ليبانون ديبايت" - باسمة عطوي
على مدى أيام، ترّقب المودعون صدور بيان جديد من مصرف لبنان يقضي برفع سقف السحوبات للتعاميم 166 و158، تحسسا منه لأوضاعهم في أيام النزوح والحرب الدائرة، على غرار ما حصل خلال العدوان الإسرائيلي في 2024.
لكن هذا الأمر لم يتحقق إذ سرّب المركزي معلومات أن لا إمكانية لإتخاذ هذه الخطوة لأن "السياسة ىالمُتّبعة حاليا تنص على ضبط أي شكل من أشكال الإنفاق الإضافي، للمحافظة على الدولارات المتوفرة وعدم المجازفة بأي دعسة ناقصة في ظل ظروف ليس من المعروف كيف ومتى ستنتهي"، طالبا "ضمانات واضحة من الحكومة ومجلس النواب بإدراج صريح في قانون إستعادة الودائع بند، يؤكد بأن جميع المبالغ المدفوعة بموجب التعميمين المذكرين أعلاه، تُحتسب وتُحسم تلقائيا من أي دفعات مستقبلية ضمن الحد الأدنى المضمون للمودعين".
في تشريح ما سرّبه المركزي، لا بد من الإنطلاق من نقطة أساسية وهي أن الأموال المحجوزة في المصارف، والإحتياطي الإلزامي الموجود في المركزي هي في الأساس أموال المودعين، ويحق لهم الوصول إليها وفق ما تنص عليه كل القواعد المالية العالمية. لكن المشكلة ليست في "قرار تقني"، بل في غياب المال الكافي والنظام الإصلاحي الكامل الذي يمنع المودعين من إستعادة أموالهم بعد أكثر من 6 سنوات من الإنهيار، بسبب تلكؤ كل من السلطتين السياسية والنقدية والمصارف في إيجاد الحلول وهذه هي الأسباب غير المُباشرة. لكن ذلك لا يمنع من البحث عن الأسباب المُباشرة التي تدفع مصرف لبنان لعدم رفع سقوق التعاميم حاليا.
بحسب المُتابعين هناك مجموعة عوامل مترابطة تمنع المركزي من رفع سقف التعاميم، الأولى هي محدودية ما تبقّى من الدولارات (الإحتياطي)، بمعنى أن مصرف لبنان يموّل جزءاً كبيراً من هذه السحوبات بالدولار "الفريش"، وأي رفع للسقف يعني تسريع إستنزاف الإحتياطي الإلزامي، الذي يُستخدم أيضاً لدعم الاستيراد الأساسي (دواء، قمح، محروقات جزئياً) وللتدخل في سوق الصرف، لذلك الأولوية هي إطالة عمر الاحتياطي بدل صرفه بسرعة.
ثانيا: غياب تدفقات مالية جديدة ففي ظل عدم التوصل إلى إتفاق مع صندوق النقد، وغياب الإستثمارات الخارجية الكبيرة، وعدم دخول تحويلات المغتربين في النظام المصرفي بشكل كافٍ، وهذا يعني أن زيادة للسحوبات تعني توزيع ما تبقّى بشكل أسرع فقط.
ثالثا: يخاف المركزي من حصول ضغط إضافي على سعر الصرف، فعندما يحصل المودعون على دولارات، جزء منها يُسحب نقداً وجزء يُحوّل إلى ليرة ويُصرف في السوق، وبالتالي رفع السقوف قد يؤدي إلى زيادة الطلب على الدولار في السوق، أو زيادة الكتلة النقدية بالليرة والنتيجة المحتملة هي ضغط على سعر الصرف وعدم إستقرار نقدي.
رابعا: إنتظار المركزي لمسار سياسي–إقتصادي أوسع ، أي تعديل كبير يرتبط بـ خطة تعافٍ رسمية وحالياً ما زال المسار غير مُكتمل لذلك يتم تجميد الوضع بدل تغييره جذرياً.
أبو سليمان: لإبتكار أفكار لخلق سيولة تغذي رفع التعاميم
أمام هذا الواقع هل يمكن إيجاد حلول أخرى لتأمين السيولة اللازمة لتمويل رفع سقف التعاميم؟
يشرح الخبير الإقتصادي وليد أبو سليمان ل"ليبانون ديبايت"، أن "طلب رفع سقف السحوبات من المصارف بحسب التعاميم 166 و158 التي أصدرها المصرف المركزي، هو طلب مُحق لأنها في الأساس هي أموال المودعين"، موضحا إلى أنه "فعليا المركزي كان يموّل هذه السحوبات من خلال زيادة إحتياطه من العملات الأجنبية، أي من خلال فائض الجباية التي تقوم بها الدولة و بيع المكلفين للدولار، لدفع الرسوم المتوجبه عليهم بالليرة اللبنانية، وهذا ما إنعكس زيادة في الحساب 36 بالليرة اللبنانية أما الدولارات فتحوّل إلى المركزي".
يضيف:"اليوم وبعد الحرب هناك صدمة سلبية، وهناك منطقة كاملة لا يمكن للحكومة جباية الرسوم منها، وهذا يعني عدم إدخال دولارات جديدة للمصرف المركزي، لأن جزء من المكلفين لم يعودوا يبيعون دولاراتهم لدفع رسومهم"، مشيرا إلى أن "الباب الثاني لزيادة مداخيل الدولة كان من خلال الإستيراد. صحيح أن كلفته إرتفعت على الأساسيات (محروقات...) لكنها إنخفضت على الكماليات بسبب تراجع تصريفها في الأسواق المكنمشة بفعل الحرب".
يجزم أبو سليمان إلى أن "هذا المسار يدفع المركزي للتمسك بما يملكه من أموال الإحتياطي الإلزامي ويبدو أنه غير مستعد للتخلي عنه برفع سقف السحوبات. بالنسبة للمصارف لم يتغير شيء عليها غير أنها تتخذ من الحرب ذريعة لعدم رفع سقف السحوبات وعمليا الارباح من الخدمات المصرفية هي غائبة عنها والعبء لتأمين تمويل رفع التعاميم يقع على المركزي"، داعيا إلى "إنصاف المودعين بطريقة ما خصوصا في ظل ظروف الحرب، ومنها عبر إستثمار جزء من الذهب، وهذا ما قام به المصرف المركزي التركي من خلال إتمام عمليات "Swap" لجزء من الذهب الذي يملكه لخلق سيولة بالعملات الأجنبية على غرار ما قام به المصرف المركزي التركي مؤخرا".
يرى أبو سليمان أن"تخفيض الإحتياطي الإلزامي هو قرار يتخذه المركزي، وهذا ما قام به الحاكم السابق رياض سلامة حيث خفّضه من 15 بالمئة الى 14 بالمئة وهذا ينطبق على التعاميم أيضا، وما يطلبه من مجلس النواب والحكومة تشريع إحتساب تكون الأموال التي يحصل عليها المودعون عبر التعاميم، ضمن 100 ألف دولار التي سيستعيدونها لاحقا هو أمر غير منطقي وظالم للمودعين".
ويختم:"منذ أكثر من عامين ونحن نتفاوض مع صندوق النقد الدولي من دون أن نتوصل إلى حل، ولم نوّقع إتفاق نهائي بالرغم من توقيع إتفاق مبدئي في نيسان 2022، والمشكلة الأساسية في عدم رفع التعاميم هو عدم وجود سيولة ولخلقها علينا إبتكار أفكار منها إستثمار جزء من الذهب".
