فرض الأمر الواقع ثم ترك السياسة تلحق بالميدان لاحقا. فحين تقام السواتر، وتجرف الأحياء، وتبنى المواقع العسكرية، وتتحول “المنطقة العازلة” إلى شريط واسع متعدد الطبقات، فإن السؤال لا يعود فقط: أين يقف الجيش الآن؟ بل: ما الذي سيبقى من غزة حين تتوقف الحرب فعلا؟ وهل نحن أمام تدابير أمنية قابلة للتراجع، أم أمام إعادة تشكيل تدريجية وحديدية للقطاع نفسه؟