بين لحظة الانفجار في الجو ولحظة ملامسة الأرض، تبدأ معركة مختلفة تمامًا بالنسبة لأي طيار عسكري يُسقط فوق أراضٍ معادية. مع تقارير تحدثت عن إسقاط طائرة أميركية فوق إيران، وتسابق القوات الأميركية الزمن للوصول إلى أحد طياريها قبل وقوعه في الأسر، كشف طيار أميركي متقاعد تفاصيل دقيقة حول ما يجب فعله للبقاء على قيد الحياة.
الجنرال المتقاعد هيوستن كانتويل، الذي خدم لسنوات طويلة ويعمل حاليًا في معهد ميتشل لدراسات الفضاء الجوي، أوضح في حديث لوكالة "فرانس برس" أن أول اختبار حقيقي يبدأ لحظة القفز بالمظلة. وقال إن أفضل فرصة لجمع المعلومات الاستخباراتية تكون أثناء الهبوط نفسه، حيث يستطيع الطيار تقييم التضاريس وتحديد الاتجاهات التي يجب تجنبها أو التوجه إليها.
وأضاف أن الرؤية خلال النزول بالمظلة تمنح الطيار أفضلية موقتة، لأن قدرته على استطلاع محيطه ستتراجع فور وصوله إلى الأرض. لذلك، عليه أن يحدد مسبقًا نقاط الاختباء المحتملة أو مسارات الهروب الممكنة.
لكن الوصول إلى الأرض لا يعني انتهاء الخطر. فالارتطام، حتى مع المظلة، قد يؤدي إلى إصابات في القدم أو الكاحل أو الساق، ما قد يعقّد فرص الهروب. لذلك، يشدد كانتويل على ضرورة تقييم الحالة الجسدية فور الهبوط: هل يمكن الحركة؟ هل هناك كسور؟ هل القدرة على الفرار متاحة؟
بعد ذلك تبدأ المرحلة الأهم: التخفي وتفادي الأسر. وأكد الطيار المتقاعد أن الأولوية المطلقة هي تجنب الوقوع في قبضة العدو لأطول فترة ممكنة. ففي بيئة صحراوية مثل إيران، يصبح البحث عن مصدر للمياه عاملًا حاسمًا في البقاء، إلى جانب اختيار أماكن يصعب رصدها.
وأوضح أن الطيارين الأميركيين يخضعون لتدريبات مكثفة ضمن برنامج يعرف اختصارًا بـ"SERE" (البقاء، التهرب، المقاومة، الهروب)، وهو تدريب يهدف إلى تأهيلهم نفسيًا وميدانيًا لمواجهة مثل هذه السيناريوهات.
وفي المقابل، تتحرك فرق البحث والإنقاذ القتالي (CSAR) فور فقدان الاتصال، وهي وحدات عالية التدريب تعمل على تنفيذ عمليات إنقاذ معقدة، لكن كانتويل أشار إلى أنها لن تنفذ "مهمة انتحارية"، ما يعني أن الناجي نفسه يجب أن يهيئ ظروفًا مناسبة لتسهيل إنقاذه.
وأشار إلى أن الطيارين يحملون حقيبة نجاة صغيرة ضمن كرسي القذف أو على بذلة الطيران، تتضمن مواد غذائية أساسية، مياهًا، أجهزة اتصال، معدات إشارات، وأحيانًا سلاحًا شخصيًا. وكشف أنه كان يحمل مسدسًا أثناء قيادته لطائرة أف-16.
ووفق تقارير إعلامية، فإن طائرة أميركية من طراز أف-15 إي سترايك إيغل تحطمت جنوب غرب إيران، حيث أُنقذ أحد الطيارين، فيما لا يزال مصير مشغل الأسلحة في المقعد الخلفي غير محسوم.
يأتي هذا التطور في سياق الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، والتي بدأت في 28 شباط الماضي، وشهدت تصعيدًا غير مسبوق في الضربات الجوية والاغتيالات والهجمات الصاروخية المتبادلة. وقد تحوّل المجال الجوي الإيراني إلى ساحة مواجهة مباشرة، ما يرفع احتمالات حوادث إسقاط الطائرات والاشتباكات الجوية.
وفي مثل هذه البيئات القتالية المعقدة، لا يقتصر التحدي على القتال في الجو، بل يمتد إلى معركة صامتة على الأرض، حيث يصبح البقاء حيًا مهمة فردية محفوفة بالمخاطر، تتطلب تدريبًا صارمًا، وقرارات سريعة، وأعصابًا باردة في أكثر اللحظات خطورة.
